الجمعة فبراير 20, 2026

بيان أن مصارف الزكاة لا تعم كل عمل خيري

فرض الله تعالى الزكاة وبين مصارفها بقوله عز وجل: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60]، فيجب صرفها إلى هؤلاء الأصناف الثمانية كما دلت الآية على ذلك، فلفظة: {إنما} تفيد الحصر.

والمراد بقوله تعالى: {وفي سبيل الله} الغزاة المتطوعون بالجهاد بأن لم يكن لهم سهم في ديوان المرتزقة من الفيء فإنهم يعطون ما يحتاجونه للجهاد ولو كانوا أغنياء إعانة لهم على الغزو، والمرتزقة هم الأجناد المرصودون في الديوان للجهاد سموا بذلك لأنهم أرصدوا نفوسهم للذب عن الدين وطلب الرزق من ماله تعالى، وأما المتطوعون بالغزو إذا نشطوا فهم المرادون بسبيل الله فيعطون من الزكاة من سهم في سبيل الله، وأما المرتزقة فلهم الأخماس الأربعة من الفيء.

ولا يجوز ولا يجزئ صرف الزكاة لغير الأصناف الثمانية المذكورين في ءاية براءة.

فمن دفع زكاته لبناء المساجد والمستشفيات والمدارس فليعلم أن زكاته ما صحت فيجب عليه إعادة الدفع للمستحقين قال رسول الله ﷺ: «إن رجالا يتخوضون([1]) في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة» رواه البخاري في الصحيح([2]).

فيفهم من هذا الحديث أن الذي يأخذ الزكاة وليس هو من المستحقين الذين ذكرهم الله في القرءان له النار يوم القيامة، وكذلك الذي يأكل مال الوقف الإسلامي بغير حق أي بغير الوجه الشرعي الذي بينه الفقهاء في كتبهم فله النار يوم القيامة.

والدليل على أنه لا يجوز دفع الزكاة لكل ما هو بر وخير مما عدا الأصناف الثمانية وأن المراد بقوله تعالى: {وفي سبيل الله} ليس كل أنواع البر والإحسان من بناء مسجد ومدرسة ومستشفى ونحو ذلك هو قول رسول الله ﷺ وقد ذكر الزكاة: «إنها لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي»([3])، فحرم رسول الله ﷺ الزكاة على من يملك مالا يكفيه لحاجاته وعلى من له قوة على العمل الذي يكفيه لحاجاته الأصلية، ولم يقل إن كلمة {وفي سبيل الله} تعم كل مشروع خيري أحد من الأئمة المجتهدين إنما ذلك ذكره بعض الحنفية من المتأخرين ممن ليس من أصحاب أبي حنيفة الذين هم مجتهدون فحرام أن يؤخذ بقول هذا العالم، وهذا القول مخالف لكثير من متون الحنفية وشرحها المصرح فيها بأن الزكاة لا تصرف لبناء مسجد وسقاية وإصلاح طرق ونحوها لعدم التمليك وكذا لا تصرف إلى تكفين ميت، فليراجعها من شاء.

فليحذر من هؤلاء الذين يلمون هذه الأموال باسم المستشفى أو بناء جامع أو بناء مدرسة من الزكوات هؤلاء حرام عليهم وحرام على الذين يعطونهم.

فإن قيل: إن المراد بقوله تعالى: {وفي سبيل الله} كل عمل خيري.

قلنا هذا خلاف ما فهمه علماء الإسلام في تفسير هذه الآية فإنهم فسروها بالغزاة.

قال الإمام مالك صاحب المذهب: «سبل الله كثيرة ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله ها هنا الغزو» اهـ، ذكره القاضي أبو بكر ابن العربي في أحكامه([4]).

وقال البدر العيني الحنفي في «عمدة القاري»([5]): «قال ابن المنذر في «الإشراف»: قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: «سبيل الله» هو الغازي» اهــ.

وقال النووي الشافعي في «شرح المهذب» ما نصه([6]): «{وفي سبيل الله} فإن المراد به بعضهم وهم المتطوعون الذين لا حق لهم في الديوان ولم يذكروا باسمهم الخاص» اهــ.

