الخميس يناير 22, 2026

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

قصص من الماضى

للصف الابتدائى الخامس

ذكر بعض من معجزاته صلى الله عليه وسلم

   إن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة حتى قال الإمام الشافعي إن الله لم يعط نبيا معجزة إلا وأعطى محمدا مثلها أو أكبر منها. ومن هذه المعجزات: (1) القرءان الكريم: وهو أكبر معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالة على صدقه الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا. (2) انشقاق القمر: طلب الكفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم ءاية فأشار إلى القمر فانشق فلقتين وشاهد ذلك من كان بمكة وخارجها. (3) خروج الماء من بين أصابعه: أتي مرة بإناء فيه ماء لا يغمر أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع كفه الشريفة في الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضأ القوم كلهم وشربوا. روى البخاري ومسلم من حديث جابر »عطش الناس يوم الحديبية وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ منها فجهش الناس (أي أقبلوا إليه) فقال »ما لكم» فقالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشربه إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا فقيل كم كنتم؟ قال »لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة». (4) رد عين قتادة بعد انقلاعها: فقد روى البيهقي عن قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله فقال »لا» فدعا به فغمز حدقته براحته فبرئت فكان لا يدري أي عينيه أصيبت. (5) تسبيح الطعام في يده: أخرج البخاري من حديث ابن مسعود قال »كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام». وهذه المعجزات أعجب من إحياء الموتى الذي هو إحدى معجزات المسيح.

  

الإسراء

   لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وخمسين سنة أي قبل الهجرة بحوالي سنتين أسري به من مكة من بيت أم هانئ بنت عمه، أسري به صلى الله عليه وسلم بجسده وروحه، ثبت ذلك في القرءان والحديث فالذي ينكر الإسراء يكون قد كذب القرءان وخرج من الإسلام. وقد جاءه جبريل إلى المسجد الحرام بالبراق وهو من دواب الجنة يضع حافره عند منتهى طرفه فركب خلف جبريل على البراق ومرا بالمدينة المنورة قبل أن يهاجر إليها فنزل فصلى ثم مر بمدينة النبي شعيب مدين وصلى بها ركعتين ثم وصل إلى طور سيناء فصلى ركعتين ثم إلى بيت لحم حيث ولد سيدنا عيسى عليه السلام فصلى بها ركعتين ولما وصل إلى بيت المقدس ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ثم دخل إلى المسجد الأقصى وكان ءادم عليه السلام قد بناه بعد الكعبة بأربعين عاما. وحصل للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء تشريف عظيم فقد جمع الله تعالى له الأنبياء كلهم من ءادم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام وصلى بهم في المسجد الأقصى إماما. وقد أخذ الله العهد على كل نبي أنه إن بعث النبي محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وكل واحد من النبيين أمر قومه بمقتضى ذلك العهد. رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء أشياء عجيبة منها: (1) رأى الدنيا وهو في طريقه إلى بيت المقدس بصورة امرأة عجوز. (2) شم رائحة طيبة من قبر ماشطة بنت فرعون وكانت مؤمنة صالحة وجاء في قصتها أنها بينما كانت تمشط رأس بنت فرعون سقط المشط من يدها فقالت بسم الله فسألتها بنت فرعون أولك رب إله غير أبي؟ فقالت الماشطة نعم ربي ورب أبيك هو الله فأخبرت أباها فطلب منها الرجوع عن دينها أي دين الإسلام فلم تقبل فوضع قدرا على النار حتى غلى الماء فيه فألقى أولادها فلما أراد إلقاء طفل لها رضيع أنطق الله الطفل فقال يا أماه اصبري فإن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فلا تتقاعسي فإنك على حق فقالت لفرعون لي عندك طلب أن تجمع العظام وتدفنها فقال لك ذلك فألقاها فيه. وقد ماتت شهيدة هي وأولادها.

