809- وأرسل ابن العاص حتى أدى
|
| كتابه إلى ابني الجلندى
|
(و)في سنة ثمان من الهجرة([1]) (أرسل) رسول الله ﷺ عمرو (بن العاص) بكتاب معه إلى عمان، فخرج عمرو إليها (حتى أدى كتابه) أي كتاب النبي (إلى) ملكي عمان جيفر وعبد([2]) (ابني الجلندى) بضم الجيم وفتح اللام مقصور.
وكان عمرو قد عمد إلى عبد ابن الجلندى أولا لأنه كان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فدخل عليه فقال: إني رسول رسول الله محمد إليك وإلى أخيك، فقال عبد: أخي الـمقدم علي بالسن والـملك، وأنا أوصلك به حتى يقرأ كتابك، فما الذي تدعو إليه؟ قال عمرو: أدعوك إلى الله وحده وان تخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة؟ قال عمرو: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ووددت له لو كان ءامن وصدق به، وقد كنت قبل على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، فأخبره عمرو أن النجاشي قد أسلم فقال عبد: فكيف صنع قومه بملكه؟ قال: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة([3])؟ قال: نعم، فقال عبد: انظر يا عمرو ما تقول: إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب، فقال عمرو: وما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، فقال عمرو: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك يا عمرو؟ قال: كان النجاشي يخرج له خراجا، فلما أسلم النجاشي وصدق بمحمد ﷺ قال لا والله ولو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله فقال له أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجا ويدين دينا محدثا؟ فقال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن([4]) بملكي لصنعت كما صنع، فقال عبد: انظر ما تقول يا عمرو، قال: والله صدقتك، فقال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قال: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخي أضن([5]) بملكه من أن يدعه ويصير تابعا، فقال عمرو: إنه إن أسلم ملكه رسول الله ﷺ على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم، قال: إن هذا الخلق حسن، وأخبره عمرو بما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات في الأموال، فلما ذكر عمرو المواشي قال عبد: يا عمرو، يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى في الشجر وترد الـمياه؟ قال: نعم، فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون في هذا.
فمكث عمرو أياما بباب جيفر ينتظر الدخول عليه حتى دعاه فدخل عليه وعنده أخوه عبد، فاخذ أعوان جيفر بضبعيه([6])، فقال جيفر: دعوه، فذهب عمرو ليجلس فأبوا أن يدعوه يجلس، فنظر إلى جيفر فقال جيفر: تكلم بحاجتك، فدفع عمرو إليه كتابا مختوما، ففض جيفر خاتمه وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوكما بدعاية الإسلام([7])، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول([8]) على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوتي على ملككما».
فقرأه حتى انتهى إلى ءاخره ثم دفعه إلى أخيه عبد فقرأه ثم قال جيفر لعمرو: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقال عمرو: اتبعوه، والناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال مبين، وأنت إن لم تسلم اليوم وتتبعه تطؤك الخيل وتبيد خضراءك([9]) فأسلم تسلم ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدا. فلما كان الغد أتاه عمرو فأبى جيفر أن يأذن له في الدخول عليه، فرجع عمرو إلى أخيه عبد وطلب منه أن يوصله إليه، فقال عبد: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ههنا، وإن بلغت خيله ألفيت([10]) قتالا ليس كقتال من لاقى، فقال عمرو: وانا خارج غدا، (فـ)ـلما أيقن عبد بمخرج عمرو خلا بأخيه جيفر و(أسلما وصدقا) برسول الله ﷺ، وأرسلا إلى عمرو فأعلنا إسلامهما، (وخليا ما بين عمرو و)بين (الزكاة) أي مكناه منها ليجمعها، وأعانوه على من خالفه، فأراد الله تعالى بهما خيرا إذ (هديا) إلى الإسلام، وقد أسلم بإسلامهما خلق كثير، ولم يزل عمرو مقيما في عمان إلى وفاة رسول الله ﷺ.
([1]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (2/36).
([2]) بلا إضافة، وقيل: عيد، وقيل: عباد، قاله في «شرح الـمواهب» (4/550).