لما شرد المسلمون ثقيفا في حنين فروا إلى الطائف أصلحوا حصنهم وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وأدخلوا فيه قوت عام لو حصروا وجمعوا حجارة كثيرة، وأعدوا سككا من الحديد وأدخلوا معهم قوما من العرب من عقيل وغيرهم وتهيؤوا للقتال، ثم أمروا بسرحهم([1]) أن يرفع في موضع يأمنون فيه.
وقدم رسول الله ﷺ بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف، فأتى خالد الطائف فنزل ناحية من الحصن، وقامت ثقيف على حصنها بالرجال والسلاح، ودنا خالد في نفر من أصحابه فدار بالحصن من كان متنحيا عنه ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية من الحصن فنادى بأعلى صوته: ينزل إلي بعضكم أكلمه وهو ءامن حتى يرجع، أو اجعلوا لي مثل ما جعلت لكم وأدخل عليكم حصنكم أكلمكم، قالوا: لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل إلينا، وقالوا: يا خالد إن صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا، فقال خالد: فاسمعوا من قولي، نزل رسول الله ﷺ بأهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر وبعث رجلا واحدا إلى فدك([2]) فنزلوا على حكمه، وأنا أحذركم مثل يوم بني قريظة، فقد حصره رسول الله ﷺ أياما ثم نزلوا على حكمه فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد ثم سبى الذرية، ثم دخل مكة فافتتحها، وأوطأ هوازن في جمعها، وأنتم في حصن في ناحية من الأرض لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم، قالوا: لا نفارق ديننا، فرجع خالد إلى منزله.
فعزم رسول الله ﷺ على المسير إلى الطائف بنفسه ولم ينصرف إلى مكة ولا عرج على شيء من قسم غنائم حنين قبل غزو الطائف، فسلك ﷺ طريق الجعرانة إلى الطائف ثم أخذ على قرن([3])، وابتنى في طريقه ذلك مسجدا وصلى فيه. وغاب عن غزوة الطائف كما عن حنين عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة الثقفيان لأنهما كان قد خرجا يتعلمان صناعة الـمنجنيق والدبابات([4]).
ومر رسول الله ﷺ في ناحية فسأل عن اسمها فقيل له: الضيقة، فقال: «بل هي اليسرى»، فخرج منها إلى نخب([5])، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبا من الطائف فأقام عسكره، وأقامت ثقيف على حصنها مائة رام منها، فرموا بالسهام والـمقاليع([6]) من بعد من حصنهم، ودلوا على من استقر تحت الحصن سكك الحديد الـمحماة بالنار يطير منها الشرر، وكان رميهم للمسلمين بالنبل شديدا فقتل من المسلمين اثنا عشر رجلا وأصيب بعضهم بجراح، فارتفع رسول الله ﷺ إلى مكان ومعه من نسائه أم سلمة وزينب وضرب لهما قبتين، وكان ﷺ يصلي بين القبتين طول حصار الطائف كله([7]).
فأقبل خالد بن الوليد ونادى أهل الحصن: من يبارز؟ فلم يخرج إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، فلما عاد الثالثة فنادى عبد ياليل: لا ينزل إليك أحد ولكنا نقيم في حصننا خبأنا فيه ما يصلحنا سنين، فإذا أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن ءاخرنا.
فجعل المسلمون يقاتلونهم بالرمي عليهم وهم يقاتلونهم بالرمي من وراء الحصن ولم يخرج منهم أحد، فقتل جماعة من المسلمين وكثرت الجراحات فيهم من نبل ثقيف، فنادى منادي رسول الله ﷺ: «أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر»، فخرج من الحصن بضعة عشر رجلا من العبيد([8]) أو ثلاثة وعشرون([9]) منهم أبو بكرة نفيع ابن مسروح وكان عبدا مملوكا للحارث بن كلدة، وكني بأبي بكرة لأنه نزل من الحصن في بكرة، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة واغتاظوا على غلمانهم، وأسلم الغلمان فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من الـمسلمين يمونه ويحمله، وأمرهم أن يعلموهم القرءان والسنة، وكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد الأموي.
