(ثم) بعد غزوة الغابة كانت (المريسيع) أي غزوتها، وتسمى غزوة بني الـمصطلق من خزاعة، والـمريسيع([1]) ماء لخزاعة بينه وبين الفرع([2]) نحو يوم([3])، وقد اختلف في وقت وقوعها فذهب ابن سعد إلى أنها كانت سنة خمس([4]) (على القول الأسد) أي الأصح عند ابن سعد، وهو الذي اختاره الناظم تبعا لمغلطاي([5]) في اتباعه ابن سعد في ذلك، وذهب الإمام البخاري إلى أنها كانت سنة ست وهو الذي عليه عامة أهل السير، وروى البخاري في «صحيحه» عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع، لكن تعقبه الحافظ بن حجر العسقلاني بقوله([6]): «وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في «الدلائل» وغيرهم سنة خمس».
وكان رسول الله ﷺ قد استعمل على المدينة أبا ذر الغفاري أو نميلة بن عبد الله الليثي، وكان شعار الـمسلمين: «يا منصور أمت أمت([7])».
واختلف في بدء الأمر في هذه الغزوة، فذهب البخاري في «الصحيح» عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع فكتب إلي: «إن النبي ﷺ أغار على بني الـمصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم» الحديث.
وذهب كثير من أهل السير إلى أن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي سيد بني الـمصطلق جمع لحرب رسول الله ﷺ من قومه ومن العرب جمعا كبيرا، فتهيؤوا ليسيروا إليه، فبلغ خبرهم رسول الله ﷺ فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يتعرف خبرهم فأتاه بخبرهم، فندب رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم خبر عدوهم، فأسرعوا في الخروج وقادوا ثلاثين فرسا منها عشرة للمهاجرين وعشرون للأنصار ولرسول الله ﷺ فرسان هما لزاز([8]) والظرب([9]). وخرج رسول الله ﷺ فأصاب في طريقه عينا([10]) من الـمشركين فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام لكن الـمشرك أبى فأمر رسول الله ﷺ به فضرب عنقه.
وصف رسول الله ﷺ أصحابه وقد تجهز الحارث وجيشه في مقابلهم، ودفع ﷺ راية الـمهاجرين إلى أبي بكر وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ونادى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بني الـمصطلق: قولوا لا إلٰه إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا ورموا بالنبل، ثم حملوا على الـمشركين حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان، فقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، وسبيت النساء والذرية، وغنمت الإبل والشاء، ولم يقتل من الـمسلمين إلا رجل واحد هو هشام بن صبابة أصابه رجل من الأنصار من جماعة عبادة بن الصامت وهو يظن أنه من العدو فقتل هشام خطأ.
وأمر رسول الله ﷺ بالأسرى فكتفوا، واستعمل ﷺ عليهم بريدة بن الحصيب، وأمر بما وجد في رحالهم من متاع وسلاح، فجمع وسيقت النعم والشاء واستعمل عليها شقران مولى رسول الله([11]) ﷺ، وأخرج رسول الله ﷺ الخمس من جميع الـمغنم.
وفرق ﷺ السبي فصار في أيدي الرجال، وقسم الـمتاع والنعم والشاء، وكانت الإبل ألفي بعير وخمسة ءالاف شاة، والسبي مائتين، فصارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس رضي الله عنه أو ابن له، فكاتبها على تسع أواق من ذهب، فبينا النبي ﷺ على الماء إذ دخلت عليه تسأله في كتابتها وقالت: يا رسول الله، إني امرأة مسلمة وتشهدت وانتسبت، وأخبرته بما جرى لها واستعانته في كتابتها، فقال ﷺ: «فهل لك إلى ما هو خير منه؟»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أؤد عنك كتابتك وأتزوجك»، قالت: فلما سمع الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوج جويرية أرسلوا ما في أيدهم من السبي فأعتقوهم وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ، وكان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية.
ولما قدم على النبي ﷺ بالمدينة مقيس بن صبابة([12]) مظهرا للإسلام وطالبا لدية أخيه هشام أمر له ﷺ بالدية، فأخذها مقيس ثم قتل قاتل أخيه وفر إلى مكة كافرا([13]).
