قال الله تبارك وتعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود* وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27]. أمر الله تبارك وتعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ببناء البيت الحرام – الكعبة – وبوأه الله مكانه أي أرشده إليه ودله عليه، وقيل إن الذي دله على موضع البيت هو جبريل عليه السلام، فسار إبراهيم عليه السلام إلى مكة المكرمة، فلما وصل إلى مكة وجد إسماعيل عليه السلام يصلح نبلا له وراء زمزم فقال له: يا إسماعيل إن الله قد أمرني أن أبني بيتا، قال له إسماعيل: فأطع ربك، فقال له إبراهيم: قد أمرك أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل، فقام إبراهيم عليه السلام إلى مكان البيت، فجعل يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وكلما أنهيا بناء صف منها ارتفع مقام إبراهيم به حتى يبني الذي فوقه، وهكذا حتى تمت عمارتها.
ومقام إبراهيم هو حجر كان يقف عليه إبراهيم عند بناء الكعبة وضعه له ابنه إسماعيل ليرتفع عليه لما تعالى وارتفع البناء، قال الله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]. والمقصود أن إبراهيم الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع. ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار وأن يجعله الله حرما ءامنا. {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هـذا} [البقرة: 126]، أي: اجعل هذا البلد أو هذا المكان {بلدا آمنا} [البقرة: 126] ذا أمن كعيشة راضية أو ءامنا من فيه {وارزق أهله من الثمرات} [البقرة: 126] لأنه لم يكن لهم ثمرة.
كذلك سأل إبراهيم عليه السلام الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهرهم. وقد استجاب الله تعالى دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام فبعث في العرب وفي أشرف القبائل منهم رسولا عظيما وهو سيدنا محمد ﷺ سيد الأولين والآخرين.
{ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} [البقرة: 129] من أنفسهم فبعث الله فيهم محمد عليه السلام. كما أخرج أحمد والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى عليهما السلام».
{يتلو عليهم آياتك} [البقرة: 129] يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ورسلك {ويعلمهم الكتاب} [البقرة: 129] القرءان {والحكمة} [البقرة: 129] السنة وفهم القرءان {ويزكيهم} [البقرة: 129] ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس {إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 129] الغالب الذي لا يغلب {الحكيم} [البقرة: 129] فيما أوليت.
لقد استجاب الله دعوة نبيه إبراهيم ﷺ وجعل الكعبة البيت الحرام مقصد الملايين من المسلمين يؤمونها كل عام من كل فج عميق من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وألوانهم لا فرق بين فقير وغني وكبير وصغير ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. يقول الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13].
اللهم جنبنا الحرام وارزقنا التقى والغنى والعفاف والعفة والتعفف، يا أرحم الراحمين