الجمعة مارس 13, 2026

رب ابن لي بيتا

أناس ممن كانوا قبل أمة محمد عرفوا قدر الآخرة فهانت عليهم نفوسهم، فصبروا وثبتوا ورأوا الكرامات عند الموت، ومنهم سيدتنا ءاسية بنت مزاحم رضي الله عنها امرأة فرعون. كانت أغنى امرأة في مصر، كانت تقية صالحة تبعث بالمال لمصالح المسلمين تجاهد بمالها ليكون ذاك عونا للمسلمين على نش دين الله.

فرعون هو الذي كان يقول عن نفسه إنه رب الناس رب الخلق رب العباد، كان يقول للناس: {أنا ربكم الأعلىٰ} [النازعات: 24]. كان أهل بلده يعبدونه وءاسية زوجته ما كانت تعبده، هي مؤمنة مسلمة لكن في ذلك الزمن كان حلالا أن تكون المسلمة تحت غير مسلم. كانت ءاسية تكتم إيمانها تخفي إيمانها وفرعون ما كان يعرف أنها مسلمة مؤمنة لا تعبده، ثم في الأخير عرف أنها لا تؤمن به وأنها تعبد الله ولا تعبده. لما عرف ذلك صار يعذبها. ذات يوم دخل عليها فرعون وأخبرها بقتل الماشطة وأولادها فقامت ءاسية وقالت له: «الويل لك ما أجرأك على الله». فقال: «لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة». فقالت له: «ما بي جنون ولكني ءامنت بالله تعالى رب العالمين» عرف أنها مسلمة، عرف أنها مؤمنة. فأقسم فرعون أن تذوق الموت أو تكفر بإله موسى، فقالت له: «أما أن أكفر بالله فلا والله».

فأمر فرعون بتعذيبها، فمد بين يديها أربعة أوتاد أي نصب أربعة أوتاد في الأرض. وضع لها الأوتاد الحديدية فكانت يدها اليمنى في وتد واليسرى في وتد وكذلك رجلاها بالأوتاد الحديدية، وكان يعذبها ويضربها تحت حرارة الشمس القوية، ولكنها دعت وطلبت من أحكم الحاكمين من رب العالمين من الله تعالى أن يخلصها من فرعون وعمله: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين} [التحريم: 11]. ومعنى: {عندك} أي: في المكان المشرف عندك، المكان الذي أنت شرفته وهو الجنة ليس معناه أن يبني الله لها بيتا في مكان قريب منه بالمسافة مجاور له بالمسافة. هي لا تعتق أن الله جسم له مكان بل تعتقد أن الله موجود ليس جسما، منزه عن المكان والجهة ومع هذا قالت: {عندك} [التحريم: 11].

على معنى أن البيت الذي تبنيه في مكان مشرف في مكان شرفته وهو الجنة. كشف الله عن بصرها، فرأت بيتها في الجنة، رأت قصرها في الجنة وهي في الأرض، وصارت تنزل عليها الملائكة – ملائكة الرحمة – وتظلها من حرارة الشمس. عذبت حتى ماتت هنيئا لمن يبني لآخرته، ويصبر على الثبات على الإيمان وعلى طاعة الله عز وجل.

الأنبياء عليهم السلام هم أفضل البشر، والأولياء من البشر هم بعد الأنبياء أفضل الناس إن كان رجلا وإن كان امرأة. كانت مريم من الوليات وهي خير امرأة على الإطلاق أفضل امرأة عند الله تعالى على الإطلاق. بعدها بالفضل عند الله فاطمة بنت محمد ﷺ ثم خديجة بنت خويلد زوجة سيدنا محمد ﷺ ثم بعد ذلك بالفضل ءاسية امرأة فرعون. روى الحافظ ابن عبد البر أن رسول الله ﷺ قال: «خير النساء مريم بنت عمران ثم فاطمة بنت محمد ثم خديجة بنت خويلد ثم ءاسية بنت مزاحم». ورواه الإمام أحمد في المسند والطبراني في الكبير. هؤلاء الأربعة من النساء هن أفضل النساء على الإطلاق، لا يأتي من هي أفضل منهن عند الله.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا ءاخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر.