س42: ما المراد بقول الرسول ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (الترمذي، سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ، باب 59، 4/667)؟
هذا معناه أنه من باب الأولى أن الذي يسأل هو الله، وأن الذي يستعان به هو الله، وليس معناه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله. وهذا كحديث ابن حبان في صحيحه (كتاب البر والإحسان، باب الصحبة والمجالسة، ذكر الزجر عن أن يصحب المرء إلا الصالحين ويؤكل طعامه إلا إياهم، 1/557): «لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي([1])».
……………………………………………………………………………………………
أي: الأولى بالإطعام التقي وبالصحبة المؤمن، وليس معنى ذلك أنه حرام إطعام غير المؤمن أو صحبته، وقد مدح الله تعالى في القرءان المسلمين بقوله: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}([2]) [الإنسان: 8]. والأسير هنا المراد به الكافر.
وقد ورد في صحيح البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء، باب {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} [الكهف: 9]، 3/1278) أن ثلاثة نفر سألوا الله بصالح أعمالهم([3]) ففرج الله عنهم.
[1])) المتوسل القائل: «اللهم إني أسألك بنبيك أو بأبي بكر أو بأويس القرني» أو نحو ذلك، سأل الله لم يسأل غيره، فأين الحديث وأين دعوى الوهابية؟! ثم إن الحديث ليس فيه أداة نهي، لم يقل الرسول لابن عباس: لا تسأل غير الله، ولا تستعن بغير الله، ولو ورد بلفظ النهي، فليس كل أداة نهي للتحريم، كحديث الترمذي في سننه (كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، 4/ 600) «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إل تقي». فهذا الحديث مع وجود أداة النهي فيه ليس دليلا على تحريم أن يطعم الرجل
غير تقي، وإنما المعنى أن الأولى أن تطعم طعامك التقي. فمعنى الحديث الأولى بأن تسأله وتستعين به الله. أما قوله تعالى: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فإنه يفيد أنه يستعان بالله الاستعانة الخاصة، أي: أن الله يخلق للعبد ما ينفعه من أسباب المعيشة وما يقوم عليه أمر المعيشة، وليس المعنى أنه لا يستعان بغير الله مطلق الاستعانة، بدليل ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح (كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرءان، 4/2074): «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». وذلك في الخير خاصة، وليس المراد عون العبد للعبد على الشر.
* ومن الدليل على جواز التوسل بالأنبياء والصالحين:
أخرج البزار في مسنده (11/181) من حديث عبد الله بن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله». قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (20/273): «رواه البزار، ورجاله ثقات».اهـ.
حديث أبي سعيد الخدري t الذي حسنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في «نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار» (1/268)، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: «اللهم إن أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه [برحمته] حتى يقضي صلاته».
روى الحافظ الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (تاريخ مدينة السلام) (1/445) (مر سابقا) بسنده إلى الشافعي أنه يقول: «إني لأتبر بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره كل يوم [يعني: زائرا]، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عن حتى تقضى».اهـ.
وهذا الخليفة المنصور العباسي عندما حج وزار قر النبي ﷺ، سأل الإمام مالكا قائلا: «يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ﷺ؟»، قال مالك: «ولـم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك ءادم u إلى الله تعالى؛ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله». ذكره القاضي عياض في «الشفا» (2/520)، والسمهودي في «خلاصة الوفا» (110، 111)، وأخبر أن القاضي عياضا ساقه بسند جيد.
وقد روى البيهقي في دلائل النبوة (5/489) عن عمر t قال: قال رسول الله ﷺ: «لـما اقترف ءادم الخطيئة قال: «يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي »، فقال الله U [وهو أعلم بآدم وكل الكون]: «يا ءادم، كيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟»، قال: «لأنك يا رب، لما خلقتني بيدك [بقدرتك وعنايتك] ونفخت فـي من روحك [أي أمرت الملك فنفخ الروح المشرفة عندك] رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك»». الحاكم، المستدرك، (كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، 2/ 672). وصححه، والسبكي، شفاء السقام، ص 358، 359.
قال ابن الحاج المالكي المعروف بإنكاره للبدع في كتابه «المدخل»، (1/259): «فالتوسل به عليه الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا، لأن بركة شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع».اهـ.
قال الإمام أحمد المروذي (الإنصاف 2/ 456): «يتوسل [أي: الداعي] بالنبي ﷺ في دعائه». اهـ.
