الخميس يناير 22, 2026

 

 

 

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

                                          أبو بكر الصديق رضي الله عنه

هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر يلتقي بعمود النسب الشريف في مرة بن كعب، أمه بنت عم أبيه أم الخير سلمى بنت صخر، ولد بعد الفيل بنحو ثلاث سنين، كان من رؤساء قريش وعلمائهم محببا فيهم. كان أبيض اللون نحيف الجسم خفيف العارضين ناتئ الجبهة أجود الصحابة، أول من أسلم من الرجال وعمره سبع وثلاثون سنة. بويع له بالخلافة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة من الهجرة في سقيفة بني ساعدة. ثم خرج المبايعون إلى المسجد النبوي فبايعه الناس أجمعون. ثم بايعه علي والعباس رضي الله عنهما وأجمع الصحابة كلهم على خلافته. أول أمر بدأ به أبو بكر رضي الله عنه أن أمضى بعث أسامة بن زيد وأمره بالمسير إلى جهة أراضي مؤتة حيث استشهد أبوه زيد بن حارثة. بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عظمت المصيبة وكثر النفاق وارتد بعض القبائل وامتنع البعض عن أداء الزكاة فأسرع أبو بكر رضي الله عنه لمداركة هذا الأمر العظيم فأمر بتجهيز الجيوش لقتال أهل الردة ومن منع الزكاة. وخرج أبو بكر بالجيش ومضى حتى وصل إلى الربذة وهي من قرى المدينة على ثلاثة أيام من ذات عرق. ثم أرجعوه إلى المدينة فرجع وقد عقد أحد عشر لواء لقتال أهل الردة فتوجهت الجيوش وقاتلوا المرتدين، وقتل مسيلمة الكذاب، وهرب طليحة بن خويلد إلى أرض الشام وكان ادعى النبوة ثم أسلم في زمن عمر بن الخطاب. واستشهد من الصحابة نحو سبعمائة رجل أكثرهم من القراء منهم زيد بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ومنهم البراء بن مالك أخو أنس بن مالك وقتل من بني حنيفة نحو سبعة عشر ألفا. جمع أبو بكر الصديق القرءان وهو أول من سماه مصحفا، وقبل ذلك لم يكن مجموعا بل كان محفوظا في صدور القراء من الصحابة ومكتوبا في صحف مطهرة متفرقة. ثم دخلت السنة الثانية عشرة وفيها جهز أبو بكر الجيوش للفتوحات فتوجه خالد بن الوليد في جيش إلى العراق. وفي السنة الثالثة عشرة جعل أبا عبيدة بن الجراح أميرا على جيوش بلاد الشام.

 

وقعة اليرموك

اجتمعت عساكر أبي عبيدة باليرموك وهو مكان في فلسطين، وكانوا واحدا وعشرين ألفا، فأرسل هرقل عساكره يومئذ وكانت أكثر من مائتي ألف. فكتبوا إلى أبي بكر يخبرونه ويطلبون أن يمدهم فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يستخلف على العراق المثنى بن حارثة وأن يتوجه بمن معه إلى الشام وجعله أميرا على جيوش الشام بدل أبي عبيدة وأمره بالإسراع فتوجه خالد ووصل إلى اليرموك، فالتحم القتال واشتدت الحرب، حتى أنزل الله نصره. وانتهت هزيمة الروم إلى هرقل وكان بحمص فرجع إلى وراء حمص لتكون بينه وبين المسلمين ورضي بأن تكون حمص ودمشق لهم. وبينما المسلمون في وقعة اليرموك حضر بريد من المدينة المنورة أخبر خالد بن الوليد أن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه قد توفي وولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلم يعلم أحدا بالخبر لانشغالهم بالقتال. وكانت وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة من ليلة الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة من عمره. وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما. ودفن في بيت عائشة ورأسه عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أبو بكر رضي الله عنه لما مرض جمع عنده طلحة وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من كبار الصحابة وأخبرهم أنه يرى أن يكون عمر بن الخطاب خليفة، فاستحسنوا ذلك وأثنوا على رأيه فأشرف على الناس وأخبرهم بأنه قد استخلف عمر وأمرهم بالسمع والطاعة، ثم دعا عثمان بن عفان وقال له: اكتب، ثم أمره فختمه بخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج به عثمان وقرأه على الناس فبايعوا عمر بن الخطاب ورضوا به.

