956- سواكه ومشطه والمكحله
|
| كذلك المرءاة والمقراض له
|
والسواك الـمسواك وهو ما يدلك به الأسنان من العيدان([1])، وكان (سواكه) ﷺ من شجر الأراك، وهو أحسن ما يكون منه، وربما كان لرسول الله ﷺ سواك من غير الأراك كجريد النخل.
فائدة: الاستياك مستحب في كل حال إلا أنه يكون في بعض المواضع أشد استحبابا، وهو بعود الأراك أولى منه بغيره، وأغصان الأراك أولى من عروقه، ثم النخل ثم الزيتون ثم ذو الريح الطيب ثم العود الذي لا رائحة له ثم غيره من بقية العيدان وفي معناه الخرقة، فهذه خمس مراتب، ويجري في كل واحد من الخمسة خمس مراتب، فالجملة خمسة وعشرون، لأن أفضل الأراك الـمندى بالماء، ثم الـمندى بماء الورد، ثم الـمندى بالريق، ثم اليابس غير الـمندى، ثم الرطب، وبعضهم يقدم الرطب على اليابس([2]).
وكان له ﷺ مشط (ومشطه) بتثليث الـميم وهو ءالة يسرح بها الشعر، وكان مشطه ﷺ من عاج ليس عاج الفيل. قال نور الدين الحلبي: العاج هو الدبل، وقيل شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، ويقال لعظم عاج أيضا وليس مرادا هنا».
وكان ﷺ يمشط غبا لا كل يوم، أما ما جاء من أنه ﷺ كان الـمشط لا يفارقه في أسفاره أو غيرها فلا يلزم منه أنه ﷺ كان يمتشط كل يوم بل كان ﷺ يستصحبه معه في السفر ليتمشط عند الحاجة، كذا نقله السيوطي عن الولي العراقي([3]).
(و)أما (المكحله) بضم الأول والثالث وهي ءالة الاكتحال فكانت له ﷺ مكحلة يكتحل منها بالإثمد كل ليلة ثلاثة مـتوالية في اليمنى وثلاثة في اليسرى.
قال محمد الزرقاني([4]): «وحكمة التثليث توسطه بين الإقلال والإكثار، وخير الأمور أوساطها، وأيضا فإنه كان يحب الإيتار مع التعدد، وأقل مراتب الأعداد التي فيها الإيتار ثلاثة». وقد حث رسول الله ﷺ الاكتحال بالإثمد وسبق الكلام على ذلك([5]).
(كذلك) كان له ﷺ (المرءاة) التي ينظر فيها، فلم تبد مرءاة قط أحسن ولا أوسم من وجهه الشريف ﷺ. وروى الطبراني في «الأوسط» عن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله ﷺ كان ينظر في الـمرءاة إذا سرح لحيته»، ويقال إن هذه الـمرءاة هذه التي أهداها له الـمقوقس ملك الإسكندرية([6]).
(و)كذلك (المقراض) أي الـمقص كان (له) ﷺ فيما يملكه من الأدوات مقراض من حديد([7])، وكان يقال لهذا الـمقراض «الجامع»، فكان ﷺ يقص به أطراف شاربه ويأخذ به من عرض لحيته وطولها.
957- كان له سرير ٱهده له
|
| أسعد وهو ساج استعمله
|
أما السرير فـ(ـكان له) ﷺ (سرير) قد (أهداه له أسعد) بن زرارة (وهو) أي السرير له قوائم خشبها (ساج) ضرب عظيم من الشجر واحدتها ساجة وجمعها ساجات([8])، كان ينبت قديما بالهند ثم صار يستنبت في غيرها.
وقد (استعمله) أي استعمل أسعد السرير للنبي ﷺ، وهو سرير (موشح) أي محبوك (بالليف) الـمتخذ من سعف([9]) النخيل، وبيان ذلك أن السرير يصنع في الأصل مستطيلا أجوف الوسط ذا قوائم، ثم يرمل أي ينسج الوسط بحبال مفتولة من سعف تتداخل طولا وعرضا كتداخل السدى باللحمة، لكنه لم يكن ﷺ ينام عليه في جميع الأحيان بل ذلك في بعض أوقاته ﷺ، وكان رقاده ﷺ على الرمال أي الليف المنسوج من غير وطاء بينه وبينه، بل ربما وضع على الرمال كساء رقيق أحيانا، فكانت تؤثر خشونة الرمال في جنبه الشريف([10])، وكان تحت رأسه الشريف وسادة من جلد حشوها ليف([11]).
وروى ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مشبك بالبردي([12]) عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه فإذا النبي ﷺ نائم عليه، فلما رءاهما استوى جالسا فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر وعمر وبكيا: يا رسول الله، ما يؤذيك خشونة ما نرى من سريرك وفراشك وهذا كسرى وقيصر على فرش الحرير والديباج؟ فقال ﷺ: «لا تقولا هذا، فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة».
(ثم) إن رسول الله ﷺ حين توفي (وضعا عليه) أي على هذا السرير (لما مات) ﷺ (ثم رفعا) أي حمل (عليه أيضا بعده) ﷺ أبو بكر (الصديق) رضي الله عنه حين مات (كذاك) حمل عليه (أيضا) من بعد أبي بكر (عمر) بن الخطاب (الفاروق) حين ماتا، ثم كان الناس يحملون عليه موتاهم تبركا به([13]).
تتمة: ما روي في الآثار من أن بعض الخلفاء توارث بعض ما كان عند رسول الله ﷺ أو أنهم اشتروا عمامته أو رايته أو نحوه فهو محمول على أن الرسول ﷺ أعطى ذلك في حياته بعض الصحابة ثم حصل التوارث، أما ما كان في ملك الرسول ﷺ قبل وفاته فلا يكون إرثا لأحد بل هو لمصالح الـمسلمين ينتفعون به، وذلك لقوله ﷺ: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث([14])، ما تركناه صدقة» وبذلك احتج الشافعي رضي الله عنه لجعل سهم رسول الله ﷺ للمسلمين لا أنه لأهل البيت خاصة من باب وراثتهم رسول الله ﷺ، وقوله ﷺ: «ما تركناه صدقة» معناه يصرف في مصالح الـمسلمين([15]).
وفي قوله ﷺ: «إنا معاشر الأنبياء» دليل على أن ذلك ليس من خصائصه ﷺ دون بقية الأنبياء بل هو عام في الأنبياء عليهم السلام، أما قول نبي الله زكريا عليه السلام: {يرثني ويرث من آل يعقوب} [مريم:6] وقوله تعالى: {وورث سليمان داوود} [النمل:16] فالمراد ميراث العلم والنبوة والحكمة لا ميراث المال.
([1]) النجم الوهاج في شرح المنهاج، كمال الدين الدميري، (1/197).
([2]) مشارق الأنوار، القاضي عياض البستي، (1/137).
([3]) الشمائل الشريفة، جلال الدين السيوطي، (ص253).
([4]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (5/517).
([5]) ينظر شرح البيتين: (443) و(444).
([6]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/387).
([7]) شرح الـمواهب اللدنية، شهاب الدين الزرقاني، (8/88).
([8]) تاج العروس، محمد مرتضى الزبيدي، (6/49).
([10]) شرح الشفا، الملا علي القاري، (1/670).
([11]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (1/337).
([12]) بفتح الباء وإسكان الراء، نبت شبه الليف. ينظر: شرح الشافية، الرضي الأسترباذي، (1/203).
([13]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/317).
([15]) الشافي في شرح مسند الشافعي، مجد الدين بن الأثير، (4/283).