816- وقيل بل أرسله لجبله
|
| فقارب الأمر ولكن شغله
|
(وقيل) أي فيما حكاه بعض أهل السير (بل أرسله) أي أرسل رسول الله ﷺ شجاع ابن وهب للحارث – وقد سبق – و(لجبلة) بن الأيهم، فقال شجاع لجبلة: يا جبلة إن قومك نقلوا هذا النبي من داره إلى دارهم([1])، فأووه ومنعوه ونصروه، وإنك على هذا الدين لأنك ملكت الشام وجاورت الروم، ولو جاورت كسرى دنت بدين الفرس([2])، فإن أسلمت أطاعـتك الشام وهابتك الروم، وإن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا وكانت لك الآخرة، وقد كنت استبدلت المساجد بالبيع والأذان بالناقوس، والجمع بالشعانين، وكان ما عند الله خير وأبقى، فقال جبلة: إني والله قد سرني اجتماع قومي لهذا النبي، وقد دعاني قيصر إلى قتال أصحاب هذا النبي يوم مؤتة فأبيت عليه، ولكني لست أرى حقا ولا باطلا، وسأنظر، (فقارب) جبلة (الأمر) أي كاد يسلم (ولكن شغله) عن الـمسارعة في الدخول في الإسلام (الملك) فلم يسلم في حياة النبي ﷺ، (ثم) إنه (في زمان) خلافة (عمرا) بألف الإطلاق (أسلم) جبلة وكتب إلى عمر يخبره بإسلامه ويستأذنه في القدوم عليه، فسر عمر بذلك وأذن له، فخرج جبلة في خمسين ومائتين من أهل بيته حتى إذا قارب المدينة عمد إلى أصحابه فحملهم على الخيل وقلدها بقلائد الذهب والفضة، وألبسها الديباج والحرير، ووضع تاجه على رأسه، فلم تبق امرأة إلا خرجت تنظر إليه وإلى زيه وزينته، فلما دخل على عمر رضي الله عنه رحب به عمر وأدنى مجلسه وأقام بالمدينة مكرما.
ولما خرج عمر رضي الله عنه حاجا خرج جبلة معه، حتى إذا كانوا في الطواف بالبيت وطئ رجل من فزارة أو مزينة إزاره بغير عمد فانحل، فلطم جبلة الرجل لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه، فشكا الرجل ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فاستدعاه عمر وقال له: لم هشمت أنفه؟ فقال: يا أمير المؤمنين تعمد حل إزاري، ولولا حرمة البيت لضربت عنقه بالسيف، فقال له عمر: أما أنت فقد أقررت، إما أن ترضيه وإلا أقدته منك، فقال جبلة فتصنع بي ماذا؟ قال: مثل ما صنعت به، قال: أتقتص له مني سواء وأنا ملك وهذا سوقي؟ فقال له عمر: الإسلام سوى بينكما ولا فضل لك عليه إلا بالتقوى، فتحين جبلة الهروب في بني عمه إلى القسطنطينية (ثم) دخل على هرقل و(ارتد) أي ترك الإسلام ودخل في الكفر – والعياذ بالله – إذ تنصر ثانية، فسر هرقل به وزوجه ابنته وقاسمه ملكه، فلم يزل على ذلك (حتى) مات على الكفر، وأما قول الناظم «حتى كفرا» فهو غير مستقيم – على ما قال الأجهوري – إذ لا يصلح معنى «حتى» في قوله: «ثم ارتد حتى كفرا» فإن «حتى» للغاية والتعليل والاستثناء، وكل واحد منها غير مناسب هنا، ثم قال الأجهوري([3]): «ولا يدفع هذا إلا إذا حمل «كفرا» على أنه مات على الكفر، ولو قال: «ثم ارتد أي قد كفرا» لكان أحسن نظما بل حسنا».
([2]) وليس في ذلك إعذار لجبلة، بل هو بيان لحال جبلة أنه يميل مع من هو فيهم إلى دين الباطل الذي يدينون به.