 

     عمر بن الخطاب رضي الله عنه

هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل، يلتقي بعمود النسب الشريف بكعب بن لؤي، وأمه حثمة بنت هاشم، لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاروق لأنه يفرق بين الحق والباطل. ولد رضي الله عنه بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة وأسلم في السنة الثالثة من البعثة وله حينئذ سبع وعشرون سنة. كان طويلا أصلع الرأس، أبيض اللون، شديد الحمرة، كث اللحية، خفيف شعر العارضين، كثير شعر السبالين (أي الشاربين)، شديد حمرة العينين، كثير التواضع زاهدا ورعا متقشفا. ولي الخلافة بعهد من أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وبويع له في حياته ثم قام بأمر الخلافة بالصدق والعدل وحسن التدبير والسياسة. رتب الجيوش للجهاد في سبيل الله وعزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيوش بالشام وولى أبا عبيدة شفقة على الجيوش والعسكر لشدة بطش خالد وهجماته.

 

فتح دمشق

ولما انقضى أمر اليرموك ساروا إلى دمشق فحاصروها سبعين ليلة من نواحيها الأربع فاستغفل خالد بن الوليد ليلة من الليالي وتسور السور بمن معه وقتل البوابين واقتحم بالعسكر وكبر وكبروا، ففزع أهل البلد إلى أمرائهم فنادوا بالصلح فدخلوا من نواحيها صلحا والتقوا مع خالد بن الوليد في وسط البلد فأجريت ناحية خالد على الصلح أيضا وذلك سنة أربع عشرة. ثم سارت الجنود ففتحوا طبرية وبيسان صلحا وقيسارية وغزة وسبسطية، وفتحوا نابلس والرملة، ولد، وعمواس، وبيت حبرون، ويافا وسائر تلك الجهات إلى غزة.

                                         

فتح بيت المقدس

ثم سار أبو عبيدة إلى الأردن فجمع الجيوش وقصد بيت المقدس وكتب لهم كتابا ثم انتظرهم، فأبوا أن يأتوه فسار إليهم ونزل بهم وحاصرهم فلما اشتد عليهم الحصار طلبوا منه الصلح فقبل منهم فقالوا: أرسل إلى خليفتكم فيكون هو الذي يعطينا عهد الصلح. فكتب أبو عبيدة إلى أمير المؤمنين يخبره بذلك فجمع عمر كبار الصحابة وشاورهم في المسير فأشاروا كلهم بالمسير، فجمع العساكر وخرج واستخلف على المدينة المنورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. دخل أمير المؤمنين إلى بيت المقدس وحينئذ وقع الصلح بين المؤمنين وبين رؤساء أهل بيت المقدس على الجزية وشروط معلومة وكتب لهم كتابا على ما تم عليه الصلح. ولما دخل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيت المقدس بالجيش العظيم من المسلمين كشف عن الصخرة وأمر ببناء مسجد، ومضى نحو محراب داوود وهو على باب البلد في القلعة فصلى فيه وقرأ سورة “ص” وسجد، ثم حول قبلة المسجد لجهة الكعبة وحينئذ فتحت تلك الجهات من البلاد الشامية كلها. ثم ولى علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وجعل مركزه الرملة، وولى علقمة بن محرز على النصف الثاني وأسكنه بيت المقدس. ثم رجع عمر رضي الله عنه إلى المدينة المنورة، ولما رأى ما صنعه خالد بن الوليد قال: يرحم الله أبا بكر، لقد كان أعلم مني بالرجال. وفتح أبو عبيدة قنسرين ثم سار إلى حلب وحاصرها فصالحه أهلها على الجزية ثم أسلموا كلهم. ثم سار إلى أنطاكية وكان لها شأن عظيم وفيها جمع عظيم فهزمهم أبو عبيدة ثم صالحوه على الجزية. ثم فتحوا منبجا وعينتاب والموصل وكامل الجزيرة وذلك في السنة الخامسة عشرة ثم بعد ذلك استأذن عمرو بن العاص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فتح مصر فأرسل معه الزبير بن العوام وبعد قتال شديد قبل أهلها الصلح والجزية.

