الأربعاء يناير 28, 2026

 

توفني مسلما وألحقني بالصالحين

إن يوسف عليه السلام لما رأى نعمة الله عليه قد تمت وشمله مع أبيه وأهله قد اجتمع وفتح عليه من خزائن رحمته ما فتح، من بعد ما أفسد الشيطان بينه وبين إخوته بما فعلوا من تلك الأفاعيل الخسيسة، أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله إذ أخرجه من السجن بعد الهم والضيق والحزن وجعله ملكا وحاكما نافذ الكلمة وسأله أن يتوفاه ويميته على الإسلام الذي فيه السعادة الأبدية في الآخرة.

سأل الله تبارك وتعالى: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] {رب}؛ أي: يا رب خالقي ورازقي ومالك أمري ومعبودي الذي ليس لي معبود سواه {قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث} و{من} فيهما للتبعيض إذ لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا إذ أصبح ملكا لمصر فقط، وبعض {تأويل الأحاديث} تعبير الرؤى {فاطر السماوات والأرض}؛ أي: خالقهما على غير مثال سابق أنت وليي}، أي: متولي أمري {في} الدارين {الدنيا والآخرة}.

ثم طلب الوفاة على حال الإسلام {توفني مسلما}، أي: إذا حان أجلي اقبضني إليك مسلما، اجعلني مستمرا على الإسلام إلى ءاخر لحظة في حياتي {وألحقني بالصالحين}، معناه: واجعل لحاقي بصالح ءابائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك عليهم السلام.

فقول يوسف عليه السلام {توفني مسلما} [يوسف: 101] كقول يعقوب عليه السلام لولده {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102] وإنما دعا به يوسف عليه السلام ليقتدي به قومه ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة.

لهذا الغرض طلب من الله أن يتوفاه مسلما مع أنه شيء لا شك فيه، كما نقول في كل صلاة {اهدنا الصراط الـمستقيم} [الفاتحة: 6]، ثم أليس الرسول ﷺ كان يقول في كل صلاة {اهدنا الصراط الـمستقيم} [الفاتحة: 6] مع أنه كان مهتديا قبل ذلك قبل نزول الفاتحة؟ ومعنى قوله: {اهدنا الصراط الـمستقيم} [الفاتحة: 6] أكرمنا باستدامة الهداية على الإسلام.

هو الرسول عليه السلام كان مؤمنا من أول نشأته إنما المراد الثبات على الهدى، وإنما التثبيت على الشيء الحاصل وليس على شيء لم يحصل. كما كان رسول الله ﷺ يقول مع أنه مأمون عليه ولكن ليعلم أمته: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» رواه البيهقي. واستجاب الله تعالى دعاء يوسف عليه السلام فلم يلبث إلا قليلا حتى وافاه الأجل فارتحل والتحق بآبائه وصالحي إخوانه فسلام الله عليه وعليهم وعلى كل المرسلين والحمد لله رب العالمين.

اللهم إنا ءامنا بك وبملائكتك وبرسلك فثبتنا على الصراط المستقيم والهدي القويم