الخميس يناير 29, 2026

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «إذا دخلت البصرة واستقبلك الناس، وزاروك وعرفوا حقك، فأنزل كل رجل منهم منزلته».

الشرح: أوصاه رضي الله عنه بهذه الوصية لما عرف من حاله أنه مسافر وقادم على أناس غرباء عنه لا يعرف عاداتهم، فرده إلى ءاداب الإسلام التي هي سادات العادات وبذلك يتألفهم ويتألفونه.

وليس بجديد على الإمام الاقتباس من الأحاديث النبوية في وصاياه، فعين هذه الوصية عند أبي داود، فقد روى في السنن([1]) أن عائشة مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال رسول الله ﷺ: «أنزلوا الناس منازلهم».

وهذا الهدي المحمدي جمع من قوام الأدب الشيء الكثير لا سيما أنه قد شاع اليوم بين كثير من المسلمين ما ينافي الأدب ويخالف الاحترام في تعاملاتهم.

وهذا الحديث لا شك أنه قاعدة عظيمة في هذا الباب، إذ يبين لنا أن الكبير له معاملة، والصغير له معاملة، والجاهل له معاملة، والعالـم له معاملة، والرجل له معاملة، والمرأة لها معاملة، وهلم جرا.

ولذلك قال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح([2]): «فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق فيه حقه».

فلا شك أن المقربين عند الله تعالى هم الذين يحبونه ويعبدونه ويقيمون حقوقه ويراعون حدود الشرع ويؤدون العبادات التي أمروا بها، فهؤلاء لهم مكانتهم نحبهم ونقربهم ونحترمهم ونعترف بفضلهم وبأعمالهم، فننزلهم منزلة رفيعة.

كذلك العلماء نحبهم أيضا ونقربهم ونجالسهم ونؤانسهم ونطمئن إليهم ونركن إليهم ونثق بهم ونعرف لهم حقهم ومكانتهم.

ولا تنس أيها المسلم في معاملة الكبير والصغير قوله ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»([3])، أي: ليس على ءادابنا وطريقتنا الكاملة، وقوله ﷺ: «إن من إجلال([4]) الله إكرام ذي الشيبة المسلم»([5])، أي: من تعظيم الله احترام المسلم الكبير ذي الشيبة وتوقيره لأن الله أمرنا بذلك.

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: «من ءاداب الإسلام تقديم المسلم الكبير في المجلس والكلام لقوله عليه الصلاة والسلام: «كبر كبر»([6]) أي: قدم الكبير ليتكلم قبلك».

وانظر إلى فعل النبي ﷺ مع والد أبي بكر رضي الله عنه، فقد روى أحمد في المسند([7]) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: لما دخل رسول الله ﷺ مكة، ودخل المسجد، أتاه أبو بكر بأبيه، فلما رءاه رسول الله ﷺ قال: «هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا ءاتيه فيه». قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، قال: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: «أسلم»، فأسلم.

قال الغزالي في الإحياء([8]): «وينبغي أن يعود – أي: الصبي – أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل… ويعود أن لا يتكلم غلا جوابا، وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره([9]) ممن هو أكبر منه سنا، وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه».

وإياك أن تفهم كلام الغزالي على غير وجهه، فالصبي إن كان ذا علم قدم وقرب، وعليه عمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابن عباس رضي الله عنهما حيث كان يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار فيتحدث ابن عباس ولا يجاوز عمر قوله. فقد روى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم، فقال بعضهم: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1]، فقالوا: أمر الله نبيه ﷺ إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه. فقال لي: ما تقول يا ابن عباس؟ قال: قلت: ليست كذلك، ولكنه أخبر نبيه عليه الصلاة والسلام بحضور أجله، فقال: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] فتح مكة، {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} [النصر: 2]، فذلك علامة موتك، {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [النصر: 3]. فقال لهم: «كيف تلوموني على ما ترون».

ونختم بما يروى في إجلال الشافعي رضي الله عنه للإمام أحمد رضي الله عنه، وهذا من توقير الأئمة لبعضهم وأن لا يؤخذ في محبتهم العصبية المنتنة:

قالوا يزورك أحمد وتزوره
إن زارني فبفضله أو زرته

 

قلت الفضائل لا تفارق منزله
فلفضله فالفضل في الحالين له

([1]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/261)، حديث (4842).

([2]) صحيح مسلم، مسلم، (1/5).

([3]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/321)، حديث (1919).

([4]) أي: من كمال ذلك.

([5]) سنن أبي داود، أبو داود، (4/261)، حديث (4843).

([6]) صحيح البخاري، البخاري، (4/101)، حديث (3173).

([7]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، (44/518)، حديث (26956).

([8]) إحياء علوم الدين، الغزالي، (3/73).

([9]) أي: فيما يوافق الشرع ومما فيه خير أو نفع أو إرشاد لهذا الصبي ولغيره، وأما إن جرى في المجلس ما هو محرم مخالف للدين فإن الصبي أم المرأة أو العبد المملوك لهم أن يبينوا الصواب ويقولوا الحق بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «قل الحق وإن كان مرا»، وما رواه سعيد بن منصور والبيهقي والحافظ ابن حجر العسقلاني في رد الصحابية الأنصارية على أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في مسألة مهور النساء، والحق أحق أن يتبع، وكائن من كان الذي قاله يشكر عليه صغيرا كان أو كبيرا أو امرأة أو عبدا.