 

معركة القادسية

بعد أن توجه خالد بن الوليد من العراق إلى الشام، وبقي المثنى بن حارثة مع جيشه، أقام بالحيرة ورتب الأمور، وأرسل كسرى ثلاثة عشر إلى الحيرة عليهم هرمز، فاقتتلوا هناك قتالا شديدا وانهزم الفرس وقتل هرمز، وكان قاتله المثنى. وندب عمر بن الخطاب الناس إلى أن يتوجهوا إلى العراق مددا للمثنى، فانتدب أبو عبيد بن مسعود، فبعثه عمر في جيش فكان أول جيش أرسله إلى العراق، فاجتمع أبو عبيد مع المثنى، وكان هناك جمع عظيم من الفرس عليه رستم فحصلت وقعة يقال لها “وقعة الجسر” قتل فيها من المسلمين نحو أربعة ءالاف. وبقي من المسلمين نحو ثلاثة ءالاف فأخبروا عمر رضي الله عنه بالوقعة وخبرها، فندب رضي الله عنه الناس واستنفرهم، فاجتمع من القبائل جمع عظيم وأمر عليهم جرير ابن عبد الله البجلي، وبعثهم مددا للمثنى وأبي عبيد، فاجتمع المسلمون بمكان يقال له “العذيب” مما يلي الكوفة وهناك عساكر من الفرس عند الفرات فباشروا الحرب والتحم القتال فانهزمت الفرس شر هزيمة، وقتل من الفرس ما يزيد عن مائة ألف. وفي هذه السنة حج عمر رضي الله عنه سنة ثلاثة عشر واستنفر الناس فجاءته أفواج العرب إلى المدينة المنورة، فلما اجتمعت عنده الأمداد استخلف على المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجمع العساكر واستشار الناس في المسير إلى العراق فأشاروا عليه بالمقام بالمدينة وأن يبعث رجلا من الصحابة بهذه الجنود يعتمد عليه، فقبل ذلك منهم وعين سعد بن أبي وقاص أحد العشرة الكرام وولاه حرب العراق، وأوصاه وبعثه في أربعة ءالاف فيهم عمرو بن معدي كرب وأمثاله من الشجعان والأبطال ثم أمده بأربعة ءالاف. سار سعد بالجيوش وبلغه في الطريق أن المثنى قد توفي من جراحته. وكان جمع المثنى سبعة ءالاف ولحقه الأشعث بن قيس ومعه ثلاثون ألفا، فعبأ سعد الكتيبات والساقة والطلائع والمجنبات ورتب الأمراء وجعل على كل عشرة عريفا، ورتب المقدمة وتوجه بالعساكر كلها حتى أتى القادسية فوصلت أخبارهم يزدجر، وأرسل سعد نفرا من العسكر فقدموا على يزدجر فأحضرهم وقال لترجمانه: سلهم ما جاء بكم وما حملكم على غزونا، أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فتكلم النعمان بن مقرن بعد أن استأذن أصحابه وقال ما معناه: إن الله تعالى قد رحمنا وأرسل إلينا رسولا صفته كذا وكذا يدعونا إلى الإيمان والإحسان، ويعد الطائعين بالجنة، فأجابه قوم وتباعد عنه قوم، ثم أمرنا بأن نجاهد من خالفه من العرب فدخلوا معه على وجهين مكره وطائع حتى إذا اجتمعنا عليه وعرفنا فضل ما جاء به أمرنا بجهاد من يلينا من الأمم ندعوهم إلى الإنصاف. فقال يزدجر: لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم، فإن كان بكم جهد أعطيناكم قوتا وكسوة وملكنا عليكم ملكا يرفق فيكم. فقال