الخميس فبراير 19, 2026

ذكر بعثه ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن

824- كذاك قد أرسل معاذا وأبا
825- وقال يسرا ولا تعسرا

 

 

موسى إلى مخالف فاقتربا
وبشرا طوعا ولا تنفرا

 

 (كذاك قد أرسل) رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع (معاذا) ابن جبل الخزرجي (وأبا موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنهما (إلى مخالف) من مخالف اليمن، والـمخالف بفتح الميم وكسر اللام جمع مخلاف وهو الإقليم ويسمى الرستاق – بضم الراء – بلغة أهل اليمن، واطلقه الناظم هنا وأراد به الاثنين الكورة والإقليم، (فـ)ـكان بعث رسول الله ﷺ كلا منهما إلى مخلاف و(اقتربا) أي تقاربا إذ كل في مخلاف من خالف اليمن.

أما أبو موسى رضي الله عنه فإنه كان قد أقبل على رسول الله ﷺ ومعه رجلان من الأشعريين قومه، كلاهما يسأل أن يستعمله النبي ﷺ على عمل والنبي ﷺ يستاك، فقال ﷺ: «ما تقول يا أبا موسى؟»، فقال: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في نفسيهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فقال ﷺ: «لن يستعمل على عملنا من يريده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى»، فبعثه رسول الله ﷺ ومعاذا إلى اليمن، كل على مخلافه، فكانت جهة معاذ العليا من اليمن وجهة أبي موسى السفلى، (وقال) لهما رسول الله ﷺ أن ادعوا الناس إلى التوحيد و(يسرا) أي خذا بما فيه التيسير (ولا تعسرا) على الناس بالتشديد عليهم (وبشرا) من التبشير وهو إدخال السرور (طوعا) أي ليكن أمركم طوعا فيما بينكم بأن تطاوعا على الخير ولا تختلفا فيختلف من وراءكما (ولا تنفرا) الناس بترك التبشير، وقد جمع ﷺ لهما في هذه النصيحة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضده مبالغة في البيان.

وكان رسول الله ﷺ قد أكد على معاذ أمر تقديم التوحيد على غيره، فقال له ﷺ: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب([1])، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله([2]) فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس([3])» رواه الشيخان.

فقدما اليمن ونزل كل منهما في قبة على حدة، ثم انطلق كل منهما إلى عمله، وكان كل إذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه، فعملا بوصية رسول الله ﷺ حتى انتشر الإسلام في اليمن بحسن تدبير منهما رضي الله عنهما.

([1]) أي: ينتسبون إلى الإنجيل والتوراة الأصليتين انتسابا وإنما هم نصارى ويهود ليسوا بمسلمين وما في أيديهم هو الإنجيل والتوراة الـمحرفان.

([2]) أي: ءامنوا بالله عز وجل وءامنوا برسوله ﷺ.

([3]) أي: اجتنب خيار مواشيهم أن تأخذها في الزكاة، والكرائم جمع كريمة وهي الشاة الغزيرة اللبن، قاله ابن الـملقن في «التوضيح» (33/182).