الثلاثاء فبراير 24, 2026

فصل: في ذكر محجنه وهراوته ومخصرته ﷺ

941- محجنه قدر ذراع يستلم
942- كانت له هراوة بالنقل
943- كانت له مخصرة يختصر

 

 

في حجه الركن به كما علم
كذا عسيب من جريد النخل
بها اسمها العرجون فيما ذكروا

 

 وكان له ﷺ محجن بكسر الـميم وفتح الجيم وهو العصا الـمعوجة الرأس تكون عند الراكب على البعير ليأخذ بها ما سقط له ويحرك بها بعيره([1])، و(محجنه) ﷺ (قدر ذراع) طولا، كان ﷺ (يستلم في حجه) أي حجة الوداع (الركن) أي يومئ بمحجنه إلى الحجر الأسود حتى يصيبه (به) حين يطوف على بعيره ﷺ (كما علم) ذلك من كتب الحديث والسير كحديث البخاري في «الصحيح» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن»، وفي فعله ﷺ ذلك بيان لجواز الطواف على بعير ونحوه وإن كان الطائف مطيقا للمشي.

وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: «معنى طوافه ﷺ على البعير أن يكون بحيث يراه الناس وأن يشاهدوه فيسالوه عن أمر دينهم ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج ﷺ إلى أن يشرف عليهم»([2]).

و(كانت له) ﷺ (هراوة) بكسر الهاء وهي العصا الضخمة كالتي تجعل في عين الفأس والـمعول([3])، وكان ﷺ كثيرا ما يمسك بها عند مشيه، ويعتمد عليه أحيانا، وكانت تغرز له أيضا فيصلي إليها كما سبق في أمر حربته العنزة، وقد عرف أن له ﷺ هراوة (بالنقل) الذي جاءت به كتب السيرة.

تتمة: جاء في بعض الكتب القديمة قبل بعثة النبي ﷺ أن نبي ءاخر الزمان يكون «صاحب هراوة» ذكر بعض أهل السير([4]) أنه لما ولد رسول الله ﷺ وظهرت العلامات العجيبة من ارتجاج إيوان كسرى وانصداع أربع عشرة شرفة منه، وخمود نار فارس التي كان لها ألف عام وغير ذلك، رأى كسرى ملك الفرس واسمه أبرويز([5]) ابن هرمز رؤيا فقصها على كبير قضاة الفرس أو فقيههم موبذان([6])؟ فقال له: هذا حدث يكون في ناحية العرب، فكتب كسرى عند ذلك: من كسرى ملك الـملوك([7]) إلى النعمان بن الـمنذر([8])، أما بعد، فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه الـمنذر برجل يدعى عبد المسيح بن عمرو الغساني، فلما ورد عليه قال له : ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الـملك أو ليسألني عما أحب، فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلمه، فأخبره بالذي وجه إليه فيه فقال له: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له: سطيح، قال: فأته فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح وهو يحتضر، فسأله فقال سطيح: يا عبد الـمسيح، إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات([9])، وكل ما هو ءات ءات، ثم قضى سطيح مكانه، فرجع عبد الـمسيح وأخبر كسرى فقال هذا الأخير: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا يكون أمور وأمور، فمل: منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه.

(كذا) كان له ﷺ من الأدوات التي يعتمد عليها في الـمشي (عسيب) أي عود متخذ (من جريد) أي جذوع (النخل) الـمجرد عن الخوص أي الورق. وقد صح في الحديث أنه ﷺ كان يتوكأ على العسيب في بعض الأحيان.