له قيس بن زرارة: اختر إما الجزية عن يد وأنت صاغر أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام. فقال يزدجر: لو قتل أحد الرسل لقتلتكم، ثم استدعى بحمل من تراب، وقال لأصحابه حملوه لسيدهم، ثم قال للنعمان ومن معه: ارجعوا إلى صاحبكم وأعلموه أني مرسل رستم حتى يدفنكم أجمعين في خندق القادسية ثم يدوخ بلادكم. فقام عاصم بن عمر فقال: أنا سيدهم وجعل التراب على عنقه ورجع إلى سعد وقال: أبشر فقد أعطانا الله تراب أرضهم. سار رستم إلى ساباط ومعه من الجنود نحو مائتي ألف وثلاثة وثلاثون فيلا فنزل القادسية بعد ستة أشهر يطاول خوفا وكسرى يحثه على السير، وأرسل إلى زهرة بن حويه فوقف معه وعرض له بالصلح وقال: كنتم جيراننا نحسن إليكم ونحفظكم، فقال زهرة: قد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا دعانا إلى دين الحق فأجبناه، فقال: وما دين الحق؟ فقال: الإسلام، قال: فإن أجبنا إلى هذا ترجعوا؟ فقال: إي والله. ورتب يزدجر عساكره بين المدائن والقادسية لتأتي إليه أخبار رستم، وأخذ المسلمون مصافهم وأشرف سيدنا سعد على الجنود وخطبهم وحثهم على الجهاد وذكرهم بوعد الله. وكان ذلك في المحرم سنة أربع عشرة، ثم أمر بقراءة سورة الأنفال فنزلت السكينة على المسلمين. فلما فرغ من قراءة السورة قال: الزموا مواقفكم فإذا صليتم الظهر فإني أكبر تكبيرة فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا وأتموا عدتكم، فإذا سمعتم الثالثة فكبروا ونشطوا الناس، فإذا سمعتم الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوكم وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما كبر الثالثة هاج الناس وبرز الأبطال، ثم كبر سعد الرابعة وزحف المسلمون مكبرين ودارت رحى الحرب واشتد عواء الفيلة ووقعت الصناديق عن الفيلة وهلك من كان عليها ودام ذلك إلى الليل. وأول من أسر هرمز من ملوك الفرس أسره غالب بن عبد الله الأسدي ودفعه إلى سعد. فلما أصبحوا دفنوا القتلى وسلموا الجرحى إلى النساء، فلما انتصف النهار زحف الناس ودارت رحى الحرب إلى نصف الليل وقتل عامة رؤساء الفرس فأصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم، واشتد القتال واختلط المسلمون بالعدو وانقطعت الأخبار والأصوات عن سعد وهبت رياح النصر فانقلب سرير رستم فقام من سريره يستظل بظل بغل فضربه هلال بن علقمة وقتله وجره من رجله وصعد على السرير ينادي: “قتلت رستم، ورب الكعبة، إلي، إلي”، فكبروا تكبيرة واحدة وجزوا رأسه وطافوا به فانهزم قلب العدو وتفرقوا، وأخذ ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري راية كسرى وأمر سعد القعقاع وشرحبيل بأن يتبعوا العدو، وكتب سعد إلى أمير المؤمنين يبشره بالفتح وأقام المسلمون بالقادسية ينتظرون أمر أمير المؤمنين.