 

المعراج

   المعراج ثابت بنص الأحاديث الصحيحة وأما القرءان فلم ينص عليه نصا صريحا لكن ورد فيه ما يكاد يكون نصا صريحا. قال تعالى ﴿ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى.  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه عن الإسراء والمعراج »ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل من أنت؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم إذ هو قد أعطي شطر الحسن. فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل عليه السلام. قيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل. قيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل من هذا؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أمامي موسى صلى الله عليه وسلم فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من هذا؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم، قيل وقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون ولا يعودون إليه». وفرضت الصلوات الخمس تلك الليلة. وأعلم الله تعالى نبيه أن من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فائدة جليلة. يجدر بنا هنا بأن نذكر بأن الله تعالى هو خالق السموات السبع وخالق الأماكن كلها وأن الله كان موجودا قبل خلق الأماكن بلا هذه الأماكن كلها. فلا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى موجود في مكان أو في كل الأمكنة أو أنه موجود في السماء بذاته أو متمكن على العرش أو حال في الفضاء أو أنه قريب منا أو بعيد عنا بالمسافة فالله موجود بلا مكان. والمقصود من المعراج تشريف الرسول بإطلاعه على عجائب العالم العلوي وتعظيم مكانته صلى الله عليه وسلم. ومن جملة ما رأى الرسول من عجائب في المعراج: (1) رأى مالكا خازن النار ولم يضحك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل جبريل لماذا لم يره ضاحكا إليه كغيره فقال إن مالكا لم يضحك منذ خلقه الله تعالى ولو ضحك لأحد لضحك إليك. وللجنة خازن واسمه رضوان. (2) رأى سدرة المنتهى وهي شجرة عظيمة بها من الحسن ما لا يصفه أحد من خلق الله يغشاها فراش من ذهب وأصلها في السماء السادسة وتصل إلى السابعة ورءاها الرسول صلى الله عليه وسلم في السماء السابعة.

   ثم عاد الرسول إلى الأرض في نفس الليلة وحدث الناس بإسرائه فكذبه الكفار وطلبوا منه أن يصف بيت المقدس لأنهم كانوا يعلمون بأنه لم يذهب إليه فوصفه لهم فقالوا أما الوصف فقد أصابه. قال بعض العلماء إن إسراء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ثم عروجه السموات ثم رجوعه إلى مكة كل ذلك كان في ثلث ليلة فسبحان القادر على كل شىء.

 

بدء الغزوات

غزوة بدر الكبرى

   كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام باللسان ولم يكن قد أذن له بعد بالجهاد، ثم بعد هجرته صلى الله عليه وسلم نزل الإذن بالقتال فغزا صلى الله عليه وسلم بنفسه سبع عشرة غزوة وأرسل كثيرا من السرايا. وفي السنة الثانية من الهجرة كانت غزوة الأبواء وغزوة بواط وغزوة ذات العشير وغزوة بدر الكبرى يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان وكان من خبرها:  قدم إلى قريش قفل أى قافلة من الشام مع أبي سفيان بن حرب ومعه ثلاثون رجلا، فندب [أي وجه وحث] رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليهم وبلغ أبا سفيان ذلك فبعث إلى مكة وأعلم قريشا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصده فخرج الناس من مكة سراعا وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين رجلا وخرج سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من المدينة ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا منهم سبعة وسبعون من المهاجرين والباقون من الأنصار ولم يكن فيهم إلا فارسان وكانت الإبل سبعين يتناوبون في الركوب عليها. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مضيق الصفراء وجاءته الأخبار بأن العير قد قاربت بدرا وأن المشركين قد خرجوا ليمنعوا عنها.

