أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزو بني قريظة بقية ذي الحجة إلى ءاخر ربيع الآخر، ثم خرج ﷺ في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من غزو بني قريظة في السنة السادسة من الهجرة ومقصوده (لحيان) أي بنو لحيان من هذيل – ولحيان بفتح اللام وكسرها لغتان – وهم الذي قتلوا بعثه العشرة إلى الرجيع([1])، وكان خروجه ﷺ في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا طلبا للثأر لأصحابه المغدور بهم بالرجيع.
وعسكر رسول الله ﷺ وأصحابه من ناحية الجرف([2]) في أول نهاره وأظهر أنه يريد الشام، ثم أسرع السير إلى حيث كان مصاب أهل الرجيع – عاصم بن ثابت وأصحابه رضي الله عنهم – بين أمج([3]) وعسفان ببطن غران([4])، فكان بنو لحيان قد هربوا إلى رؤوس الجبال، فأقام ﷺ وأصحابه يوما أو يومين وبث السرايا فلم يلق من العدو أحدا، فقال ﷺ: «لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة»، فأتى بجيشه عسفان ثم بعث فارسين حتى بلغا كراع الغميم([5]) فرجعوا ولم يلقوا كيدا([6]).
وروي أنه ﷺ بعث أبا بكر رضي الله عنه في عشرة فوارس فبلغ كراع الغميم تخويفا لكفار قريش([7])، فرجعوا ولم يلقوا أحدا.
وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد مغيبه عنها أربع([8]) أو تسع عشرة([9]) ليلة، وكان ﷺ يقول حين وجه راجعا: «ءايبون([10]) تائبون إن شاء الله لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر([11])، وكآبة المنقلب([12])، وسوء المنظر في الأهل والمال([13])».
([1]) منزل لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف، قاله في «معجم البلدان» (3/29).
([2]) بالضم ثم السكون موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، به كانت أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة، وفيه بئر جشم وبئر جمل، قاله في «معجم البلدان» (2/128).
([3]) بفتح أوله وثانيه من نواحي المدينة، قاله في «معجم البلدان» (1/249).
([4]) بضم الغين المعجمة وتخفيف الراء منزل من منازل بني لحيان، قاله في «سبل الهدى» (5/32)، وبين غران وعسفان خمسة أميال.
([5]) موضع بين مكة والمدينة أمام عسفان بثمانية أميال، قاله في «مراصد الاطلاع» (3/1153).
([6]) أي: لم يلقوا أحدا لقتاله.
([7]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/119).
([8]) الـمنتظم، ابن الجوزي، (3/250).
([9]) الإشارة إلى سيرة الـمصطفى، علاء الدين مغلطاي، (ص266).
([10]) أي: من السفر بالسلامة إلى أوطاننا أو راجعون بالخير، وقيل غير ذلك.
([12]) الكآبة تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن، والـمرجع الـمنقلب، وقيل المراد منه الاستعاذة من كل منظر تعقبه الكآبة عند النظر إليه.