وقال ابن قدامة الحنبلي في كتابه «المغني» ما نصه([7]): «هذا الصنف السابع من أهل الزكاة، ولا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله لأن سبيل الله عند الإطلاق الغزو» اهــ.

فإن قيل: يحمل {وفي سبيل الله} على المعنى اللغوي ليشمل كل وجوه البر.

قلنا يرد ذلك بوجوه:

الأول: بالإجماع الذي نقله ابن قدامة على أن المراد بالآية الغزاة، وهذا النقل مؤيد باتفاق أهل التفسير وعلماء الفقه على هذا المعنى.

الثاني: من اللغة، قال ابن الأثير في «النهاية» ما نصه([8]): «السبيل في الأصل الطريق، ويذكر ويؤنث والتأنيث فيها أغلب. وسبيل الله عام على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه» اهـ، وكذا نقله ابن منظور في «لسان العرب»([9]).

الثالث: إن شمول {سبيل الله} بالمعنى اللغوي لوجوه البر في غير ءاية مصارف الزكاة الواردة بصيغة الحصر لا مانع من قبوله إذا كان هناك صارف عن الحقيقة الشرعية كأن يكون الكلام في صدقات النفل ونحو ذلك من الآيات التي معها من القرائن ما يعين أن المراد منها الإطلاق اللغوي فإذ ذاك يحمل سبيل الله على وجوه البر مطلقا، وإذا خلت من تلك القرائن تحمل على المعنى الشرعي والحقيقة الشرعية ويكون الـمراد بسبيل الله الغزو كما سبق، فلا معدل عنه أصلا هنا.

الرابع: بحديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني» رواه أبو داود([10]) وابن ماجه([11]).

فإن قيل: قال الرازي في تفسيره([12]): «واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله: {وفي سبيل الله} لا يوجب القصر على الغزاة، فلهذا المعنى نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد لأن قوله: {وفي سبيل الله} عام في الكل» اهــ.

 

قلنا هذا النقل لا اعتبار له فهو كالعدم وهو مخالف للإجماع الذي نقلناه عن مالك وابن قدامة، ورده الكوثري بقوله([13]): «وأما ما حكاه الفخر الرازي عن القفال الشاشي من عزو القول بشمول {وفي سبيل الله} لوجوه البر إلى مجهول من الفقهاء على خلاف رأي الجماعة فشأنه شأن رواية المجاهيل والآراء التالفة للمجاهيل، على أنه لا رأي يؤخذ به ضد الإجماع الذي حكيناه عن مالك مع العلم بأن الرازي ليس من رجال تمحيص الروايات» اهــ.

قال الإمام مالك في «المدونة» ما نصه([14]): «لا تجزئه أن يعطي من زكاته في كفن ميت لأن الصدقة إنما هي للفقراء والمساكين ومن سمى الله فليس للأموات ولا لبنيان المساجد» اهــ.

وبعد هذا البيان يعلم أنه لا يجوز دفع شيء من أموال الزكاة لكل عمل خيري ولا يجوز جمعها باسم بناء جامع أو مستشفى وما أشبه ذلك، فالحذر الحذر.

 

([1]) أي: يتصرفون.

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فرض الخمس: باب قول الله تعالى: {فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41].

([3]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الزكاة: باب ما يعطي من الصدقة وحد الغني، والترمذي في سننه: كتاب الزكاة: باب ما جاء من لا تحل له الصدقة.

([4]) أحكام القرءان (2/969).

([5]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (م5/ج9/ص44).

([6]) المجموع شرح المهذب (6/201).

([7]) المغني (6/435).

([8]) النهاية في غريب الحديث (2/338، 339).

([9]) لسان العرب: مادة: (س ب ل) (ص1308).

([10]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الزكاة: باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني.

([11]) أخرجه ابن ماه في سننه: كتاب الزكاة: باب من تحل له الصدقة.

([12]) التفسير الكبير (16/115).

([13]) مقالات الكوثري (ص212).

([14]) المدونة (1/258).