الخميس يناير 29, 2026

بيان تحريم الإعانة على المعصية

اعلم أن الله تعالى واجب طاعته فيما أمر به ونهى عنه ومن ذلك قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2]، والإثم هو المعصية الصغيرة والكبيرة، فالآية دليل لتحريم معاونة شخص لشخص في معصية الله كائنة ما كانت سواء أعان مسلما أو كافرا. فيحرم على الشخص بيع الشيء الحلال الطاهر على من يعلم أنه يريد أن يعصي به كالعنب لمن يريده للخمر لأن في ذلك إعانة له على فعل المحرم، روى الترمذي([1]) واللفظ له وأبو داود([2]) وابن ماجه([3]) وأحمد([4]) والحاكم([5]) وغيرهم أن رسول الله ﷺ لعن في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وءاكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له، وأصرح منه في التحريم قوله عليه الصلاة والسلام: «من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة».

قال الحافظ الفقيه اللغوي محمد مرتضى الزبيدي الحنفي في «شرح الإحياء»([6]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «(كبيع العنب ممن يعلم) ويتحقق منه (أنه يتخذ منه الخمر وذلك محظور) شرعا (و) فيه (إعانة على الشر) وترخيص لطرقه (ومشاركة فيه) فهو شريك للعاصر في الوزر، وكل معين لمبتدع أو عاص فهو شريكه في بدعته ومعصيته» اهــ.

وقال في موضع ءاخر([7]): (إن علم أنهم يعصون الله به فذلك حرام) وبيعه منهم إعانة على المعصية والإعانة عليها معصية (كبيع العنب من الخمار) الذي يعصره خمرا وهذا لا خلاف فيه (وإنما الخلاف في الصحة) هل يصح هذا البيع أو يبطل أو يفسد» اهــ.

وقال الشيخ ظفر أحمد التهانوي في «إعلاء السنن»([8]): «فما في بعض الروايات عنه – أي: عن أبي حنيفة – من الجواز محمول على صحة البيع قضاء([9])»، ثم قال: «والذي أدين الله به أن أبا حنيفة الإمام لم ينف الكراهة([10]) ديانة قط وغنما قال بصحة العقد».

ومما يحرم الإعانة عليه أن يعين شخصا على الكفر فالأبوان الكافران لا يجوز لابنهما أن يعينهما على الكفر فإن حملهما إلى الكنيسة فإن ذلك معاونة لهما على الكفر، وكذلك لا يجوز حمل الزوج المسلم للزوجة النصرانية إلى الكنيسة لتؤدي شعائرهم فإن ذلك معاونة لها على الكفر، وقد قال الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرها إن المساعدة على الكفر لأي شخص كان كفر، فمن استحل ذلك فقد كفر لأن تحليل ذلك مصادم لشريعة الله وتكذيب للرسول ﷺ.

فإن قال قائل: إن الكفار غير مكلفين بالفروع.

فيقال له: «قال صاحب «جمع الجوامع»([11]): «قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في الأصول وصاحبه البندنيجي في باب قسم الصدقات من تعليقه: إن الخلاف في تكليفهم بالأوامر وأما المعاصي فمنهيون عنها بلا خلاف بين المسلمين».

فمن يزعم أن ءاية {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} حكمها مقصور على المسلمين فمعنى كلامه أنه يجوز إعانة الكافر على كل معصية على الزنا وشرب الخمر والسرقة إلى غير ذلك وكفى هذا الرأي الذي يؤدي إلى هذا خزيا وضلالا، ويكفي للمناقشة لمن يجوز نقل الكافر ليؤدي عمل الكفر أن يحصر على مضمون هذه الآية بأن يقال له: تعترف بأن ذهابها إلى الكنيسة لأمور دينها معصية أم لا؟ فإن قال: ليس معصية فقد كفر بذلك، وإن قال إنه معصية فقد أقر على نفسه بأنه على خلاف الصواب، ويقال له: ليس بعد بيان الله تعالى بيان، القرءان كفانا المؤنة.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في أكبر كتبه كتاب «الأم»([12]) ما نصه: «وله – أي الزوج المسلم – منعها – أي: زوجته الكافرة الذمية – من الكنيسة والخروج إلى الأعياد وغير ذلك مما تريد الخروج إليه» اهـ.

فإذا كان هذا الوعيد الشديد في حديث بيع العنب لمن يتخذه خمرا لأن فيه إعانة على معصية فما بالك فيمن يعين على الكفر.

وتحصيل القول أن إعانة الشخص على عمل الكفر كفر كما قال الإمام أبو الحسن الأشعري في المسلم الذي بنى كنيسة: «إن إرادة الكفر كفر» فمن قصد بإيصال هذه الكافرة إلى كنيستها أن تؤدي شعارها الكفري كالتصليب أمام المذبح إذا حاذته فقد كفر وكذلك إذا قصد أن تفعل ما بعد ذلك من شعار الكفر وعبادتهم وصلاتهم، وأما من لم يخطر له ذلك إلا مجرد حملها إلى الكنيسة فلا يكفر لكن المعصية حاصلة قطعا.

 

([1]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب البيوع: باب النهي أن يتخذ الخمر خلا.

([2]) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأشربة: باب في العنب يعصر للخمر.

([3]) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الأشربة: باب لعنت الخمرة على عشرة أوجه.

([4]) أخرجه أحمد في مسنده (2/97).

([5]) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/144 – 145) وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.

([6]) إتحاف السادة المتقين (5/482).

([7]) إتحاف السادة المتقين (6/149).

([8]) إعلاء السنن (17/439).

([9]) أي: مع المعصية.

([10]) أي: الحرمة.

([11]) «جمع الجوامع» (ص130).

([12]) كتاب الأم (5/8).