   ثم رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في بدر على أدنى ماء من القوم، وأشار سعد بن معاذ ببناء عريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فعمل وجلس عليه رسول الله ومعه أبو بكر. ثم أقبلت قريش فلما رءاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال »اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني». وتقاربوا وخرج للمبارزة من المشركين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبارز عبيدة بن الحارث بن المطلب عتبة وأن يبارز حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم شيبة وأن يبارز علي بن أبي طالب الوليد بن عتبة. فقتل حمزة شيبة وعلي الوليد وضرب كل واحد من عبيدة وعتبة صاحبه وكر علي وحمزة على عتبة فقتلاه واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله ثم مات بعد ذلك. وتزاحف القوم ورسول الله ومعه أبو بكر على العريش وهو يقول »اللهم إن تهلك هذه العصابة (وهي الجماعة من الناس) لا تعبد في الأرض، اللهم أنجز لي ما وعدتني» ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فوضعه أبو بكر عليه وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة ثم انتبه فقال »أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله». ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش يحرض الناس على القتال وأخذ حفنة من الحصباء ورمى بها قريشا وقال »شاهت الوجوه» ثم قال لأصحابه »شدوا عليهم» فكانت الهزيمة. وكانت الوقعة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. وقتل عبد الله بن مسعود أبا جهل بن هشام بن المغيرة. واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. وكانت عدة قتلى المشركين في بدر سبعين رجلا والأسرى كذلك.

 

غزوة بني القينقاع

   كانت في السنة الثانية من الهجرة وكان من خبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد وادع يهود المدينة على أن لا يعينوا عليه أحدا وأنه إن دهمه عدو بها نصروه. فلما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل ببدر من مشركي قريش أظهروا له الحسد والبغض وأظهروا نقض المعاهدة. فجمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسوق قينقاع وقال لهم »يا معشر اليهود احذروا من الله عز وجل مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم». ولكن اليهود عاندوا وتكبروا عن قبول الحق. وكان يهود بني القينقاع من أغنياء المدينة وكان لهم فيها حصون، ورغم نصح النبي استمروا في غيهم وتحرشهم إلى أن حدث ذات يوم أن امرأة من العرب قدمت ببضاعة لها فباعتها بسوق بني القينقاع وجلست إلى صائغ فاجتمع حولها نفر من اليهود يتحرشون بها وطلبوا منها كشف شىء من بدنها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك اليهود منها وسخروا فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله فشدت اليهود على المسلم فقتلوه. وسرعان ما لجأ اليهود إلى حصونهم استعدادا للحرب واعتصموا فيها فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد، ثم نزلوا على حكم رسول الله واستسلموا فشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول وألح في الرغبة حتى حقن له رسول الله صلى الله عليه وسلم دماءهم ثم أمر بإجلائهم.

 

غزوة أحـد

   وقعت في السنة الثالثة من الهجرة. وجاء في خبرها أنه لما أصيبت قريش يوم بدر ورجعوا منكسرين إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره [أي إبله]. ومشى رجال من قريش ممن أصيب ءاباؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فاجتمعوا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلوا ببطن الوادي الذي قبل أحد فلما نزل أبو سفيان والمشركون إلى أحد فرح المسلمون بلقاء العدو وقالوا قد ساق الله إلينا بأمنيتنا. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فأخبرهم الرؤيا وأولها بقتل بعض أصحابه ورجل من أهل بيته ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم »فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها». فقال رجل من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة في ذلك اليوم يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا. فقال عبد الله بن أبي أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فلم يزل الناس الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس درعه وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم وقد ندم الناس فقالوا استكرهناك يا رسول الله ولم يكن ذلك لنا فإن شئت فاقعد صلى الله عليك فقال صلى الله عليه وسلم »ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته (أي ءالة الحرب) أن يضعها حتى يقاتل». فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف رجل حتى إذا كان بالشوط [وهو اسم حائط بين المدينة وأحد] انخزل [أي تراجع] عنه عبد الله بن أبي المنافق بثلث الناس وكان لواء المسلمين مع علي بن أبي طالب فلما سأل الرسول عن لواء المشركين وعلم أنه مع طلحة بن أبي طلحة أعطى اللواء لمصعب بن عمير. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير والرماة خمسون رجلا وجعلهم نحو خيل المشركين وقال لهم »لا تبرحوا مكانكم إن رأيتم أننا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم». ثم التقى الجيشان وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك ترمى بالنبل فترجع مغلولة وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا، فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم تركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتركوها وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول. فلما أبصر المشركون ذلك اجتمعوا وأقبلوا وصرخ صارخ قد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأول من عرف رسول الله بعد ذلك كعب بن مالك فصاح يا معشر المسلمين هذا رسول الله فنهضوا. وكان أبي بن خلف قد حلف أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دنا من رسول الله طعنه الرسول بحربته فوقع عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فمات قبل أن يقدم مكة. وجميع من استشهد من المسلمين يوم أحد من المهاجرين والأنصار تسعة وأربعون رجلا وقتل من المشركين يوم أحد ستة عشر رجلا. فائدة مهمة. ليعلم أنه لم ينهزم رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد ولا انهزم عنه أبو بكر ولا عمر ولا علي في رجال من أمثالهم من المهاجرين السابقين والأنصار الأولين رضي الله عنهم أجمعين.

