828- وعمرا الضمري إلى مسيلمة
|
| فلم يؤب عن كذبه ولزمه
|
(و)أرسل رسول الله ﷺ (عمرا) ابن أمية (الضمري) رضي الله عنه بكتاب (إلى مسيلمة) بن حبيب الحنفي من بني حنيفة المعروف بمسيلمة الكذاب، فجاءه عمرو يدعوه إلى الإسلام ودفع إليه كتاب رسول الله ﷺ إليه، وكان مسيلمة قد ادعى النبوة (فـ)ـلما جاءه كتاب رسول الله ﷺ (لم يؤب) أي لم يرجع (عن كذبه) في دعاه النبوة زورا (ولزمه) أي أقام على كذبه وكتب إيه كتابا إلى رسول الله ﷺ وفيه: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأمر ولقريش نصف الأمر ولكن قريش قوم يعتدون».
فلما جاء الكتاب النبي ﷺ كتب إلى مسيلمة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين»، ثم بعث به ﷺ مع السائب.
و(أرسل) أي بعث رسول الله ﷺ (له) أي لمسيلمة (كتابه) الثاني (مع) بإسكان العين للوزن الـ(ـسائب) بن العوام أخي الزبير رضي الله عنهما، وكان ذلك الإرسال مرة (ثانية) في أواخر سنة عشر من الهجرة أو بعد حجة الوداع([1]) ردا على ما أرسله إليه مسيلمة الكذاب إلا أن عدو الله أبى واستكبر وزاد غيا (فلم يكن بالتائب) أي الراجع عما جاء به من الكفر حتى قتل من قبل وحشي رضي الله عنه في وقعة اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة وعمر مسيلمة وقتها مائة وخمسون سنة([2]).
تتمة: لقد أيد الله عز وجل أنبياءه بالـمعجزات التي هي علامات للناس على صدقهم في دعواهم، وقد أخزى الله عز وجل من ادعى النبوة زورا وكذبا كمسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد والأسود العنسي وفضحهم. ومما جاء من ذلك في أخبار مسيلمة لعنه الله أنه كان يتشبه بالنبي ﷺ بزعمه، فقد بلغه أن رسول الله ﷺ بصق في بئر فغزر ماؤها، فبصق مسيلمة في بئر فغاض ماؤها بالكلية، وتوضأ مسيلمة صورة ثم سقى بوضوئه نخلا فيبست وهلكت، وأتي بولدان يبغي أهلهم بزعمهم البركة منه فجعل مسيلمة يمسح رؤوسهم، فمنهم من قرع([3]) رأسه، ومنهم من لثغ([4]) لسانه، وجاءه رجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما مسيلمة فعمي الرجل بالكلية.
وزعم مسيلمة أنه يوحى إليه بكتاب مثل القرءان ويقرأ على أصحابه ما يزعم أنها ءايات، فمن ذلك قوله: يا ضفدع بنت الضفدعين، نقي كم تنقين، لا الـماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الـماء وذنبك في الطين، ومنها قوله: والـمبذرات زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة([5]) وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل الـمدر، رفيقكم فامنعوه، والـمعتر فآووه، والباغي فناوئوه، وكان يقول: والفيل، وما أدراك ما الفيل، له مشفر([6]) طويل، وذنب أثيل([7])، وما ذاك من خلق ربنا بقليل، ويقول أيضا: والليل الدامس، والذئب الهامس([8])، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس، وقال أيضا: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق([9]) وحشا. فلا يخالج عاقلا شك في ضلالة من هذا سبيله([10]).
([1]) الاكتفا، أبو الربيع الكلاعي، (5/113).
([2]) كنز الدرر وجامع الغرر، أبو بكر بن الدواداري، (3/160).