وبعد غزوة دومة الجندل (فالخندق) أي غزوته (اذكر)ها في الغزوات التي غزاها رسول الله ﷺ (واعدد) حشو كمل به الوزن.
وغزوة الخندق تسمى غزوة الأحزاب وفي شأنها نزل صدر سورة الأحزاب، واختلف في وقتها على أقوال؛ فروى البخاري تعليقا عن ابن عقبة عن الزهري أنها كانت في شوال سنة أربع من الهجرة، واختار ابن إسحاق كونها في شوال سنة خمس، وذهب البيهقي([1]) إلى أنه لا اختلاف بين القولين في الحقيقة، وأن من قال سنة أربع أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس أراد بعد الدخول في الخامسة وقبل انقضائها.
وروي أن شعار المسلمين في هذه الغزوة كان «{حم} لا ينصرون»([2])، وروي أنه كان «يا خيل الله»، وجمع بين الروايتين بعض أهل السير([3]) بأن الأول كان شعار الأنصار والثاني شعار الـمهاجرين.
وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير وساروا إلى خيبر وبها من يهود قوم أهل عدد وقوة وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير، خرج حيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق وهوذة([4]) بن قيس الوائلي وأبو عامر الفاسق([5]) في جماعة إلى مكة فدعوا قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله ﷺ، وهم الذين حزبوا الأحزاب، فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، فنشطت قريش لذلك وتذكروا أحقادهم ببدر فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، ثم أخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها وتحالفوا وتعاقدوا عند الكعبة أن لا يخذل بعضهم بعضا وأن كلمتهم واحدة على محمد ما بقي منهم رجل.
وخرجت يهود إلى بني سليم فوعدوهم الـمسير معهم إذا خرجت قريش. وتجهزت قريش وسيرت تدعو العرب إلى نصرها وألبوا([6]) أحابيشهم([7]) ومن تبعهم وخرجوا في أربعة ءالاف وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة([8]) وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وكان معهم ألف وخمسمائة بعير. ولاقت قريشا بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة رجل وعليهم أبو الأعور السلمي([9])، وخرجت بنو أسد بن خزيمة وعليها طلحة بن خويلد الأسدي([10])، وخرجت بنو فزارة في ألف وعليهم عيينة بن حصن([11])، وخرجت أشجع في أربعمائة وعليها مسعود بن رخيلة([12])، وخرجت بنو مرة في أربعمائة وعليهم الحارث بن عوف الـمري([13]).
وذكر بعض أهل السير أن الذين وافوا الخندق من قريش وسليم وأسد وغطفان عشرة ءالاف([14])، وكان أمرهم يومئذ موكولا إلى أبي سفيان بن حرب.
ولما بلغ رسول الله ﷺ خبر قريش دعا الناس وأخبرهم بذلك وشاورهم في أمرهم أيخرج من المدينة أم يكون فيها ويحارب الأحزاب بها وفي طرقها، فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك وأحبوا الثبات في المدينة، ولم تكن العرب تخندق قبل ذلك.
وروي أن رسول الله ﷺ بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلمي يستطلعون أخبار الكفار يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفت عليهما خيل لأبي سفيان فقاتلا ركبانها حتى قتلا، فأتي بهما رسول الله ﷺ فدفنا في قبر واحد فعرفا بالشهيدين القرينين([15]).
وندب رسول الله ﷺ الناس وأخبرهم بدنو عدوهم ثم عسكرهم إلى سفح جبل سلع، وأعطى ﷺ لواء المهاجرين لزيد بن حارثة ولواء الأنصار لسعد بن عبادة، وبعث ﷺ مسلمة بن أسلم في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير تخوفا على الذراري من بني قريظة إذ نقضوا ما بينهم وبين النبي ﷺ من العهد ولأنهم أرادوا الإغارة على المدينة.
وجعل المسلمون يسرعون للعمل في الخندق، واستعاروا يومها من بني قريظة ءالات كثيرة من مساحي([16]) وكرازين([17]) ومكاتل([18]) للحفر.