 

فتح بلاد فارس

بعد موقعة القادسية، جاء الأمر من أمير المؤمنين بأن يسير المسلمون إلى المدائن عاصمة الكسروية فذهبوا ولحقوا ببابل وكان الفرس لما انهزموا من القادسية لجؤوا إلى بابل فحصل قتال شديد وانهزم الفرس وافترقوا فرقتين، فالهرمزان دخل الأهواز بالعراق، والفيرزان دخل نهاوند بفارس وفيها كنوز كسرى، ثم توجهوا حتى نزلوا شهر شير من المدائن ولما عاينوا الإيوان وهو قصر كسرى كبروا وقالوا: هذا الأبيض (لأن حجارته كانت بيضاء) هذا ما وعد الله ورسوله، وكان نزولهم في ذي الحجة سنة خمس عشرة، فحاصروا المدائن ثلاثة أشهر ثم اقتحموها يقولون: “نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. وساروا في دجلة وخيولهم سابحة فلما رأى الفرس ذلك خرجوا هاربين إلى حلوان من غير قتال، وكان كسرى يزدجر قبل ذلك فر بعياله، ونزل سعد الإيوان وصلى فيه صلاة الفتح. وقرأ: ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ لأن الفرس تركوا ما كانوا فيه من نعيم للمسلمين، واتخذ الإيوان مسجدا أي مكانا للصلاة وصلى فيه سعد بالناس. ثم استولوا على بيت مال كسرى وكان فيه ثلاثة ءالاف قنطار من الذهب دنانير والقنطار نوع من الأوزان يعدل على التقريب مائة كيلو. وأخذوا حلية كسرى وثيابه ودرعه من الهاربين وأخذوا حمل بغل من السيوف، وحمل بغل من الدروع والمغافر، وأخذوا درع هرقل، ودامر ملك الهند وسواري كسرى، وأحضرها كلها القعقاع إلى سعد، وخيره سعد في السيوف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع “بهرام جور” وهو ملك فارسي من الأكاسرة. بعث سعد إلى أمير المؤمنين سيف كسرى وتاجه وحليته وثيابه ليراها الناس في المدينة المنورة، وألبسوا سراقة بن مالك المدلجي سواري كسرى تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: “كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى”. وقسم سعد بين المسلمين الغنيمة بعدما خمسها فأصاب الفارس اثني عشر ألف دينار وكانوا ستين ألفا، وقسم المنازل والدور بين الناس وأنزلهم فيها، وأخذوا بساط كسرى وطوله ستون ذراعا في مثلها وهو شبه بستان فيه زهور منسوجة بالذهب وطرق كالأنهار وتماثيل منقوشة بالدر والياقوت على حرير وجواهر متنوعة، كانت الأكاسرة تبسطه في الإيوان زمن الشتاء عند فقد الرياحين وتشرب عليه. ولما قدمت الأخماس على أمير المؤمنين قسمها في الناس، وقطع البساط قطعا بين الصحابة وأعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعة باعها بعشرين ألف دينار. ثم أرسل سعد جندا لفتح جلولاء وهي قريبة من حدود فارس، فقدموا عليها وحاصروها ثم حملوا حملة واحدة فانهزم الفرس وتفرقوا وقتل منهم يومئذ نحو مائة ألف وتبعهم القعقاع بطليعة فانهزم أمامه كسرى يزدجر حتى وصل إلى الري بفارس. ثم توجه بعض عساكر المسلمين نحو الأهواز والسوس ففتحوهما وأسروا الهرمزان إلى المدينة ثم أسلم وحسن إسلامه وفرض له أمير المؤمنين ألفين وأنزله بالمدينة. ثم أصدر أمير المؤمنين أمرا بأن تسير العساكر والجنود لفتح بلاد فارس. فتوجهوا وفتحوا في طريقهم بلادا كبيرة كخراسان وشيراز وأصبهان وقزوين وكافة بلاد فارس والعجم. ثم فتحوا نهاوند وفيها غنائم كسرى العظيمة واقتسموها حتى وصلوا إلى مرو الروذ وبها كسرى يزدجر فقاتل المسلمين وقاتلوه ثم انهزم هزيمة شديدة، وكان قد أرسل بريدا إلى ملك الصين يستنجده ويستمده فرأى البريد راجعا وهو منهزم ومعه كتاب يسأله ملك الصين أن يترجم له أحوال العرب ودعوتهم وأفعالهم وعيشتهم، فكتب إليه يزدجر عن دينهم ودعوتهم وكتابهم وصفتهم، فكتب إليه ملك الصين إذا كانت صفاتهم كما قلت فسالمهم وصالحهم على الجزية ولا تحاربهم فإنه لا يقوم لهم مقاوم، فضاقت عليه الأرض. ولما كان أيام خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ولى عبد الله بن عامر بن كريز وهو ابن خال عثمان على تكميل فتوحات بلاد العجم فوصلوا إلى حيث لجأ يزدجر ومعه فرقة من الفرس، فانهزم وتبعوه فالتجأ إلى جماعة هناك فقتلوا من كان معه وهرب يزدجر ماشيا وحده إلى شط المرعاب فآوى إلى بيت رجل ينقر الأضراس، فلما نام قام إليه وقتله ورماه في نهر، ثم أخذوه من النهر ووضعوه في ناووس أي تابوت من حجر ودفنوه هناك في مرو، انقرضت دولة الأكاسرة والساسانية من الأرض وظهرت معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى يمزقهم كل ممزق.