[2])) قال النسفي في تفسيره (3/578): «نزلت في علي وفاطمة وفضة جارية لهما والأسير المذكور في الآية كافر، ومع ذلك قالوا: {إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9]».
[3])) والحديث بطوله معروف، ويستفاد منه أنه إذا كان التوسل بالعمل الصالح جائزا، فكيف لا يصح بالذوات الفاضلة، كذوات الأنبياء؟! فهذا يكفي دليلا لو لم يكن دليل سواه، للتوسل بالأنبياء والأولياء.
* لا يحرم أن يسأل الشخص غير الله. في الكتاب والسنة والإجماع والعرف أنه من زمن ءادم وحتى عصرنا هذا، ما زال الناس يستعينون ببعضهم البعض، ويطرقون أبواب بعضهم البعض، ويسألون بعضهم البعض العون، ولم يأت نص واحد بتحريم هذا الأمر.
أليس الله تعالى قال: {وأما السائل فل تنهر} [الضحى: 10]؟ وقد جاء في الأثر: «ومن سألكم بوجه الله فأعطوه». أحمد، مسند أحمد، (1/249). وروى مسلم في صحيحه (كتاب تحريم اللعب بالنردشير، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال: لا وكثرة عطائه، 4/1805): «ما سئل رسول الله ﷺ قط فقال: لا». وروى البخاري في صحيحه (كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، 2/862)، أن النبي ﷺ قال: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته». أما ما روي عن النبي ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» (الترمذي، سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ، باب 59، 4/667)، فالرسول ﷺ لم يقل: وإذا سألت فلا تسأل غير الله، وإلا إن كان الأمر كذلك لكان الله أمرنا بنهر السائل ورد المحتاج. وأما البيتان اللذان يقولهما بعض الناس: [الكامل]
لا تسألن بني ءادم حاجة | وسل الذي أبوابه لا تحجب |
فليسا دليلا شرعيا، فلا حاجة للكلام عليهما زيادة على ما ذكرنا ونذكر.
وهناك بيت شعر عكس ذلك البيتين: [البسيط]
الناس للناس من بدو ومن حضر | بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم |
الله تعالى لا يغضب على عبده إن ترك سؤاله إلا في حالة واحدة، حيث إن سؤال الله فرض، وهو في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] إلى ءاخر السورة وذلك في الصلاة، لأن الصلاة لا تصح بغير الفاتحة، فلذا كان السؤال فرضا في هذه الحالة، وعلى هذا يكون معنى الحديث إن صح، ومعنى الآية: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ثبتنا على الإسلام.
* وفي كتاب الله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] فهذه الآية عن نساء النبي ﷺ، فالله I لم يقل: وإذا سألتموهن سؤالا بل قال: {متاعا} [عبس: 32]، فالله أرشدنا إلى طريقة سؤال هذا المتاع، ولو كان في الأمر ذلة وخضوع غير مشروع لغير الله فكيف يرشدنا الله لهذا الأمر؟!
* وقال تعالى: {وآتى المال علىٰ حبه ذوي القربىٰ واليتامىٰ والمساكين وابن السبيل والسائلين} [البقرة: 177]، فانظر إلى قوله تعالى يمدح من كانت هذه الصفة فيه، ومن جملة ذلك إعطاء المال للسائلين، ثم إن الله تعالى ذم في القرءان الكريم من كانت هذه صفته {ويمنعون الماعون} [الماعون: 7].
* وفي قوله الله إخبارا عن سيدنا يوسف u: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك} [يوسف: 42]، فهل يعترض على سيدنا يوسف u، لأنه سأل المخلوق ولم يسأل الخالق، ألم يقل له: {اذكرني} [يوسف: 42]؟ ألم يسأله؟ فيوسف u لم يقل: اللهم ألهم هذا الرجل أن يذكرني عند سيده، من غير طلب من السجين الذي كان معه؛ بل طلب من السجين، فهل خضع وذل يوسف لغير الله؟!
* وهذا ذو القرنين الذي ورد ذكره في القرءان الكريم في سورة الكهف، والذي قيل فيه: نبي، وقيل: ولي، قد شكا له قوم من يأجوج ومأجوج، فأخبر الله عنه: {قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما} [الكهف: 95]، فذو القرنين طلب العون منهم، فأين الخضوع والذل لغير الله في ذلك؟!