وكان الخندق فاصلا بين معسكر الأحزاب والمدينة المنورة ممتدا من شمالي المدينة الشرقي إلى غربيها، كما اختار السمهودي([19])، وضرب النبي ﷺ قبته على القرن الذي في غربي سلع عند مسجد الفتح. وقسم رسول الله ﷺ العمل في حفر الخندق بين الصحابة، فجعل لكل عشرة رجال أربعين ذراعا في الحفر وهم يومئذ ثلاثة ءالاف رجل، وعليه فيكون طول الخندق اثني عشر ألف ذراع([20])، فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب([21]) والأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل بني عبيد.
واختلف في المدة التي تطلبها حفره، فذهب كثير إلى أنها كانت ستة أيام([22])، وقيل: بضعة عشر يوما([23])، وقيل: أربعا وعشرين([24])، وقيل: شهرا([25]).
وحصل للصحابة رضي الله عنهم يومئذ تعب وجوع وكان ذلك في زمن عسرة وعام مجاعة، وقد مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون طعاما حتى ربط النبي ﷺ على بطنه حجرا من الجوع، ولما كان ذلك قال رسول الله ﷺ: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخره، فأصلح للأنصار والمهاجره»، وفي لفظ: «فأصلح الأنصار والـمهاجره»، وفي ءاخر: «فأكرم الأنصار والـمهاجره»، وفي غيرها: «فاغفر للأنصار والـمهاجره»، فأجابوه بقولهم: [الرجز]
نحن الذين بايعوا محمدا | على الجهاد ما بقينا أبدا |
وجعل النبي ﷺ ينقل التراب وقد وارى الغبار جلد بطنه الشريف ويقول: «اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الألى قد بغوا علينا، وإن أرادوا فتنة أبينا»، ومد بها صوته مكررا: «أبينا أبينا».
وصار الواحد منهم إذا نابته حاجة لا بد له منها ذكر ذلك لرسول الله ﷺ واستأذنه في اللحوق بها، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان عليه من عمله رغبة في الخير، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ينقلان التراب في ثيابهما إذا لم يجدا مكاتل إسراعا في إنجاز العمل([26])، وجعل رجال من الـمنافقين يتباطؤون ويظهرون الضعف، وصار الواحد منهم يتسلل إلى أهله من غير استئذان.
واشتد على الصحابة في حفر الخندق صخرة لا تعمل فيها معاولهم، فشكوا ذلك للنبي ﷺ فأخذ الـمعول وضرب فصارت كثيبا أهيل([27])، وتفصيل ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله ﷺ أن نحفر الخندق عرض لنا في بعض الجبل صخرة عظيمة شديدة لا تدخل فيها الـمعول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ فلما رءاها أخذ الـمعول وألقى ثوبه وقال: «باسم الله»، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة»، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا ءاخر فقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر الـمدائن الأبيض»، ثم ضرب الثالثة فقال: «باسم الله»، فقطع بقية الحجر وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء».
وتنافس في سلمان الفارسي الـمهاجرون والأنصار مع أيهم يحفر إذ كان رجلا قويا يعمل عمل عشرة رجال في الخندق فيحفر في كل يوم خمسة أذرع في عمق خمسة([28])، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ: «سلمان منا أهل([29]) البيت».
ولما فرغ رسول الله ﷺ وأصحابه من حفر الخندق أقبلت قريش ومن معها فنزلوا بمجمع الأسيال([30])، فنظروا إلى الخندق فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، وصاروا يتناوبون فيغدو أبو سفيان في أصحابه يوما وخالد بن الوليد يوما وعمرو بن العاص يوما وجبيرة بن وهب يوما وعكرمة بن أبي جهل يوما وضرار بن الخطاب يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويفترقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله ﷺ: أي يقربون منهم ويقدمون رجالهم فيرمون بالنبل والحصى، ومكثوا على ذلك مدة ليس فيها حرب إلا ذلك الرمي.