 

مقتل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)

في سنة أربع عشرة أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببناء البصرة والكوفة فبنوها أولا بالقصب ثم استأذنوا عمر أن يبنوها باللبن فأذن لهم. وفي سنة سبعة عشر توجه أمير المؤمنين عمر معتمرا وأقام بمكة عشرين يوما وفيها وسع المسجد الحرام، وفي هذه السنة تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء. وفي سنة ثماني عشرة حصل قحط شديد فسمي ذلك العام عام الرمادة فاستسقى عمر رضي الله عنه، وخطب وأخذ العباس بن عبد المطلب وتوسل به وجثا على ركبتيه وبكى يدعو إلى أن نزل المطر وأغيثوا، وفي هذه السنة كان طاعون عمواس ببلاد الشام بناحية الأردن أقام شهرا ومات فيه نحو خمسة وعشرين ألفا. وفي سنة ثلاث وعشرين حج أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ثم رجع إلى المدينة المنورة وفي ختامها طعنه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي مملوك المغيرة بن شعبة بخنجر فقتله. كان عمر رضي الله عنه قد خرج لصلاة الصبح وقد استوت الصفوف فدخل الخبيث أبو لؤلؤة بين الصفوف وبيده خنجر مسموم برأسين فطعنه به ثلاث طعنات إحداها تحت سرته فأمسكوه بعد أن أصاب من الصحابة أيضا نحو اثني عشر رجلا مات منهم ستة. وسقط عمر رضي الله عنه على الأرض فقال لابنه انظر من ضربني، قال: أبو لؤلؤة المغيرة، قال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل سجد سجدة لله. واستخلف عمر عبد الرحمن يصلي بالناس وحمل إلى بيته. ثم بعث ابنه عبد الله إلى عائشة فقال: قل لها يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ولا تقل أمير المؤمنين فيقول لك: أفتأذنين أن يدفن مع صاحبيه، فجاء عبد الله إلى عائشة فاستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فبلغها رسالة أمير المؤمنين فتأوهت وبكت، وقالت: بلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له: إنها كانت قد ادخرت ذلك لنفسها، ولكنها ءاثرتك اليوم على نفسها. فرجع عبد الله فقال له عمر: ما وراءك يا عبد الله؟ قال: الذي تحب قد أذنت لك، قال: الحمد لله، فلم يزل يذكر الله تعالى إلى أن توفي رضي الله عنه ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة عن ثلاث وستين من عمره فغسل ووضع على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليه صهيب ودفن في الحجرة الشريفة ورأسه عند كتفي أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر إلا يوما واحدا.

