الخميس مارس 12, 2026

ذكر كتابه ﷺ إلى كسرى

805- وابن حذافة مضى لكسرى

 

 

فمزق الكتاب بغيا نكرا

 

 (و)حمل عبد الله (بن حذافة) السهمي – والتنوين في «حذافة» للضرورة – كتابا من رسول الله ﷺ و(مضى) به (لـ)ـملك فارس (كسرى) بن هرمز وفيه([1]): «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله النبي الأمي إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وءامن بالله ورسوله وشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الإسلام([2])، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول([3]) على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك([4])»، (فـ)ـلما قرئ كتاب رسول الله ﷺ عند كسرى اغتاظ و(مزق الكتاب) الذي جاءه (بغيا نكرا) أي حال كون كسرى معتديا ءاتيا بما هو منكر مستنكر، وطعن الخبيث في النبي ﷺ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «اللهم مزق ملكه».

ثم كتب كسرى إلى باذان – وهو على اليمن – ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين([5]) فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه به وهو أبابوه – وكان كاتبا حاسبا بكتاب ملك فارس – وبعث معه برجل من الفرس هو خرخسرو([6]) وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معه إلى كسرى، وقال لأبابوه: ويلك انظر ما الرجل، وكلمه وائتني بخبره.

فخرج الرجلان حتى قدما الطائف فوجدوا رجالا من مشركي قريش بالطائف فسألوهم عن النبي ﷺ فقالوا: هو بالـمدينة، واستبشر مشركو قريش بهما وفرحوا وقال بعضهم لبعض: أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الـملوك([7]) وكفيتم الرجل، فخرجا حتى قدما إلى الـمدينة على رسول الله ﷺ، فكلمه أبابوه وقال: إن شاهان([8]) شاه([9]) كسرى كتب إلى الـملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الـملوك بكتاب ينفعك ويكف به عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، فأتى رسول الله ﷺ الخبر أن الله عز وجل قد سلط على كسرى ابنة شيرويه فقتله، فلما أعلمهما الرسول بذلك قالا: هل تدري ما تقول؟! نكتب بهذا عنك ونخبر الـملك؟ قال: «نعم أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر([10])»، فخرجا من عنده حتى قدما على باذان وأخبراه الخبر فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى هذا الرجل نبيا كما يقول، ولننظرن ما قد قال فلئن كان ما قال حقا ما فيه كلام أنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا، فلم ينشب باذان إذ قدم عليه كتاب شيرويه فيه: أما بعد: فإني قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان قد استحل من قتل أشرافهم وتجمير بعوثهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الذي كتب إليك كسرى فيه فلا تهيجه حتى يأتيك أمري، فقال باذان: إن هذا الرجل لرسول، ثم أسلم وأسلم من أبناء فارس في ذلك الوقت من كان باليمن.

([1]) دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني، (ص348).

([2]) أي: بدعوته.

([3]) أي: تثبت الحجة.

([4]) ينظر التعليق في رسالة النبي ﷺ إلى قيصر.

([5]) أي: شديدين.

([6]) هو أحد ولاة الفرس على اليمن.

([7]) لا يجوز تسمية سلطان أو ملك أو أمير أو نحوهم بملك الملوك، فالله عز وجل هو ملك الـملوك ومالك الـملك كله، وقد نص الشهاب الرملي في «شرح سنن أبي داود» (19/75) على أن ذلك خاص بالله تعالى ليس لغيره، ومصداق ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح مرفوعا: «أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل تسمى ملك الأملاك».

([8]) بإسكان النون في ءاخره، قاله الحافظ في «الفتح» (10/590).

([9]) «شاهان شاه» معناه ملك الأملاك، ولا يجوز إطلاق ذلك إلا على الله عز وجل كما بينا ءانفا.

([10]) أي: إلى حيث يبلغ الإبل والخيل من الأرض، والمراد إلى أقاصي المعمورة.