في صحيح مسلم: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها أي لقرابتها الذين عندها وشعروا بوفاة ابنها لا تحدثوا أبا طلحة عند مجيئه المنزل بوفاة ابنه لئلا يتنغص عيشه وهو صائم فلا ينال حاجته من الطعام حتى أكون أنا أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له بتحسين الهيئة بالحلي ونحوه أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك الوقت، وهذا يدل على كمال يقينها وقوة صبرها.
فوقع بها أي جامعها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها بالجماع قالت منبهة له على أنه لا ينبغي له الحزن على موت ولده، عند اطلاعه عليه لأنه وديعة بصدد الاسترداد: يا أبا طلحة أرأيت أي أخبرني لو ثبت أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أي لأهل البيت المستعيرين أن يمنعوهم؟ قال: لا أي ليس لهم منعهم، فقالت: فاحتسب ابنك أي اطلب ثواب ابنك وأجر مصيبتك فيه من الله ولا تدنسها بما يحبط الثواب فإنه كان عندك عارية استرده مالكه قال أنس: فغضب أبو طلحة ثم قال لأم سليم: تركتني حتى إذا تلطخت أي بالجماع ثم أخبرتني بابني أي بموته.
فانطلق يمشي حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره بما كان أي المذكور من فعل أم سليم الدال على كمال يقينها وحسن صبرها مما يعجز عنه كثير من الرجال. فقال رسول الله ﷺ داعيا لهما بما يعود نفعه عليهما: «بارك الله لكما في ليلتكما»، أي: فيما فعلتهما فيها من الإعراس بأن يجعله نتاجا طيبا وثمرة حسنة، قال أنس: فحملت أم سليم إجابة لدعائه بالبركة. وذكر تمام الحديث.
فها هي أم سليم المنورة القلب بهدي المصطفى تتحلى بالصبر الجميل عند فقد ولدها من أبي طلحة، فهل بلغت أم سليم هذه الدرجة من الصبر لولا قوة اليقين واليوم الآخر والثواب من الله تعالى وثبات القلب بتعاليم سيد العالمين؟ فلا عجب أن تجد بين الصحابة من كان هكذا حاله فإن نبيهم سيد الناس وخير الخلق وأشد الناس توكلا على الله وقد غرس فيهم هذا التسليم والتعظيم لكلام رب العالمين. {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36]. وهكذا سائر الأعمال الصالحة التي يعملها العبد المسلم يتفاوت الأجر في ذلك على حسب قوة اليقين وصدق النية وحسنها وهذا كله لا يثبت لأحد إلا بالثبات على الإسلام أي تجنب الكفريات القولية والفعلية والاعتقادية.
فمن ثبت على الإسلام وأخلص نيته لله تعالى ووافق في عمله شرع الله الذي جاء به نبيه ﷺ له هذا الأجر. والله تبارك وتعالى غني شكور لا يعجزه شيء وهو أكرم من أعطى. فأهم الأمور هو موافقة شرع الله تبارك وتعالى والثبات على ذلك أي حفظ الجوارح وحفظ اللسان وحفظ البدن وحفظ القلب. فمن لم يحفظ جوارحه أي لسانه وبدنه وقلبه مما يحبط العمل فإنه كالذي يبني ثم يهدم، يبني ثم يهدم، يبني ثم يهدم.
بعض الناس إذا خاصم شخصا فغضب يقع في كفرية يسب خالقه أو يسب نبيا من أنبيائه أو يغير اعتقاده عن الاعتقاد الإسلامي الإيماني إلى ما يخالفه يكون خرج بذلك من الإسلام ويلزمه النطق بالشهادتين (لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله) فورا للعود إلى الإسلام.
اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما ونعوذ بك من حال أهل النار