 

عثمان بن عفان رضي الله عنه

هو أبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص أمه أروى بنت كريز يلتقي بعمود النسب الشريف بعبد مناف. لقب بذي النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم: رقية وأم كلثوم. كان ربعة، حسن الوجه، أبيض مشربا بحمرة، بوجهه علامات من أثر الجدري، وكان كث اللحية، بعيد ما بين المنكبين، طويل الذراعين، وقد شد أسنانه بالذهب، كان خاتمه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر رضي الله عنهم، فلما وقع الخاتم في بئر أريس (بئر مقابل مسجد قباء) اتخذ خاتما نقشه، عليه: “ءامنت بالذي خلق فسوى”. ولد بالطائف بعد عام الفيل بست سنين، أسلم قديما على يد أبي بكر رضي الله عنهما وعمره حينئذ تسع وثلاثون سنة. شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بدرا لأن زوجته رقية كانت مريضة فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقيم بالمدينة لمرضها وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بدر وأسهم له من غنائمها. بويع له بالخلافة بعد دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثلاث ليال، فتحت في عهده بلاد كثيرة كأرمينيا وطرابلس الغرب. ثم إن عثمان جهز جيشا لغزو إفريقية وكان ملك تلك الجهات جرجير من قبل هرقل يرسل إليه الخراج كل سنة، فلما بلغه الخبر جمع مائة وعشرين ألفا ولقيهم من سبيطلة دار ملكه فدعوه إلى الإسلام أو الجزية فاستكبر. وأرسل عثمان عبد الله بن الزبير بمدد من الجند فسمع جرجير بوصول المدد وخاف والتحم القتال واشتدت الحرب وهجموا على خيام الروم فهزموهم وقتل منهم أناس كثير، وقتل عبد الله بن الزبير جرجير وفتحوا سبيطلة ثم صالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار. وفي خلافة سيدنا عثمان رضي الله عنه ظهر الطعن في ولاته بالأمصار، وكانوا يأخذون بفلتات الأمراء باللحظات ويعظمونها، وفشت تلك المقالات بين بعض الأهالي فصاروا ينادون بالجور والظلم من أمراء وولاة عثمان في الجهات والنواحي وانتهت هذه المقالات إلى كبار الصحابة بالمدينة، فتكلموا مع عثمان وطلبوا منه عزل بعض الأمراء تسكينا للفتنة، فبعث عثمان إلى الأمصار من يأتيه بصحيح الأخبار منهم محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمار بن ياسر إلى مصر، فذهبوا ورجعوا فقالوا: ما أنكرنا شيئا.

