الخميس فبراير 19, 2026

الخامسة عشرة: غزوة دومة الجندل

(فـ)ـبعد بدر الموعد كانت (دومة) بالصرف للضرورة أي غزوة دومة الجندل([1])، في السنة الخامسة من الهجرة. ودومة بضم الدال مدينة شمال المدينة المنورة على عشر مراحل منها وبينها وبين دمشق ثمان أو عشر مراحل.

وسبب هذه الغزوة إخبار الناس رسول الله ﷺ أن دنو المسلمين من دومة الجندل مما يفزع قيصر وأن بدومة جمعا كثيرا يظلمون من مر بهم ويريدون أن يدنوا من المدينة، فندب النبي ﷺ الناس([2]) للخروج إليها([3]).

فاستخلف رسول الله ﷺ على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وخرج ﷺ في ألف من أصحابه، فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار ومع النبي ﷺ دليل من بني عذرة يقال له «مذكور» وهو هاد خريت([4])، فلما دنا رسول الله ﷺ من دومة الجندل قال له مذكور: يا رسول الله، إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي حتى أطلع لك، فقال ﷺ: «نعم»، فخرج مذكور وحده يستطلع حتى وجد ءاثار نعم وشاء وهم مغربون([5])، فرجع إلى النبي ﷺ وأخبره بمواضعهم، فسار ﷺ نحوها وأصاب منها ما أصاب.

ولما بلغ الخبر أهل دومة الجندل تفرقوا، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد بها أحدا فأقام بها وأصحابه أياما ثم بث السرايا فعادت كل سرية بإبل ولم تلق أحدا إلا محمد بن مسلمة رضي الله عنه فإنه أخذ رجلا منهم وأتى به النبي ﷺ، فسأل ﷺ الرجل عن أصحابه فقال: هربوا أمس لما سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام أياما حتى أسلم.

ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة في العشرين من ربيع الآخر ووادع([6]) ﷺ في طريقه عيينة بن حصن الفزاري أن يرعى بـ«تغلمين»([7]) وما والاها إلى «الـمراض»([8]) وكانت أرض عيينة قد أجدبت وهذه مخصبة.

([1]) اختلف في سبب تسميتها بذلك، فذهب بعضهم إلى أن الدومة الحصن والجندل الصخر العظيم الصلب الذي بني منه ذلك الحصن، وذهب ءاخرون إلى أنها سميت الدومة نسبة إلى دومى بن إسماعيل عليه السلام.

([2]) أي: دعاهم.

([3]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/202).

([4]) أي: دليل ماهر.

([5]) بضم الميم وفتح الغين وتشديد الراء المكسورة، ضبطه الصالحي في «سبل الهدى» (4/343)، ومعناه: مبتعدون.

([6]) أي: صالح.

([7]) موضع من بلاد بني فزارة، قاله في «معجم ما استعجم» (1/316).

([8]) موضع على طريق الحجاز من ناحية الكوفة، قاله في «معجم البلدان» (5/93).