الخميس يناير 29, 2026

بيان في النهي عن الغلو في الدين

ثبت النهي عن الغلو في الدين في القرءان والسنة، أما القرءان فقوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [المائدة: 77]، وأما السنة فما رواه النسائي([1]) أن الرسول ﷺ قال: «وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». والغلو هو الزيادة عن الحد المأمور به، فقد أمرنا أن نعظم الأنبياء والأولياء لكن لا يجوز أن نرفع الأنبياء فوق منزلتهم كوصفهم بصفات الربوبية، فقد بلغ الغلو في بعض الناس إلى أن قال: إن الرسول يعلم كل الغيب، وهذا كفر لأنه رد للنصوص، قال الله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] فلو كان الرسول يعلم كل شيء ما قال الله تعالى عن نفسه: {وهو بكل شيء عليم}.

ومن الغلو قول بعضهم في الرسول: ربي خلق طه من نور، فنقول أما جسده ﷺ فهو خلق من نطفة أبويه لقول الله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] وأما روحه فلم يرد في ذلك أنه خلق من كذا لا في القرءان ولا في الحديث الصحيح، فليس لنا أن نقول إنه خلق من نور لأنه قول بلا علم، وقد نهينا عن ذلك، قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، فالصواب([2]) في ذلك أن يقال إنه خلق من الماء إما بغير واسطة أو بواسطة بينه وبين الماء يعلم الله ما تلك الواسطة. وأما حديث: أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر خلقه الله من نوره قبل الأشياء، فقد قدمنا أنه مكذوب على الرسول.

وأما الغلو في الأولياء فهو كوصفهم بأوصاف النبوة، وقد وقع لبعض الأولياء من بلاد الحبشة من بعض مادحيه في قصيدة بلغتهم ما معناه: إنه – أي ذلك الولي وهو أبو محمد الداوي([3]) – مثل الله. ومثل ذلك ما نسبه بعض المادحين للشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه في قصيدة مكذوبة عليه من أنه قال:

ولو أنني ألقيت سري على لظى

 
 

لأطفئت النيران من عظم برهاني

   

وهذا رد للنصوص لأن الله تبارك وتعالى أخبرنا أن النار باقية لا تفنى لقوله: {خالدين فيها} [البينة: 6] فلا يجوز على الشيخ عبد القادر الجيلاني أن يقول إنه يمكنه أن يطفئ النار بسره لو ألقاه عليها. ومثله ما نسب إليه في تلك القصيدة أيضا من أنه قال:

فنادمني ربي حقيقا وناداني

لأن معنى المنادمة المحادثة على الشراب كشرب الخمر، فإن الشربة يتنادمون فيما بينهم لينشطوا على شربها.

والذي نعتقده أن الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه بريء من مثل هذه الأقوال.

ومن الغلو ما تعوده جماعة شيخ في الصومال مشهور عندهم من ترديدهم هذه الكلمة إن لشيخي تسعة وتسعين اسما كسما ذي الجلال في استجابة الدعاء، وهذه تشبيه للشيخ بالله تعالى([4]) وهذا كان واقعا في تلك البلاد قبل خمسين سنة.

ومن الغلو القبيح ظن بعض جهلة المتصوفة أن الشيخ من مشايخ الطريقة يجل عن الخطأ وهذا مخالف للحديث ولكلام الصوفية.

أما الحديث فقوله ﷺ: «ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله»، رواه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير([5]) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بإسناد حسن([6]).

أما كلام الصوفية فقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: «إذا علم المريد من الشيخ خطئا فلينبهه فإن رجع فذاك الأمر وإلا فليترك خطأه وليتبع الشرع»، قال ذلك في كتاب أدب المريد، وقال سيدنا أبو العلمين أحمد الرفاعي رضي الله عنه([7]): «سلم للقوم أحوالهم ما لم يخالفوا الشرع فإذا خالفوا فكن مع الشرع» اهــ|نق|

وليحذر العاقل من هؤلاء المتصوفة الذين لا يراعون الشريعة، ومن عادتهم أنهم إذا عارضهم معارض فيما يخالفون فيه الشرع يقولون: «أنتم أهل الظاهر ونحن أهل الباطن لا نتفق» فيقال لهؤلاء الجهلة: الله تعالى ما جعل شريعتين شريعة للمتصوفة وشريعة للمتمسكين بشرعه بل لا يصل متصوف إلا بكمال التمسك بالشريعة، ولا يصل متصوف إلى الولاية إلا بالتمسك بشرع الله ثم بعد الولاية يزداد تمسكا بالشريعة فعندئذ يستحق العلم اللدني، أما من لم يتمسك بالشريعة على التمام فحرام عليه العلم اللدني.

فما أبعد هؤلاء من سيرة سيد الطائفة الصوفية الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه فقد قال([8]): «الطريق إلى الله مسدودة إلا على المقتفين ءاثار رسول الله».

 

([1]) أخرجه النسائي في سننه: كتاب المناسك: باب التقاط الحصى.

([2]) انظر التفصيل في البحث المتقدم في هذا الكتاب (ص150).

([3]) نسبة لقرية دوي في ولو.

([4]) وذلك مشهور في ناحية أو غادين.

([5]) المعجم الكبير (11/339)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/179): «ورجاله موثقون».

([6]) المغني عن حمل الأسفار (1/45).

([7]) الحكم (ص39).

([8]) الرسالة القشيرية (ص19).