كان رؤساء الفتنة الأشرار يبطنون ما في قلوبهم من الخبث ويموهون للناس أنهم يريدون إظهار الحق والعدل. وكان رئيسهم في ذلك الأمر عبدالله بن سبإ يعرف بابن السوداء كان من يهود العراق نافق وأظهر الإسلام لإيقاع الفتن والانشقاق في الأمة الإسلامية، فلما عرفه أهل البصرة طردوه وأخرجوه منها، فذهب إلى الكوفة ثم إلى الشام فطرد منهما. ذهب ابن السوداء إلى مصر واستوطنها فكثرت جماعته هناك، وكان يكثر الطعن في عثمان، ومراده شق كلمة المسلمين. وكثر الطعن والقيل والقال في المدينة وكتب رؤساء الفتنة إلى جماعتهم في الأمصار يستقدمونهم إلى المدينة، ودخلوا المدينة مظهرين الحج مجمعين باطنا على السوء بعثمان رضي الله عنه. فحاصروه أربعين يوما حتى منعوه الماء فغضب علي وأرسل له ماء، وأرسل الحسن والحسين وجماعة من أولاد الصحابة يحرسون بيت عثمان خوف الهجوم عليه، وهاج المنحرفون يقتحمون باب عثمان فمنعهم الحسن والحسين والزبير وطلحة وغيرهم، ثم تسوروا واقتحموا الدار من دار عمرو بن حزم فلم يشعر الذين على الباب. ودخل محمد بن أبي بكر وتكلم مع عثمان فقال له عثمان: لو رءاك أبوك أبو بكر ما رضي ذلك، فاستحيا وخرج نادما. ثم دخل عليه سفهاء الفتنة فضربه أحدهم بالسيف، فأكبت عليه نائلة زوجته فقطعت أصابع يدها، ثم قتلوه رضي الله عنه وهاجت الفتنة وانتهبوا البيت. ويقال إن الذي تولى قتله كنانة بن بشر النجيبي وعمرو بن الحمق، وذلك يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وبقي في بيته ثلاثة أيام ثم جاء حكيم بن حزام وجبير بن مطعم إلى علي فأذن بتجهيزه ودفنه، فدفن بين المغرب والعشاء في بستان كان اشتراه عثمان رضي الله عنه وأدخله في بقيع الغرقد. وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا يوما. وكان عثمان رضي الله عنه قبل قتله قال: إني رأيت البارحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر فقالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة.

 

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

هو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، ولد قبل البعثة بعشر سنين، وتربى في حجر النبي وفي بيته، وهو أول من أسلم بعد خديجة وهو صغير، كان يلقب بحيدرة تشبيها له بالأسد، وكناه النبي صلى الله عليه وسلم: أبا تراب، وكانت أحب الكنى إليه. ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة أمر عليا أن يبيت على فراشه وأجله ثلاثة أيام ليؤدي الأمانات التي كانت عند النبي إلى أصحابها ثم يلحق به إلى المدينة، هاجر من مكة إلى المدينة المنورة ماشيا، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا غزوة تبوك لأن النبي استخلفه على المدينة لئلا يترك المسلمين هناك بلا حماية، واختاره النبي صلى الله عليه وسلم صهرا له وزوجه بنته فاطمة الزهراء، واتخذه أخا لنفسه حين ءاخى بين أصحابه، وأعطاه اللواء يوم خيبر ففتحها واقتلع باب الحصن وقتل مرحبا صاحب خيبر. كان رضي الله عنه وكرم وجهه ءادم اللون (أي أسمر) أدعج العينين، حسن الوجه، ربعة القد، بطينا، كثير الشعر، عريض اللحية، أصلع الرأس، ضحوك السن، أعلم الصحابة في القضاء ومن أزهدهم في الدنيا. ولما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه اجتمع طلحة والزبير وأكثر المهاجرين والأنصار وأتوا عليا ليبايعوه وكان أول من بايعه طلحة، ثم الزبير، ثم بايعه الناس، ثم بعد المبايعة خطب الناس، ووعظهم ثم دخل بيته، وذلك يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. ثم ظهر القول واللغط في قتل عثمان رضي الله عنه وإقامة الحد والقود على من قتله، فقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ننظر الأمور فتؤخذ الحقوق، وهرب مروان وبنو أمية إلى الشام. وكانت وفاة سيدنا علي رضي الله عنه لإحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة من عمره، عندما خرج إلى صلاة الصبح على يد أحد الخوارج واسمه عبد الرحمن بن ملجم المرادي فكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. تولى غسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن عليه السلام ودفن سحرا قيل فيما يلي قبلة مسجد الكوفة، وقيل: عند قصر الإمارة، وقيل: بالنجف، والصحيح أنهم غيبوا قبره الشريف خوفا عليه من الخوارج.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=yw6wNhKnKuk

 

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/qasas-5-2

 

 الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com/