اعلم أن الله وصف نفسه بأن له الأسماء الدالة على الكمال فقال عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه} [الأعراف: 180]، وقال تعالى: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110]، والحسنى أي الدالة على الكمال، فلا يجوز أن يكون اسم من أسماء الله تعالى دالا على خلاف الكمال، فلذلك لا يجوز تسمية الله بـ «ءاه» لأنه يدل على العجز والشكاية والتوجع وما كان كذلك يستحيل أن يكون اسما لله تعالى.
ولم يرد في حديث صحيح ولا حسن أن ءاه اسم من أسماء الله تعالى، وإنما الذي ورد ما رواه الديلمي في «مسند الفردوس»([1]) والرافعي في «تاريخ قزوين» أن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ وعندنا مريض يئن فقلنا له: اسكت فقد جاء النبي ﷺ، فقال النبي: «دعوه يئن، فإن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح إليه العليل»، وهو حديث موضوع أي مكذوب على رسول الله ﷺ، وقد حكم بوضعه الحافظ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه «المغير على الجامع الصغير»([2]) وأفرد له أيضا رسالة مستقلة في بيان وضعه.
ثم إن علماء اللغة لم يذكر واحد منهم أن واحدا من ألفاظ الأنين اسم من أسماء الله، وكذا علماء الفقه بل قال بعضهم إن أنين المريض مكروه، وتعقبه بعضهم وهو النووي وقال: اشتغاله بالذكر أولى، وهي مسألة مشهورة بين الفقهاء ومع ذلك لم يقل أح منهم أن «ءاه» من أسماء الله، والعجب كيف أن الذين يعملون بزعمهم حضرة ذكر عند وقوفهم وقيامهم متماسكين بالأيدي واهتزازهم مع التثني والتكسر اختاروا لفظ «ءاه» من بين تلك الكلمات العديدة!!!
والمذكور في الحديث المكذوب على رسول الله ﷺ لفظ الأنين وليس لفظ «ءاه»، فمقتضى احتجاجهم بهذا الحديث الموضوع أن يكون كل لفظ من ألفاظ الأنين وهي نحو عشرين ذكرها الحافظ الزبيدي شارح القاموس اسما من أسماء الله ومن الك «ءاوه» و«أوتاه» ولا يذكرون ذلك فكيف اختاروا من بينها «ءاه» وقالوا عنها اسما من أسماء الله، وهذا الحديث الموضوع الذي يحتجون به لم ينص على لفظ من ألفاظ الأنين التي هي اثنتان وعشرون كلمة، فما هذا التحكم؟! فبأي حجة اختاروا «ءاه» من بين تلك الكلمات، فليس لهم مستند إلا الهوى، فتبين أن مستندهم أوهى من بيت العنكبوت.
ويرد على هؤلاء أيضا بما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فلا يقل:ءاه ءاه فإن الشيطان يضحك منه»، أو قال: «يلعب منه» رواه الترمذي([3])، والحافظ المجتهد ابن المنذر([4]) وابن خزيمة([5]) واللفظ له.
ويكفي دليلا أيضا على عدم كونه اسما لله اتفاق الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة على أن الأنين يبطل الصلاة.
وقد أفتى شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري المالكي([6]) (ت1335هـ) بتحريم الذكر بهذا اللفظ وحضور المجلس الذي يذكر فيه هذا اللفظ على الوجه المتعارف عندهم.
وقد ظن بعض جهلة المتصوفة أن معنى «أواه» في قوله عز وجل: {إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] أن إبراهيم كان يذكر بآه وهذا غير صحيح، فإن الأواه من يظهر خشية الله تعالى([7])، وقد صح عن ابن مسعود رضي الله أنه قال: «الأواه الرحيم» رواه ابن أبي حاتم([8]) بإسناد حسن.
فعلم من ذلك أنه لا يجوز الذكر بلفظ «ءاه»، فمن أراد أن يذكر الله تعالى فليذكره بما هو ثابت في القرءان والسنة النبوية الشريفة قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه} [الأعراف: 180].
تنبيه: قال الإمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه: «لا يجوز تسمية الله إلا بما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة» اهــ، وقال أبو بكر الباقلاني تلميذ تلميذ الأشعري: «ما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا» اهــ.
وهذا ليس من الطريقة الشاذلية بل شيء أحدثه شاذلية فاس كما قال شيخ الشاذلية في المدينة المنورة الشيخ ظافر المدني رحمه الله تعالى في رسالة له فقال: «إن الاشتغال بآه من فعل شاذلية فاس» اهــ.
وقد قال بعض هؤلاء من أهل دمشق إن «ءاه» أقرب للفتوح من «الله»([9]).
فماذا بقي للمتشبثين بهذا الرأي الفاسد بعد هذا إلا العناد.
([1]) مسند الفردوس (5/431) بلفظ: «يا حميراء أما شعرت أن الأنين اسم من أسماء الله تعالى يستريح به المريض».
([2]) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير (ص62، 63).
([3]) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، وصححه.
([5]) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: أبواب الأفعال المكروهة في الصلاة: باب الزجر عن قول المتثائب في الصلاة ها وما أشبهه.
([6]) انظر: «مختصر كتاب أعذب المسالك المحمودية إلى منهج السادة الصوفية» للشيخ محمود خطاب السبكي (ص422 – 429).
([7]) المفردات في غريب القرءان (ص32).
([8]) تفسير القرءان لابن أبي حاتم (6/1896) وحسنه الحافظ في «الفتح» (6/389).