و(كانت له) ﷺ (مخصرة) أيضا وهي ما يختصره الإنسان بيده أي يمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة([10]) أو قضيب وقد يتوكأ عليه([11])، والتخصر إمساك القضيب باليد([12])، وكأن الماشي يلقي بثقل خاصرته على ما يتوكأ عليه أو أنها عصا تبلغ الخاصرة، فكان رسول الله ﷺ (يختصر بها) أي بمخصرته أي يعتمد عليها في الـمشي في بعض الأحيان([13])، وأحيانا كان يختصر بدون توكؤ كما ثبت ذلك في حديث عند الشيخين وغيرهما عن علي رضي الله عنه قال: «كنا في جنازة([14]) في بقيع الغرقد([15])، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة، فنكس([16]) فجعل ينكت بمخصرته([17])» الحديث، ويقال (اسمها) أي مخصرته ﷺ (العرجون) بضم العين وإسكان الراء (فيما ذكروا) أي أهل السير كالـمحب الطبري([18]) واليعمري([19]) وغيرهما.

تتمة: قال ابن بطال رحمه الله([20]): «من عادة العرب أخذ الـمخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام وفي الـمحافل والخطب، وأنكرت الشعوبية([21]) على خطباء العرب أخذ الـمخصرة والإشارة بها إلى الـمعاني، والشعوبية طائفة تبغض العرب وتذكر مثالبها وتفضل العجم، وفي استعمال النبي ﷺ للمخصرة الحجة البالغة على من أنكرها».

وقد جمع الله تعالى لموسى عليه السلام في عصاه من البراهين العظام ما ءامن به السحرة المعاندون، واتخذها سليمان بن داود عليهما السلام لخطبته وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصا رسول الله ﷺ وعنزته، وكان عليه السلام يخطب بها، وكفى بذلك دليلا على شرف حال العصا، وعلى ذلك الخلفاء والخطباء، قاله ابن الـملقن([22]).

([1]) الـمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أبو العباس القرطبي، (3/380).

([2]) معالم السنن، أبو سليمان الخطابي، (2/192).

([3]) شرح كفاية المتحفظ، محمد بن الطيب الفاسي، (ص600).

([4]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/36).

([5]) بفتح الهمزة وإسكان الباء وفتح الراء وكسر الواو، ومنعناه بالعربية الـمظفر.

([6]) بضم الميم وفتح الباء الموحدة، كذا ضبطه في «سبل الهدى» (1/357) وقال إنه حكي فيها كسر الباء.

([7]) ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك»، و«أخنى» أقبح وأوضع وأذل، فلا يجوز أن يقال عن إنسان يحكم ملوك الأرض «ملك الـملوك».

([8]) هو أحد ملوك الحيرة بالجاهلية تحت حكم الفرس، وكان صاحب إيفاد العرب على كسرى.

([9]) أي: شرفات الإيوان التي سقطت وهي أربع عشرة شرفة.

([10]) خشبة تضرب بها البغال والحمير، قاله في «تاج العروس» (21/547).

([11]) النهاية، مجد الدين بن الأثير، (2/36).

([12]) الغريبين، أبو عبيد الهروي، (2/559).

([13]) إذا عدي «اختصر» فقيل: «اختصر بالعصا» حمل على الاعتماد عليها في الـمشي، فإذا لم يعد فقيل: «اختصر الرجل» حمل على أخذ الـمخصرة باليد أو الاعتماد عليها في الـمشي، أفاده في «التاج» (11/173).

([14]) الرواية بفتح الجيم.

([15]) أي: بقيع المدينة المنورة، والبقيع في الأصل الموضع الذي في شتى ضروب الشجر، وسمي مضافا إلى الغرقد لان كان فيه شجر الغرقد وهو كبار العوسج.

([16]) أي: خفض رأسه.

([17]) أي: يضرب بعصاه في الأرض يؤثر فيها.

([18]) خلاصة سير سيد البشر، محب الدين الطبري، (ص173).

([19]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/387).

([20]) شرح صحيح البخاري، أبو الحسن بن بطال، (6/80).

([21]) بفتح الشين، كذا ضبطه القاضي ابن عطية في تفسيره (5/153).

([22]) التوضيح، ابن الـملقن، (28/647).