الشرح: نصيحة تحوي في طياتها الكثير من المعاني والجليل من أبكار الفوائد وفي معناها نخوض في شرحها نقول:
إن التشبه بأهل الخير والتقوى والإيمان والطاعة أمر حسن ولهذا يشرع الاقتداء بالنبي ﷺ في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وءادابه وأخلاقه وذلك مقتضى المحبة الصحيحة فإن المرء مع من أحب.
فمما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والاقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة ومن البطالة إلى العمل ومن الشبهات إلى الورع ومعرفة النفس وءافاتها؛ فالجليس الصالح يأمر بالخير وينهاك عن الشر ويسمعك العلم النافع والقول الصادق والحكمة البليغة ويذكرك نعم الله عليك وءالاءه ويعرفك عيوب نفسك ويشغلك عما لا يعنيك. وإن كان قادرا سد خلتك([1]) وقضى حاجتك، إن ذكرته بالله رجا ثوابه وإن خوفته من عذابه ترك الإساءة. يجهد نفسه في تعليمك وإصلاحك إذا غفلت عن ذكر الله وإذا أهملت أنذرك.
فالجليس الصالح لا تمل قربه، تسر بحديثه إذا حضر، يشهد معك مجالس العلم وحلق الذكر وبيوت العبادة، ويشجعك على الطاعة وينفرك من المعصية، ولا يزال ينفعك حتى يكون كبائع المسك وأنت الجليس أو المشترى.
الجليس الصالح إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أصابتك فاقة أعانك إن قدر، وإذا رأى منك حسنة عدها وإذا رأى سبئة كتمها وسترها ونصحك.
الجليس الصالح هو من خير مكاسب الدنيا، زينة في الرخاء، وعدة في الشدة، ومعونة على المعاش والمعاد، فلا تصحب من إذا حدثك كذب، وإذا ائتمنته خانك، وإذا ائتمنك اتهمك.
أخي الحبيب، إن في مصاحبة الصالحين ثمرات منها:
وقد صدق الناس في قولهم: «الصاحب ساحب إما إلى الرقي وإما إلى الحضيض»، وقولهم: «الصاحب ساحب إما إلى الجنة وإما إلى النار»، فهو من الكلام الحسن الذي تقوله العامة وليس حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ.
فهنيئا لمن وجد جليسا وصديقا صالحا، فإنه في هذه الأزمنة من أندر النادر، فيا فوز ويا سعد من حصله فلزمه وانتفع به وعمل بهديه.
فابحث عن الجليس الصالح، واهجر الفاسق فإنه خراب وقد يودي بك إلى الضلال والمهالك والعواقب الوخيمة.
وفي الختام نذكركم بقوله تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين * يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} [الزخرف: 67، 68]، فماذا بعد قول الله ورسوله ﷺ.
([2]) صحيح البخاري، البخاري، (5/12)، حديث (3688).
([3]) المستدرك على الصحيحين، الحاكم، (4/186)، حديث (7314).
([4]) أي: ثبتت، وليس معناه الوجوب الذي تقول به المعتزلة خذلهم الله، فقولهم باطل، إذ لا يجب على الله شيء ألبتة.
([5]) صحيح البخاري، البخاري، (1/12)، حديث (16).
([6]) صحيح البخاري، البخاري، (1/133)، حديث (660).
([7]) صحيح البخاري، البخاري، (8/86)، حديث (6408).