الجمعة فبراير 20, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «ولا تجيبن دعوة، ولا تقبلن هدية».

الشرح: أرشد الإمام رضي الله عنه تلميذه إلى بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالقضاة والولاة ليستفيد منها إذا صار قاضيا ويعمل بها ولا يغفل عنها.

فإن مما يذكر في كتب الفقه في أحكام القضاة أن دعوة القاضي على قسمين: دعوة عامة وأخرى خاصة.

فالقاضي يجيب الدعوة إذا كانت عامة للجماعة، فإن النبي ﷺ كان يقضي بين الناس ويجيب الدعوة كما تشهد لذلك عدة أحاديث؟ فعند ابن ماجه([1]) عن أنس رضي الله عنه: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة المملوك.

وعند البخاري([2]) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت».

فالدعوة إن كانت عامة لا يكون المقصود منها القاضي.

وإن كانت الدعوة خاصة – وهي التي لا يتخذها صاحبها لولا حضور القاضي – فلا يجيب لأن المقصود هو القاضي.

وبالنسبة لقبوله الهدية حال كونه قاضيا تفصيل يذكره الفقهاء في باب الأقضية نذكر بعضه اختصارا: إن كان الـمهدي له خصومة عند القاضي فلا يقبل القاضي هديته، وإن لم يكن كذلك فإما أن لا يكون له عادة بالإهداء قبل أن يصير الـمهدى إليه قاضيا وإما أن يكون له عادة بذلك. فإن لم يكن له عادة فلا يقبلها. وإن كان له عادة فإما أن يهديه على عادته أو أزيد، فإن كان أزيد من عادته فلا يقبلها وإن كان على عادته له أن يقبلها.

وليس كلام الإمام على إطلاقه لكل أحد، كيف هذا وقد حث النبي ﷺ على الهدية، ففي الحديث([3]): «تهادوا تحابوا». وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام سأل عنه: «أهدية أم صدقة»؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: «كلوا» ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده ﷺ فأكل معهم([4]).

وفي سنن أبي داود([5]) وابن ماجه([6]) عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قدمت على النبي ﷺ حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي، قالت: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضا عنه، ثم دعا أمامة بنت بنته زينب فقال: «تحلي بهذا يا بنية».

وفي صحيح البخاري([7]) من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب.

وصح([8]) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح».

فكم من ضغينة ذهبت بسبب هدية، وكم من مشكلة دفعت بسبب هدية، وكم من صداقة ومحبة جلبت بسبب هدية.

وإن كانت الهدية بشيء خفيف كسواك بنية حسنة فثوابه عظيم وما كان أكبر فثوابه أكبر، ولا يقتصر في إهدائه على الأغنياء بل يهدي الفقير والأرملة واليتيم والضعفاء، ولا يكون بنية أن يهدى إليه مقابل ذلك.

وأما ما ينسب للنبي ﷺ: «إنا نقبل الهدية ولو كانت تمرة ولا نقبل الصدقة ولو كانت جبلا من ذهب» فهو مكذوب على رسول الله ﷺ يجب التحذير من نسبته إلى الرسول على أن المعنى صحيح فالرسول يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة.

([1]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/770)، حديث (2296).

([2]) صحيح البخاري، البخاري، (7/25)، حديث (5178).

([3]) شعب الإيمان، البيهقي، (11/301)، حديث (8568).

([4]) صحيح البخاري، البخاري، (3/155)، حديث (2576).

([5]) سنن أبي داود، أبو داود (4/92)، حديث (4235).

([6]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1202)، حديث (3644).

([7]) صحيح البخاري، البخاري، (7/164)، حديث _5929).

([8]) صحيح مسلم، مسلم، (4/1766)، حديث (2253).