الجمعة فبراير 20, 2026

بيان أن أول مخلوقات الله الماء وفيه الرد على من يقول «محمد أول مخلوقات الله»

من المفاسد التي انتشرت بين بعض العوام ما درج عليه بعض قراء المولد النبوي الشريف وبعض المؤذنين من قولهم إن محمدا أول المخلوقات، وما ذاك إلا لانتشار حديث جابر الموضوع بينهم «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» وفيما يلي نورد ردنا بالأدلة الشافية:

قال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} [الأنبياء: 30]، وروى البخاري([1]) والبيهقي([2]) أن رسول الله ﷺ قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء».

وروى ابن حبان([3]) من حديث أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء قال: «كل شيء خلق من الماء».

وروى السدي([4]) في تفسيره بأسانيد متعددة: «إن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء».

وفي تفسير عبد الرزاق([5]) عن قتادة في شرح قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] ما نصه: «هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السمٰوات والأرض».

فإن قيل أليس قال رسول الله ﷺ «أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء»، فالجواب أنه يكفي في رد هذا الحديث كونه مخالفا للأحاديث الثلاثة الصحيحة السابقة، وأما عزو هذا الحديث للبيهقي فغير صحيح إنما ينسب إلى مصنف عبد الرزاق ولا وجود له في مصنفه بل الموجود في تفسير عبد الرزاق عكس هذا كما تقدم.

وقال الحافظ السيوطي([6]) في الحاوي: «ليس له – أي حديث جابر – إسناد يعتمد عليه» اهـ.

قلت: وهو حديث موضوع جزما.

وقد ذكر عصرينا الشيخ عبد الله الغماري محدث المغرب([7]) أن عزو هذا الحديث الموضوع إلى مصنف عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره، والأمر كما قال.

كما أن محدث عصره الحافظ أحمد بن الصديق الغماري([8]) حكم عليه بالوضع محتجا بأن هذا الحديث ركيك ومعانيه منكرة، قلت: والأمر كما قال ولو لم يكن فيه إلا هذه العبارة: «خلقه الله من نوره قبل الأشياء» لكفى ذلك ركاكة لأنه مشكل غاية الإشكال لأنه إن حمل ضمير من نوره على معنى نور مخلوق لله كان ذلك نقيض المدعى لأنه على هذا الوجه يكون ذلك النور هو الأول ليس نور محمد بل نور محمد ثاني المخلوقات، وإن حمل على إضافة الجزء للكل كان الأمر أفظع وأقبح لأنه يكون إثبات نور هو جزء لله تعالى فيؤدي ذلك إلى أن الله مركب والقول بالتركيب في ذات الله من أبشع الكفر لأن فيه نسبة الحدوث إلى الله تعالى، وبعد هذه الجملة من هذا الحديث المكذوب ركاكات بشعة يردها الذوق السليم ولا يقبلها، ثم هناك علة أخرى وهي الاضطراب في ألفاظه لأن بعض الذين أوردوه في مؤلفاتهم رووه بشكل وءاخرون رووه بشكل ءاخر مع فرق كبير. ثم الركاكة دليل الوضع كما قال علماء الحديث لأن الرسول ﷺ لا يتكلم بكلام ركيك المعنى.

فإن قيل أليس قال الرسول ﷺ «كنت أول النبيين في الخلق وءاخرهم في البعث»، وقال أيضا: «كنت نبيا وءادم بين الماء والطين» و«كنت نبيا ولا ماء ولا طين».

فالجواب أن الحديث الأول ضعيف([9]) كما نقل ذلك العلماء، ثم لو صح لم يكن فيه أنه أول خلق الله وإنما فيه أنه أول الأنبياء، ومعلوم أن البشر أولهم ءادم الذي هو ءاخر الخلق باعتبار أجناس المخلوقات.

 

وأما الثاني والثالث فلا أصل لهما([10])، وأما حديث ميسرة الفجر أنه قال يا رسول الله متى كنت نبيا، قال: «كنت نبيا وءادم بين الروح والجسد» فهو حديث صحيح رواه أحمد في مسنده([11])، وأما معناه فلا يدل على أوليته ﷺ بالنسبة لجميع الخلق، وإنما يدل على أن الرسول كان مشهورا بوصف الرسالة بين الملائكة في الوقت الذي لم يتم تكون جسد ءادم بدخول الروح فيه.

وقد أخرج أحمد([12]) والحاكم([13]) والبيهقي([14]) في الدلائل عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن ءادم لمنجدل في طينته». قال البيهقي([15]): يريد به أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأول الأنبياء صلوات الله عليهم» اهـ.

وأخيرا نقول لهؤلاء المتعصبين لحديث أولية النور الموضوع وأمثالهم إن الأفضلية ليست بالأسبقية في الوجود بل الأفضلية بتفضيل الله فالله تعالى يفضل ما شاء من خلقه على ما شاء، فالله تعالى جعل سدينا محمدا ﷺ أفضل خلقه على الإطلاق وأكثرهم بركة.

 

([1]) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قوله تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27].

([2]) الأسماء والصفات (ص375).

([3]) صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة، فصل في قيام الليل، راجع الإحسان (4/115).

([4]) فتح الباري (6/289).

([5]) تفسير عبد الرزاق (2/301).

([6]) الحاوي للفتاوى (1/325).

([7]) مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر (ص43).

([8]) المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير (ص4).

([9]) انظر أسنى المطالب (ص2429، والمقاصد الحسنة (ص520)، وكشف الخفا (2/169، 170).

([10]) التذكرة في الأحاديث المشتهرة (ص172)، والمقاصد الحسنة (ص522)، وتمييز الطيب من الخبيث (ص126)، وكشف الخفا (2/173)، وتنزيه الشريعة (1/341)، والأسرار المرفوعة (ص178)، وتذكرة الموضوعات (ص86)، وأسنى المطالب (ص243)، ومرشد الحائر (ص49).

([11]) مسند أحمد (5/59).

([12]) مسند أحمد (4/127، 128).

([13]) مستدرك الحاكم (2/600).

([14]) دلائل النبوة (1/80 – 83).

([15]) دلائل النبوة (1/81).