الأربعاء يناير 28, 2026

فائدة في بيان حكم إنكار غير المجمع عليه

قال الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع»([1]) ما نصه: «من جحد مجمعا عليه فله أحوال:

* أن يكون ذلك المجمع عليه معلوما من الدين بالضرورة كأركان الإسلام فهو كافر قطعا، وليس كفره من حيث إنه مجمع عليه بل لجحده ما اشترك الخلق في معرفتهن ولأنه صار بخلافه جاحدا لصدق الرسول.

* وأن يكون خفيا لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وتوريث بنت الابن السدس مع بنت الصلب([2])، فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا أنه خلاف إجماع العلماء لم نكفره لكن يحكم بضلاله وخطئه، ولا فرق في هذا القسم بين المنصوص عليه وغيره لاشتراك الكل في الخفاء ولا نعلم فيه خلافا» اهـ مختصرا.

قال زكريا الأنصاري في «شرح الروض في كتاب السير»([3]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «ولا ينكر العالم إلا مجمعا عليه أي على إنكاره لا ما اختلف فيه إلا أن يرى الفاعل تحريمه» اهـ.

وفي هامشه لأبي العباس الرملي نقلا عن عز الدين بن عبد السلام قال: «من أتى شيئا مختلفا في تحريمه معتقدا تحريمه وجب الإنكار عليه، وإن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ الـمحلل([4]) ضعيفا تنتقض الأحكام بمثله لبطلانه في الشرع ولا ينقض إلا لكونه باطلا، وذلك كمن يطأ جارية بالإباحة([5]) معتقدا لمذهب عطاء فيجب عليه الإنكار. وإن لم يعتقد تحريما ولا تحليلا أرشد إلى اجتنابه من غير توبيخ ولا إنكار» انتهى كلام أبي العباس الرملي.

قال الشيخ زكريا في «شرح روض الطالب» ممزوجا بالمتن ما نصه([6]): «لكن إن ندب على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف برفق فحسن إن لم يقع في خلاف ءاخر وترك أي وفي ترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف حينئذ. وليس للمحتسب([7]) المجتهد أو المقلد كما فهم بالأولى حمل الناس على مذهبه لما مر ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره مجتهدا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا» اهـ.

أما القاعدة: «لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المتفق عليه إلا أن يكون فاعله يرى تحريمه»، ذكرها الأصوليون في كتبهم، وكذا الفقهاء كما تقدم. ولو تعامل الناس على موجب هذه القاعدة لخف الخلاف والتشويش، كالتشويش الذي يحصل من بعض الناس على بعض بغير حق. اللهم إلا أن يكون الخلاف بعد انعقاد الإجماع فلا عبرة به كالخلاف في وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا لأن الإجماع انعقد في عهد عمر، وما حصل بعد ذلك فلا معنى له كما ذكر الحافظ ابن حجر، ومن خالف هذا فهو منابذ للإجماع، ذكر ذلك في شرحه فتح الباري في كتاب الطلاق.

ويدخل في هذا الخلاف الذي يشوش به بعض الناس في مسألة كشف الفخذ للرجل فإن هذا لا يعتد به عند المحصلين، ومن لا يراعي هذه القاعدة فكأنه ينكر المذاهب كلها إلا المذهب الذي يتقلده. وهذا مخالف لما جرى عليه السلف فقد قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين عرض عليه أن يجمع الناس على مذهب واحد: «دعوا الناس على ما هم عليه»، وكان هو مع كونه أميرا للمؤمنين مجتهدا مطلقا كغيره من المجتهدين، فما لهؤلاء الذين لا يتقنون مذهبا واحدا هم يقلدونه ينكرون على الناس ما خالف رأيهم كأنه عمل معصية كبيرة متفقا عليها، وما بال من ينتهر الأطفال الذين يسترون السوأتين وبعض الفخذ ويعتبره أكبر الكبائر([8]) وأفحش الفاحشات بحيث إذا دخل أحد هؤلاء الأطفال المسجد يطردونه طرد الكلب، فليتق الله وليذكر القاعدة المتفق عليها المتقدم ذكرها: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه إلا أن يكون فاعله يعتقد حرمته».

تم الكتاب بحمد الله تعالى، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

([1]) تشنيف المسامع (3/66).

([2]) فإن النص جاء بكل صريحا.

([3]) شرح الروض (4/180).

([4]) أي: ما استند إليه من قال بالحل.

([5]) فقد حكي عن عطاء بن أبي رباح أنه أباح وطء الجارية المملوكة غير المتزوجة بإذن مالكها، وليس ذلك بصحيح.

([6]) شرح الروض (4/180).

([7]) المحتسب الذي عينه الخليفة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يدور بين الناس.

([8]) أي: من أكبرها.