579- ثم تليها عمرة الحديبيه
|
| فخيبر فعمرة القضيه
|
([1]) كأنه تصغير الـمرسوع، وهو الذي انسلقت عينه من السهر، قاله ياقوت في «معجم البلدان» (5/118).
([2]) بفتح الفاء والراء أو بضم الفاء وإسكان الراء مشهور، بينه وبين المدينة ثمانية برد.
([3]) وفاء الوفا، أبو الحسن السمهودي، (4/145).
([4]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (2/63).
([5]) الإشارة إلى سيرة الـمصطفى، علاء الدين مغلطاي، (ص256).
([6]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/430).
([7]) والـمخاطب كل واحد من الـمقاتلين، قاله الطيبي في «الكاشف عن حقائق السنن» (8/2704).
([8]) بكسر اللام وتخفيف الزاي.
([9]) بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء.
([11]) أي: خادم رسول الله ﷺ الـمملوك له.
([12]) بضم الصاد الـمهملة كما في «تهذيب الأسماء واللغات» (1/339).
([13]) وهو أحد الذين أمر رسول الله ﷺ بقتلهم عند فـتح مكة.
(ثم تليها) أي تعقب غزوة الـمريسيع (عمرة الحديبية) وتسمى غزوة الحديبية، وقد بوب لها الإمام البخاري في الصحيح بغزوة الحديبية. وكانت في هلال ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بعد أن أقام رسول الله ﷺ بالمدينة رمضان وشوالا من العام.
والسبب في هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ رأى في الـمنام بالمدينة أنه دخل هو وأصحابه الـمسجد الحرام وأخذ مفتاح الكعبة بيده وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم وقصر غيرهم، فأخبر ﷺ أصحابه بذلك ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم هذا، وأخبرهم ﷺ أنه معتمر وأن يتجهزوا للسفر، ثم استنفر ﷺ العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه وهو لا يريد الحرب إلا أنه لا يأمن أن لا تتعرض له قري بحرب أو يصدوه عن البيت الحرام.
وأبطأ على رسول الله ﷺ كثير من الأعراب فاغتسل ﷺ ولبس ثيابه ثم ركب ناقته القصواء([1]) وخرج بمن معه من الـمهاجرين والأنصاريين ومن لحق به من العرب، وقد استخلف ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وانصرف منها يوم الاثنين غرة ذي القعدة للعمرة. وساق معه ﷺ سبعين بدنة منها جمل غنمه من أبي جهل يوم بدر، وجعل ﷺ على الهدي ناجية بن جندب الأسلمي رضي الله عنه، وكن الناس يومئذ سبعمائة فكانت كل بدنة عن عشرة، وفي رواية أن جابرا رضي الله عنه قال: «كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة»، وكان قبل ذلك يحدث أنهم كانوا خمس عشرة مائة، قاله البيهقي في «الدلائل»([2]).
وصلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة وقلد الهدي([3]) وأشعر([4])، وقد تولى ﷺ تقليد البعض بنفسه وأمر ناجية فقلد الباقي، واقتدى به ﷺ من أصحابه من كان معه هدي فقلدوا وأشعروا، وأحرم من ذي الحليفة بالعمرة ولبى، فاقتدى به ﷺ جمهور الصحابة فأحرموا من ذي الحليفة وأحرم بعضهم من الجحفة، وبعث ﷺ من ذي الحليفة بسر بن سفيان الخزاعي عينا له يخبره عن قريش، وقدم ﷺ ناجية الأسلمي مع الهدي وسار هو من خلفه، ثم جعل عباد بن بشر في عشرين راكبا من الـمهاجرين والأنصار طليعة([5])، وكانت معه ﷺ من زوجاته أم سلمة.
ولما بلغ الـمشركين خبر مسيره ﷺ إلى مكة تشاوروا في ذلك حتى استقر رأيهم على أنهم صادوه عن البيت الحرام، فاستعانوا ببعض قبائل العرب وجماعة الأحابيش([6]) فأجابوهم وتجهزوا ثم خرجوا من مكة وعسكروا ببلدح([7])، وجعلوا خالد بن الوليد وعكرمة ابن أبي جهل في مائتي رجل طليعة.