 

غزوة الأحزاب

   في السنة الرابعة للهجرة حصلت غزوة الخندق أي الأحزاب وكان من خبرها أن نفرا من اليهود من زعماء بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة خرجوا حتى قدموا مكة ودعوا المشركين من قريش إلى حرب رسول الله والمسلمين وتواعدوا لذلك. ثم خرج اليهود حتى جاءوا إلى قبائل العرب من المشركين ودعوهم إلى ما دعوا إليه قريشا من قتال الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة وتم لهم مع هؤلاء جميعا تواعد في الزمان والمكان لحرب الرسول في المدينة المنورة. ووصل الخبر إلى الرسول فجمع أصحابه وأخبرهم بخبر العدو وشاورهم في الأمر فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق فأعجب الرسول بذلك. وخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته من المدينة وعسكر بهم في سفح جبل جعلوه خلفهم. ثم هب المسلمون جميعا ومعهم الرسول صلى الله عليه وسلم يحفرون هذا الخندق بينهم وبين عدوهم وكان عدد المسلمين ثلاثة ءالاف وعدد ما اجتمع من مشركي قريش والأحزاب الكافرة حوالي عشرة ءالاف. وصار الرسول صلى الله عليه وسلم يعمل بكد وتعب مع أصحابه ويشجعهم على حفر هذا الخندق وأخذ ينقل التراب مع الصحابة حتى غطى التراب جلدة بطنه. ثم إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مهاجرين وأنصار صاروا يرددون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا. وعندما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا النداء كان يجيبهم وهو الرءوف الرحيم بأمته »اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة». ثم تابع صلى الله عليه وسلم حفر الخندق مع أصحابه حول المدينة وبطنه معصوب بحجر من الجوع فرأى الصحابي جابر بن عبد الله هذا المشهد فهب مسرعا إلى بيته عله يقدم شيئا للرسول وأصحابه وطلب من زوجته أن تحضر له طعاما ففعلت، وعندما قارب الطعام القليل أن ينضج ذهب جابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له قم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان وأخبره بما صنع من طعام. في بيت جابر ظهرت معجزة عظيمة باهرة من المعجزات الكثيرة التي أيد الله بها نبيه إذ نادى الرسول صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار وهو يقول لهم قوموا ويخبرهم بأن جابرا صنع طعاما، ويسرع جابر إلى امرأته ويقول لها جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم فتقول له هل سألك كم طعامك فيقول لها نعم، فتقول له الله ورسوله أعلم. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة إلى بيت جابر وأخذ يكسر الخبز ويجعل اللحم ثم يغطي القدر الذي فيه الطعام وهو على النار ثم صار يأخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع وهكذا ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يكسر الخبز ويغرف ويعطي أصحابه حتى شبعوا كلهم وبقي بقية من الطعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة جابر »كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة». رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من بيت جابر ليتابعوا ما بدءوا به من حفر هذا الخندق ولما انتهوا من حفره وصل المشركون ومن معهم من الأحزاب وفوجئوا بهذا الخندق العظيم يحول بينهم وبين المدينة فعسكروا حوله يحاصرون المسلمين والغيظ يملأ قلوبهم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل رجلا كان مشركا ثم أسلم ليفرق ما بين اليهود الذين نقضوا العهد وبين بقية الأحزاب المجتمعة لحرب الرسول والمسلمين على بعض وحتى ينزع الثقة مما بينهم وتم ذلك بمشيئة الله الواحد القهار، وحذر الكفار بعضهم من بعض وأصبح كل فريق منهم يتهم الآخر بالغدر والخيانة. ثم إن الله تعالى أرسل ريحا هوجاء مخيفة في ليلة مظلمة شديدة البرد جاءت على المشركين فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم ونشرت الرعب بين صفوفهم فولوا مدبرين مذعورين في صباح اليوم الثاني إلى مكة وقد خاب أملهم في قتال الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام وكله ثقة بالله المدبر لكل شىء منتصرا مع أصحابه إلى المدينة وقد كفاهم الله شر هؤلاء الأحزاب الكافرين من مشركي قريش واليهود. قال الله تعالى في سورة الأحزاب ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا﴾. ثم بعد الخندق فورا حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الذين نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين فحاصرهم في حصونهم ثم قهرهم واستولى على حصونهم وأراضيهم التي كانت حول المدينة وبذلك زال خطرهم وانقطع ضررهم وخلت تلك البقاع من أدرانهم وخبثهم.