وشاور رسول الله ﷺ أصحابه فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه: يا رسول الله، أرى أنت نصب الـمنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرض فارس ننصب الـمنجنيقات على الحصون، فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقا بيده ونصبه على حصن الطائف، وهو أول منجنيق رمي به في الإسلام.
وروي عن مكحول رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ نصب الـمنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما، ويقال: قدم به يزيد بن زمعة أو خالد بن سعيد وقدم بدبابتين، ونثر ﷺ حسكا([10]) من عيدان([11]) شقتين حول حصنهم، ودخل المسلمون من تحت الدبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الحصن ليحفروه، فأرسلت ثقيف بسكك الحديد الـمحماة بالنار فحرقت الدبابة، فخرج الـمسلمون من تحتها وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال، فقطع الـمسلمون طائفة من أعنابهم فغاظ ثقيفا ذلك غيظا شديدا، وقام رجل من ثقيف على الحصن فقال: روحوا رعاء الشاء، روحوا جلابيب محمد، أتروننا نبتئس على أحبل([12]) أصبتموها من كرومنا؟ فدعا عليه رسول الله ﷺ، فرماه المسلمون بسهم فوقع في نحره. وحث رسول الله ﷺ جيشه على الرمي بالسهام فقال ﷺ: «من بلغ بسهم في سبيل الله عز وجل فله درجة».
وأمر رسول الله ﷺ عمر أن يؤذن بالرحيل، وقال ﷺ لأصحابه لما ارتحلوا: «قولوا ءايبون، إن شاء الله تائبون عابدون لربنا حامدون». وطلب بعض الصحابة أن يدعو رسول الله ﷺ على ثقيف فقال ﷺ: «اللٰهم اهد ثقيفا»، فقدموا عليه ﷺ في رمضان سنة تسع من الهجرة وأسلموا.
وروى البيهقي([13]) بسنده إلى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك ثم انصرف عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم وفدهم في رمضان فأسلموا، وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس أن المسلمين حاصروا الطائف أربعين ليلة.
وقتل من المسلمين بالطائف اثنا عشر رجلا، ورجع ﷺ إلى المدينة بعد غيبته عنها شهرين وستة عشر يوما([14]).
([2]) قرية بخيبر، وهي ممنوعة من الصرف.
([3]) قرية بينها وبين مكة أحد وخمسون ميلا، وهي ميقات أهل اليمن، بينها وبين الطائف ذات اليمين ستة وثلاثون ميلا، قاله في «معجم البلدان» (4/322).
([4]) جمع دبابة ءالة تتخذ من جلود وخشب يدخل فيها الرجال ويقربونها من الحصن لينقبوه وتقيهم ما يرمون به من فوقهم، قاله ابن الأثير في «النهاية» (2/96)، سميت دبابة لأنها تدفع فتدب.
([5]) بفتح النون وكسر الخاء المعجمة، واد من الطائف على ساعة، قاله في «معجم البلدان» (5/383).
([6]) جمع مقلاع وهو ءالة ترمى بها الحجارة.
([7]) وبنت ثقيف لما أسلمت مسجدا في موضع مصلاه ﷺ.
([8]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (2/23).
([9]) الإشارة، علاء الدين مغلطاي، (ص323).
([10]) نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم، يعمل على مثال شوكه أداة للحرب من حديد أو قصب فيلقى حول العسكر ويسمى باسمه: ينظر: القاموس الـمحيط، الفيروزءابادي، (ص936)، مختصرا.
([11]) أي: النخل الطويل المتجرد من السعف.
([12]) جمع حبلة – بالتحريك وربما سكنت الباء – القضيب من شجر الأعناب، قاله ابن الأثير في «النهاية» (1/334).