الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «وتقرب من العامة».

الشرح: تواضع وانكسار، رأفة ورحمة وتلطف، همة عالية ومداراة ومفتاح دعوي، كل هذا بل وأزيد هو ما يوصي به الإمام. نعم، فالتقرب من العامة يحملك على هذه الصفات الكريمة، فالتعامل مع العامة يحتاج إلى كثير عناية ومراقبة للنفس في أفعالها وتصرفاتها وأقوالها، ودائما تحتاج إلى أن تلاحظ الحكمة والحنكة في ذلك كله.

وإليك بعض الإرشادات في ذلك:

  • التواضع لهم ويكون معيار تقديرك لأي شخص هو دينه فلا تستصغر أحدا تفكها فتهلك، فإنك لا تدري لعله خير منك وأطوع لله منك، وفي الوقت نفسه لا تنظر إليهم بعين التعظيم في دنياهم ولأجلها فإن الدنيا ملعونة ملعون ما من فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما([1]).
  • النهي عن الطمع فيهم فتصغر في أعينهم، فلا يكن همك الانتهال من دنياهم، ولا تطمع فيما في أيديهم من دنياهم، ففي الحديث([2]): «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».
  • النهي عن معاداتهم إلا ما كان فيه معصية لله من أفعالهم ومن ذلك تنظر إليهم بعين الشفقة والرحمة وتعمل على نصحهم ما استطعت لإخراجهم من المعصية وإرجاعهم إلى الطاعة.
  • النهي عن معاداتهم عند رفضهم مساعدتك في أغراضك الخاصة وأمورك الدنيوية، فلا تذمهم فتكتسب عداوتهم بل تذكر الإحسان والإكرام معهم.
  • الوعظ: عظهم وانصحهم إذا رأيت فيهم أثر القبول لئلا يعاديك بعضهم ولا يسمع منك.

يقول ابن الجوزي في «صيد الخاطر»([3]) ملخصا هذه المسألة: «ومجالسة العوام فتنة للدين([4]) إلا أن يحترز في مجالسهم، ويمنعهم من القول([5])، فيقول هو، ويكلفهم السماع، ثم يستوفز للبعد عنهم. ولا يمكن الانقطاع الكلي إلا بقطع الطمع، ولا ينقطع الطمع إلا بالقناعة باليسير، أو يتجر بتجارة، أو أن يكون له عقار يستغله؛ فإنه متى احتاج تشتت الهم ومتى انقطع العالم عن الخلق، وقطع طمعه فيهم وتوفر على ذكر الآخرة فذاك الذي ينفع وينتفع به([6])، والله الموفق».

فينبغي للعالم أن لا ينعزل عن العامة بل يخرج إليهم ويعمل على إصلاحهم وتربيتهم وتغيير حالهم فإنه لا يدري من ينقلب عالما منهم فإنهم مفتاح دعوي لمن عرف كيف يستغله. ويؤكد هذا المعنى ما جاء في قصة نبي الله نوح، فقد دعا قومه تسعمائة وخمسين سنة وما كل ﷺ مع ما لاقاه من الأذى، ومع ذلك لم يؤمن به إلا نحو ثمانين شخصا.

([1]) وقد ورد هذا في حديث، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». سنن الترمذي، الترمذي، (4/561)، حديث (2322). وقال شيخنا الحافظ الهرري: «وفي إسناده ضعف».

([2]) سنن ابن ماجه، ابن ماجه، (2/1373)، حديث (4102).

([3]) صيد الخاطر، ابن الجوزي، (ص354).

([4]) أي: لمن انجرف مع من هو غارق منهم في ملاذ الدنيا والعصيان.

([5]) أي: القبيح.

([6]) أي: الانتفاع الكامل.