الخميس يناير 29, 2026

التبرك بآثار النبي ﷺ

ثم اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي ﷺ في حياته وبعد مماته، ولا زال المسلمون بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك، وجواز هذا الأمر يعرف من فعل النبي ﷺ وذلك أنه ﷺ وسلم قسم شعره حين حلق في حجة الوداع وأظفاره ليتبركوا به وليستشفعوا إلى الله بما هو منه ويتقربوا بذلك إليه وليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم، ثم تبع الصحابة في خطتهم في التبرك بآثاره ﷺ من أسعده الله، وتوارد ذلك الخلف عن السلف. فلو كان التبرك به في حال الحياة فقط لبين ذلك.

وخالد بن الوليد رضي الله عنه كانت له قلنسوة وضع في طيها شعرا من ناصية رسول الله أي مقدم رأسه لما حلق في عمرة الجعرانة، وهي أرض بعد مكة إلى جهة الطائف، فكان يلبسها يتبرك بها في غزواته.

وهذا سيدنا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي هو أحد مشاهير الصحابة والذي هو أول من نزل الرسول عنده لما هاجر من مكة إلى المدينة جاء ذات يوم إلى قبر رسول الله ﷺ فوضع وجهه على قبر النبي تبركا وشوقا، رواه أحمد([1]) والطبراني في الكبير([2]) والأوسط([3]).

وفي كتاب سؤالات عبد الله بن أحمد بن حنبل لأحمد([4]) قال: «سألت أبي عن مس الرجل رمانة المنبر يقصد التبرك وكذلك عن مس القبر»، فقال: «لا بأس بذلك» اهـ.

وفي كتاب العلل ومعرفة الرجال ما نصه([5]): «سألته عن الرجل يمس منبر النبي ﷺ ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال لا بأس بذلك» اهـ.

وروى ابن الجوزي في مناقب أحمد([6]) بالإسناد المتصل إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: «رأيت أبي – يعني أحمد بن حنبل – يأخذ شعرة من شعر النبي ﷺ فيضعها على فيه ويقبلها وأحسب أني رأيته يضعها على عينيه ويغمسها في الماء ثم يشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبي ﷺ فغسلها في حب الماء ثم شرب فيها» اهـ.

والعجب أيضا من ابن تيمية الذي ذكر حديث ابن عمر الذي هو توسل واستغاثة بالرسول بعد موته ﷺ أنه قال في كتابه التوسل والوسيلة([7]): «لا يجوز التوسل إلا بالحي الحاضر» فسبحان مصرف القلوب يصرفها كيف يشاء.

([1]) أخرجه أحمد في مسنده (5/422).

([2]) المعجم الكبير (4/189)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/515). وصححه ووافقه الذهبي.

([3]) المعجم الأوسط (1/145 و9/249)، مجمع الزوائد (5/245).

([4]) انظر: كشاف القناع (2/150).

([5]) العلل لأحمد بن حنبل (2/492).

([6]) مناقب الإمام أحمد بن حنبل (ص186، 187).

([7]) انظر: الكتاب (ص154).