 

غزوة خيبر

   كانت هذه الغزوة في السنة السابعة للهجرة في الشهر المحرم حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وستمائة رجل فسار حتى أتى خيبر ليلا. وخيبر مدينة تقع شمالي المدينة المنورة إلى جهة الشام وسكانها كانوا من بني النضير الذين كانوا أعظم محركي قريش يوم الخندق على قتال الرسول والمسلمين. حاصر الرسول صلى الله عليه وسلم خيبر ستة أيام فلما كانت الليلة السابعة وهي ليلة الفتح قال الرسول »لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» فلما كان الصباح أعطاها لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان يشكو وجع عينيه فتفل النبي فيهما ودعا له فبرئ. توجه علي مع المسلمين للقتال وشدد الحصار على الحصون إلى أن فتحها واقتلع باب الحصن وقتل مرحبا صاحب خيبر وغنم المسلمون منها غنائم عظيمة.

 

غزوة مؤتة

   في السنة الثامنة للهجرة كانت غزوة مؤتة وجاء في خبرها أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى المدينة أقام بها شهري ربيع ثم بعث في جمادى الأولى بعثة إلى مؤتة بالشام. وكان سببها أن رسول الله بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم وقيل إلى ملك بصرى فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه. فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه الخبر عنه فجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش وبعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال »إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس». فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة ءالاف فلما حان وقت خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله وسلموا عليهم ثم مضى الجيش ونزلوا معان من أرض الشام وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي في مائة ألف منهم. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم. وبعد أن سمع المسلمون بجمع هرقل ومن معه قام عبد الله بن رواحة خطيبا فشجع الناس وقال لهم إنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور أي نصر وإما شهادة فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة ومضوا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة. ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل القوم حتى قتل وكان أخذ اللواء بيمينه فقاتل به حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره فاحتضن الراية حتى قتل رحمه الله وعمره ثلاثة وثلاثون سنة. فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يتردد بعض التردد ثم نزل وأخذ السيف وتقدم وقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم فقالوا أنت، قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد الذي حفظ الجيش من الإبادة. وأطلع الله رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم على ذلك من يومه فصعد المنبر وأمر فنودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس إلى رسول الله فقال »باب خير باب خير باب خير أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا واستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا واستغفر له ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ثم قال رسول الله “اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره» فسمي خالد رضي الله عنه من ذلك اليوم سيف الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق جعفر »إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء». ولما دنا الجيش الإسلامي من دخول المدينة المنورة تلقاهم المسلمون ورسول الله مقبل مع القوم على دابة فقال »خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر» فأتي بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه.