وتابع رسول الله ﷺ مسيره حتى إذا كان بغدير الأشطاط([8]) أو بعسفان([9]) لقيه بسر الخزاعي فأخبره أن قريشا تجهزوا ونزلوا بذي طوى([10]) يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وأن خالد بن الوليد يتقدم في خيل إلى كراع الغميم، وفي رواية البخاري أن بسرا الخزاعي لقي النبي ﷺ بغدير الأشطاط فقال له: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعك، فقال ﷺ: «أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا([11]) كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين([12])، وإلا تركناهم محروبين([13])»، فقال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.، قال: «امضوا على اسم الله».
فسار الـمسلمون حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة([14])، فخذوا ذات اليمين([15])»، فلم يشعر خالد إلا وقد ظهرت قترة([16]) جيش الـمسلمين، فانطلق خالد يركض نذيرا لقريش.
وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بثنية الـمرار([17]) بركت به راحلته القصواء، فقال الناس: خلأت القصواء([18])، فقال ﷺ: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق([19])، ولكن حبسها حابس الفيل([20])»، ثم قال ﷺ: «والذي نفسي بيده([21])، لا يسألوني خطة([22]) يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها».
وشكا الناس إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع ﷺ سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
وأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه لقريش وقال له: «أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارا([23])، وادعهم إلى الإسلام»، وأمره ﷺ أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان بعد ذلك. فانطلق عثمان رضي الله عنه فمر على مقاتلي قريش ببلدح وقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى عبادة الله جل ثناؤه وإلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك.
وبعثت قريش بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه فجاء النبي ﷺ وقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عند مياه الحديبية ومعهم العوذ الـمطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال ﷺ: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة([24])، ويخلوا بيني وبين الناس([25])، فإن أظهر([26]) فإن شاؤوا([27]) أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا([28])، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده([29])، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي([30])، ولينفذن الله أمره([31])»،. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول.
فانطلق بديل حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم عروة ابن مسعود وقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ([32]) فلما بلحوا([33]) علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد اقبلوها ودعوني ءاتيه. قالوا: ائته،. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال ﷺ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت([34]) إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح([35]) أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى([36]) فإني والله لأرى وجوها وأوشابا من الناس([37]) خليقا([38]) أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟! فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده([39]) لولا يد([40]) كانت لك عندي لم أجزك([41]) بها لأجبتك، ثم جعل عروة يكلم النبي ﷺ ويأخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر([42])، فكلما أهوى([43]) عروة بيده إلى لحية النبي([44]) ﷺ ضرب الـمغيرة يده بنعل([45]) السيف وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله، فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر([46])، ألست أسعى في غدرتك([47])؟ يريد بذلك ما كان من أمر الـمغيرة في الجاهلية حين صحب قوما فقتلهم وأخذ أموالهم، فقال النبي ﷺ: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء([48])».
وجعل عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه ثم رجع إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الـملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة([49]) إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره([50])، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه([51])، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقام رجل من بني كنانة([52]) فقال: دعوني ءاتيه،. فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن([53]) فابعثوها([54]) له»،. فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت([55])، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام مكرز([56]) بن حفص منهم. فقال: دعوني ءاتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف علة المسلمين قال النبي ﷺ: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر»، فجاء وجعل يكلم النبي ﷺ ويدعو إلى الصلح والـموادعة([57])، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال النبي: «قد سهل([58]) لكم من أمركم([59])».
ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ وقالوا: ائت محمدا وصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة([60]) أبدا، فلما رأى رسول الله ﷺ سهيلا مقبلا قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل»، فانتهى سهيل إلى رسول الله ﷺ وتكلم فأطال، فبينما الأمر كذلك رمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر فكان تعارك وترام بالنبل والحجارة وصياح من الفريقين، وبلغ المسلمين أن المشركين قد ارتهنوا عثمان بن عفان وجماعة من المسلمين فارتهن الـمسلمون سهيل بن عمرو وجماعته، فدعا رسول الله ﷺ إلى البيعة ونادى مناديه: ألا إن روح القدس([61]) قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة فاخرجوا على اسم الله فبايعوا.