 

صلح الحديبية

   حضر سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم الحديبية فكتب »هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله» فقال المشركون »لا تكتب (رسول الله) فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك» فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي »امحه» فقال علي »ما أنا بالذي أمحوه» لأنه لم يفهم من النبي تحتيم المحو ولو حتم محوه بنفسه لم يجز لعلي تركه ولما أقره النبي على المخالفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم »أرني مكانها» فأراه مكانها فمحاها. ثم كتب علي »محمد بن عبد الله». ومن جملة ما اشترط المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه علينا. قال العلماء وافقهم النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة »محمد بن عبد الله» وترك كتابة »رسول الله» وكذا وافقهم في رد من جاء منهم إلينا دون من ذهب منا إليهم للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح. فالمصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلها ودخول الناس في دين الله أفواجا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين فلما حصل الصلح اختلطوا بالمسلمين وجاؤا إلى المدينة وذهب المسلمون إلى مكة فسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة بجزئياتها ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فبادر قسم منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة.

 

فتـح مكـة

   نقضت قريش شرطا من شروط الحديبية لأنهم أعانوا قبيلة بكر التي دخلت في عهدهم وحمايتهم على خزاعة التي دخلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن قريشا أرسلوا أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليجدد عهد الحديبية لكن لم ينالوا مرادهم. تجهز الرسول صلى الله عليه وسلم للجهاد وبعث إلى من حوله من العرب ثم سار بالجيش وكان يقارب العشرة آلاف مجاهد وذلك في رمضان في السنة الثامنة للهجرة. فلما بلغ الخبر قريشا خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن قبض المسلمون عليهم وأخذوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان. ثم سار الرسول ومن معه، وأرسل خالد بن الوليد بمن معه ليدخل مكة من أعلاها وأمره أن لا يقاتل إلا من قاتله، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم من أسفلها، فاندفع خالد قاصدا رجالا من قريش فقاتلهم وهزمهم. دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة ونادى مناد بأمر الرسول: “من دخل المسجد فهو ءامن ومن دخل دار أبي سفيان فهو ءامن، ومن أغلق عليه بابه فهو ءامن”. وجاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي دخل مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاث مائة وستون نصبا (أي صنم) فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: “جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد“.

 

غزوة حنين

وكانت في شوال سنة ثمان للهجرة، وفيها نصر الله رسوله ومن معه من المؤمنين على المشركين أهل الشرك والباطل وقد كان من أمرها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أقام بمكة عام الفتح نصف شهر لم يزد على ذلك، جاءت هوازن وثقيف فنزلوا “حنين” وهو واد بين مكة والطائف، وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت الرياسة في جميع عسكر المشركين لمالك بن عوف النصري. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبرهم، فأتى وأخبر رسول الله بما شاهد فيهم. فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قصدهم وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين حتى أتى وادي “حنين”. وكانت هوازن قد كمنت في جنبتي الوادي وذلك في غبش الصبح فحملت على المسلمين حملة رجل واحد فانهزم جمهور المسلمين وفر قسم فرارا لم يكن بعيدا، ولم يحصل من جميعهم وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام ونحو ذلك. ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم انهزم وقد قالت الصحابة كلهم: إنه صلى الله عليه وسلم ما انهزم، ولم ينقل أحد قط أنه انهزم صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن. وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ذلك عليه. فقد ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس لم ينهزموا. وكان عليه الصلاة والسلام على بغلته الشهباء واسمها “دلدل” يقودها أبو سفيان بن الحارث والعباس عم النبي. وقد قال العلماء: إن ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد الناس هو النهاية في الشجاعة والثبات ولأنه يكون معتمدا يرجع المسلمون إليه وتطمئن قلوبهم به وبمكانه وإنما فعل هذا عمدا وإلا فقد كانت له صلى الله عليه وسلم أفراس معروفة. فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أيها الناس أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله” وأمر العباس وكان جهير الصوت أن ينادي: “يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين، يا معشر الخزرج”، فلما سمعوا الصوت أجابوا: “لبيك، لبيك” فلما ذهبوا ليرجعوا كان الرجل منهم لا يستطيع أن ينفذ ببعيره لكثرة الأعراب المنهزمين فكان يأخذ سيفه ودرعه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله ويكر راجعا على قدميه إلى رسول الله، حتى إذا اجتمع حواليه صلى الله عليه وسلم مائة رجل أو نحوهم استقبلوا هوازن بالضرب. واشتدت الحرب، وكثر الطعن والجلاد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم (أي مكان جلادهم وعراكهم) فقال: “الآن حمي الوطيس” ونزل عن بغلته وجعل يقول: “أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب” فما رئي من الناس أشد منه، وقد غشيه المشركون، وهذه نهاية الثبات والشجاعة والصبر. وقد أخبرت الصحابة بشجاعته في جميع المواطن وأنهم كانوا يتقون به في الحرب. وقد أراد النبي بقوله: “أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب” تذكيرهم وتنبيههم بأنه لا بد من ظهوره على الأعداء وأن العاقبة له، لتقوى نفوسهم، وأعلمهم أيضا بأنه ثابت ملازم للحرب، وعرفهم موضعه ليرجع إليه الراجعون. وقذف الله عز وجل في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله إذا واجههم وواجهوه صاح بهم صيحة ورمى في وجوههم بالحصا وقال: “شاهت الوجوه، شاهت الوجوه” فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك فلم يملكوا أنفسهم وولوا مدبرين وفي ذلك يقول الله عز وجل ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾.

 

غزوة تبوك

كانت في شهر رجب سنة تسع من الهجرة وهي ءاخر غزواته صلى الله عليه وسلم. سببها أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هرقل والروم جمعوا له جموعا يريدون غزوة في بلاده، وكان ذلك في زمن شدة الحر، ومع ذلك أمر عليه الصلاة والسلام بالتجهيز للغزو وحث الموسرين على تجهيز المعسرين فأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها، وجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بكل ماله، وجاء عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله، وجاء العباس وطلحة بمال كثير، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهن. ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثون ألفا من الناس والخيل عشرة ءالاف فرس. وقد روى العباس بن سهل بن سعد الساعدي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك قال: “أصبح الناس ولا ماء معهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء”. ويستفاد من دروس هذه الغزوة أشياء منها: الصبر على مشاق الجهاد ابتغاء الأجر من الله. ومبادرة العدو قبل أن يدخل أرض المسلمين.

 

       مرض الرسول ووفاته

اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض وذلك في السنة الحادية عشرة للهجرة فاستأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة، ولما تعذر عليه الخروج إلى الصلاة قال: “مروا أبا بكر فليصل بالناس”، ثم خرج متوكئا على علي والفضل حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر فحمد الله وأثنى عليه وخطب بصحابته خطبة طويلة فيها مواعظ. ولما كان يوم الأحد اشتد وجع النبي صلى الله عليه وسلم، ولما دخل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول فارق الرسول الحياة الدنيا بعد أن أدى الأمانة حق أدائها، ودعا الناس إلى الصراط المستقيم وكان قد لاقى من أجل ذلك مشقات جمة، وأهوالا عظيمة فثبت غير مبال إلى أن جاء الحق وزهق الباطل. غسل عليه الصلاة والسلام وكفن في ثلاثة أثواب وصلى عليه المسلمون أفرادا بلا إمام، ثم حفر له لحد في بيت عائشة حيث توفي فدفن هناك. ولا يزال قبره الشريف مقصدا للمسلمين إلى يومنا هذا يتوجهون للصلاة في مسجده ولزيارته عليه الصلاة والسلام وللتبرك به والدعاء عنده رجاء الإجابة.

 

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=no1_H9AI7Aw

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/qasas-5-1

 الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com/