وثار الـمسلمون إذ ظنوا عثمان قد قتل، ونهضوا فبايعوا رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة على الـموت([62])، ووضع النبي ﷺ شماله في يمينه وقال: «هذه عن عثمان» قال الله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها} [الفتح: 18، 19]([63]).
فلما سمع الـمشركون بهذه البيعة خافوا بعثوا عثمان وجماعة من الـمسلمين كانوا احتبسوهم ودعوا إلى الصلح والموادعة – والـمسلمون لهم عالون – فترك الـمسلمون سهيل بن عمرو وجماعته.
وولي عقد الصلح من جهة قريش سهيل، وأمر النبي ﷺ عليا أن يكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللٰهم كما كنت تكتب، فقال ﷺ: «اكتب باسمك اللهم». فقال علي: والله لا أمحاه([64]) أبدا([65])، فقال ﷺ: «فأرنيه([66])»، فأراه علي إياه فمحاه النبي ﷺ بيده، فقال النبي ﷺ: «اكتب باسمك اللٰهم، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله». ثم قال ﷺ لسهيل: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به»،. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة([67]) ولكن ذلك([68]) من العام المقبل، فكتبت.
ثم قال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما([69])؟! فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل([70]) بن سهيل بن عمرو وقد أفلت من قيوده – وكان قد أسلم قديما إلا أن أباه حبسه وقيده وعذبه ومنعه من الهجرة إلى المدينة – فرمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ: «إنا لم نقض الكتاب بعد»،. فقال سهيل: فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي ﷺ: «فأجزه لي([71])»، فقال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل»، فقال سهيل: ما أنا بفاعل، غقال مكرز: بل قد أجزناه لك([72]).
قال الحافظ البيهقي([73]): «ولم يهادنهم على الأبد لأن قتالهم حتى يسلموا فرض عليهم إذا قوي عليهم، وكانت الهدنة بينه وبينهم عشر سنين».
فلما فرغ من قضية الكتاب فقال النبي ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا([74]) ثم احلقوا»، فلم يقم منهم أحد([75])، فلما رأى النبي ذلك دخل على أم سلمة وذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا نبي الله، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فكذلك فعل ﷺ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا.
وروي أن الله تعالى ارسل ريحا حملت شعور الصحابة التي قصت فألقتها في الحرم جبرا لهم في صدهم عن الحرم([76]).
وجاء المدينة أبو بصير – رجل من قريش – وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين فأخذاه وخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة ونزلوا يأكلون من تمر لهم قال أبو بصير لأحدهما: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر قائلا: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فلما أمكنه منه ضربه أبو بصير ففر الآخر.
وجعل لا يسلم من قريش رجل إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمع إليه جماعة مسلمون لا يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، وكان معهم أبو جندل يؤمهم يومئذ وهم نحو ثلاثمائة فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ: نناشدك بالله والرحم أن تضمهم إليك إلى المدينة، فقد ءاذونا، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بصير وجماعته أن يعودوا فيمكثوا بالمدينة، فأنزل الله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} إلى قوله: {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} [الفتح:24 – 26].
وكانت مدة إقامة رسول الله ﷺ بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل: عشرين يوما، ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وأنزل الله عز وجل سورة الفتح فكان في ذلك تسلية للمؤمنين وتذكير لهم بنعم الله عليهم.
تتمة: هادن رسول الله ﷺ العدو عشر سنين لما في ذلك من مصلحة تعود على المسلمين، والعشر السنون هي أقصى مدة للمهادنة عند الإمام الشافعي رضي الله عنه ولا تجوز الزيادة عليها عنده لأنه أقصى ما هادن به النبي الكفار، وقيل: لا يجوز أكثر من ثلاث سنين لأن الصلح لم يبق بينهم أكثر من ذلك إذ نقض الـمشركون العهد في السنة الرابعة من العهد فغزاهم رسول الله ﷺ وكان فتح مكة، وقيل: لا حد لأكثره بل تقدير مدة الصلح يوكل إلى رأي الإمام واقتضاء الحال، وهذا كله إذا كان في الـمسلمين ضعف، أما في حال القوة فيجوز الصلح إلى أربعة أشهر أقصاه لقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2].
([1]) كانت تسمى بذلك ولم تكن مقطوعة الأذن. ينظر: التوضيح، ابن الـملقن، (21/577).
([2]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (4/97).
([3]) تقليد الهدي بقلادة في عنقها هو بأن يجعل فيها من خيوط ونحوها، وتعلق فيها نعل أو قربة أو جلد ونحو ذلك بعراها ليكون ذلك علامة على أنه هدي لله تعالى فيجتنب عما يجتنب غيره من الأذى وغيره، وإن ضل رد، وإن اختلط بغيره تميز، وهو سنة بالاتفاق في الإبل، وأما في الغنم فاستحبه جمهور العلماء ومنعه مالك، وأما في البقر فمستحب اتفاقا. ينظر: العدة، علاء الدين بن العطار، (2/1027).
([4]) الإشعار أن يجرح الهدي في صفحة سنامها اليمنى بحربة أو سكين أو حديدة أو نحوها ثم يسلت الدم عنها، وليس هو من الـمثلة بل كالفصد والحجم، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى، وقال مالك: في اليسرى، وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة الـمشهورة في الإشعار: ينظر: شرح مسلم للنووي، (8/228).
([6]) واحدها أحبوش وهم أربعة: بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث، وبنو عبد مناة بن كنانة، وبنو الـمصطلق من خزاعة، وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمهم.
([7]) واد في ديار بني فرارة عند الجراحية في طريق التنعيم. ينظر: الـمراصد لابن شمائل (1/273).
([8]) الغدير في الأصل مجتمع الماء، وغدير الاشطاط تلقاء الحديبية على ثلاثة أميال من عسفان مما يلي مكة. ينظر: وفاء الوفا، أبو الحسن السمهودي، (4/145).
([9]) الاكتفا، أبو الربيع الكلاعي، (1/464).
([10]) بالضم موضع عند مكة، وقيل: هو بالفتح، وقيل: بالكسر، ومنهم من يضمها، والفتح أشهر، واد بمكة قيل هو الأبطح. ينظر: الـمراصد لابن شمائل (2/894).
([11]) وعند ابن السكن: «باتونا» بشد التاء يعني قاطعونا بإظهار الـمحاربة.
([12]) أي: لم يبق لهم جاسوسا يخبرهم، وذلك كناية عن قتلهم عن ءاخرهم.
([14]) الرواية عند البخاري بالرفع، والطليعة هنا مقدمة الجيش لا عين القوم.
([15]) أي: الطريق التي فيها خالد وأصحابه.
([17]) بضم الميم مهبط الحديبية.
([18]) أي: تصعبت وتمنعـ عن السير.
([20]) أي: منعها عن إتمام السير الذي منع الفيل عن السير لدخول مكة يعني منعها الله تعالى.
([21]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.
([24]) أي: جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها، قاله الحافظ في «الفتح» (5/338).
([25]) أي: من كفار العرب وغيرهم.
([27]) شرط معطوف على الشرط الأول، وجواب الشرطين قوله الآتي: «فعلوا»، قاله البدر العيني في «عمدة القاري» (14/9).
([28]) أي: استراحوا، وهو ﷺ جازم بأن الله تعالى سينصره، قاله الحافظ العسقلاني في «الفتح» (5/338).
([29]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.
([30]) انفراد السالفة في الأصل انفصال الرقبة، ومعناه لأبقين ماضيا في نشر الإسلام على ما أنا عليه من الدعوة حتى أموت.
([31]) أي: في نصر دين الإسلام.
([32]) أي: دعوتهم إلى نصركم، وعكاظ اسم سوق بناحية مكة كانت العرب تجتمع بها في كل سنة.
([36]) أي: وإن تكن الغلبة لقريش عليك.
([37]) الأشواب والأوباش والأوشاب الأخلاط من الناس والرعاع، قاله ابن الأثير في «النهاية» (5/178).
([38]) وفي رواية: «خلقاء» أي: جديرين.
([39]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.
([40]) أي: نعمة وعطية سابقة، وفيه دليل على سعة لغة العرب وإطلاق اليد فيها على غير معنى الجارحة المعهودة من الإنسان وغيره، وبمثل ذلك يفسر ما جاء في القرءان من قوله تعالى: {يداه مبسوطتان} أي: الله عز وجل كريم واسع الكرم جواد، فليس معناه {يداه} أن الله تعالى له يدان بمعنى الأعضاء، وتنزه الله عن أن يكون جسما أو أن يشبه شيئا من المخلوقات.
([42]) وهو شبه قلنسوة من الدرع.
([44]) هو على عادة العرب من تناول الرجل لحية من يكلمه لا سيما عند الـملاطفة.
([45]) هي حديدة تكون في أسفل غمده.
([46]) معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر.
([47]) أي: ألست أسعى في دفع الأذى عن قومك من جهة أهل القتيل ببذل المال صلحا.
([48]) أي: لا ءاخذ أموالهم في حال تأمينهم.
([49]) أي: مج من فمه بصاقة خارجة من الحلق.
([50]) أي: أسرعوا إلى فعل ما يأمره به.
([51]) بفتح الواو هو فضلة الماء الذي توضأ به ما يتقاطر من الماء الذي باشر أعضاء رسول الله الشريفة عند وضوئه ﷺ.
([52]) واسمه الحليس بن علقمة الحارثي سيد الأحابيش، قاله ابن ماكولا في «الإكمال» (2/497).
([53]) أي: لا يعتدون على البدن جمع بدنة وهو ما أهدي من إبل وبقر إلى البيت الحرام.
([55]) تقدم معنى التقليد والإشعار أول القصة.
([56]) بكسر الـميم وفتح الراء.
([57]) أي: الـمصالحة والـمتاركة.
([58]) الرواية بفـتح السين وضم الهاء.
([59]) أي: سهل لكم بعض أمركم، قاله الحافظ السيوطي في «عقود الزبرجد» (2/219).
([61]) أي: جبريل، والقدس الطهارة.
([62]) أي: بايعوه على أن لا يفروا ولو ماتوا في قتال الكفار نصرة لدين الإسلام، والمقصود من ذلك الصبر على قتال الكفرة لإعلاء كلمة الحق وإن أدى بهم ذلك إلى الـموت.
([63]) وتسمى هذه البيعة بيعة الرضوان، وقد سبق الكلام عليها في هذا الكتاب عند «ذكر أحداث السنة السادسة للهجرة».
([65]) لم يرد علي بذلك معارضة النبي ﷺ إلا أنه لم يفهم من كلامه ﷺ التحتيم، قاله الحافظ العسقلاني في «الفتح» (7/503).
([66]) وهو دليل على أن رسول الله ﷺ كان لا يقرأ المكتوب ولا يكتب.
([67]) أي: قهرا، وقال الداودي: مفاجأة.
([69]) جاء في الرواية أن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة غضب وانزعج، وهذا لم يكن منه سخطا على رسول الله ﷺ بل هو من شدة تغيظه على الـمشركين، ولا يليق بمقام عمر رضي الله عنه ولا غيره من صحابة رسول الله ﷺ أن يشكوا في حكمة وحنكة النبي ﷺ، حاشاهم، إنما كان ذلك من شدة تأثرهم مما فعل الكفار بعد توقع الـمسلمين دخول مكة.
([71]) أي: أمض لي فعلي فيه فلا أرده إليك أو استثنيه من القضية.
([72]) قال الحافظ في «الفتح» (5/345): «واختلف العلماء هل يجوز الصلح مع الـمشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم إلى بلاد الـمسلمين أم لا، فقيل: نعم على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير، وقيل: لا وأن الذي وقع في القصة منسوخ وأن ناسخه حديث: «أنا بريء من مسلم بين مشركين» وهو قول الحنفية، وعند الشافعية تفصيل بين العاقل والـمجنون والصبي فلا يردان، وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون الـمسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب، والله أعلم».
([73]) معرفة السنن والآثار، أبو بكر البيهقي، (13/407).
([75]) ليس ذلك إرادة منهم لمخالفة أمر رسول الله ﷺ، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة منها أنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب أو لاعتقادهم أن الأمر الـمطلق لا يقتضي الفور.