وأقبل نوفل بن عبد الله بن الـمغيرة على فرس له ليوثبه الخندق فوقع فيه فاندقت عنقه، وقيل: إنه رمي بالحجارة فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي رضي الله عنه فضربه بالسيف فقطعه نصفين، فكبر ذلك على المشركين فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ: إنا نعطيك ديته مائة من الإبل على أن تدفعه إلينا فندفنه، فرد عليهم رسول الله ﷺ: «خذوه فإنه خبيث الدية خبيث الجثة»، وروي فيه غير ذلك.
ثم إن عدو الله حيي بن أخطب سيد بني النضير كان يقول لقريش في مسيره معهم: إن قومي معكم وهم أهل حلقة وافرة، وهم سبعمائة وخمسون مقاتلا، فقال له أبو سفيان: ائت قوم: حتى ينقضوا العهد الذي بينهم وبين محمد، فخرج حيي حتى أتى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة وولي عهدهم الذي عاهدهم عليه رسول الله ﷺ فدق عليه باب حصنه وألح عليه أن يفتح له، فقال كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، ولم يزل حيي بكعب يجادله حتى أعطاه حيي عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يقتلوا محمدا أن يكون معه في حصنه ويصيبه ما أصابه، فعند ذلك نقض كعب العهد وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ ومزق الصحيفة التي كان فيها العقد، وجمع رؤساء قومه وأعلمهم بما صنع من نقض العهد وشق الصحيفة، فأخبر عمر رضي الله عنه رسول الله ﷺ بذلك، فأرسل ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وابن رواحة وخوات بن جبير ينظرون شأن قريظة والنضير، فاستطلعوا ذلك ورجعوا إلى رسول الله ﷺ وأخبروه بأن الأمر كما أخبر عمر رضي الله عنه.
فعظم ذلك على الـمسلمين وظهر النفاق من الـمنافقين حتى قال بعضهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، فأنزل الله تعالى: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب:12].
وبعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن الفزاري والحارث بن عوف في أن يقطعهما ثلث ثمار الـمدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه، فجاءاه مستخفيين من أبي سفيان، فطلبا منه ﷺ النصف فأبى عليهما إلا الثلث فرضيا، فلم يمض رسول الله ﷺ الأمر ولم يقر الصلح في صحيفة حتى بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه فقالا: يا رسول الله، أمرا تحبه فتصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال رسول الله ﷺ: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمر ما»، فما زالا يكلمانه ﷺ حتى قال سعد بن معاذ: والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله ﷺ: «فأنت وذاك»، وقال ﷺ لعيينة والحارث: «ارجعا، بيننا وبينكم السيف» رافعا بذلك صوته.
وأقبلت طائفة من الـمشركين على خيولهم مقتحمين الخندق من مضيق به وفيهم عكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب زوج أم هانئ وضرار بن الخطاب وعمرو بن عبد ود ونوفل بن عبد الله، وكان عمرو بن عبد ود قد بلغ تسعين سنة فقال: من يبارز؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أبارزه، فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار وعممه([31]) وقال: «اللٰهم أعنه عليه»، فبرز علي لعمرو وقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، فقال علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال عمرو: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، فقال علي: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو([32]) عند ذلك واقتحم عن فرسه([33]) فعقره([34]) وضرب وجهه([35])، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي رضي الله عنه([36])، وخرجت خيل الـمشركين منهزمة من الخندق هاربة.
وروي أن ضرار بن الخطاب ولى هاربا ولم يثبت، وأما هبيرة فثبت ثم ألقى درعه وهرب، وقد من الله على ضرار فأسلم فيما بعد وحسن إسلامه.
وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه في حصن بني حارثة يوم الخندق([37]) ومعها أم سعد بن معاذ، فمر سعد وعليه درع له مقلصة([38]) قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يمشي بها وهو يقول: [الرجز]
لا بأس بالموت إذا حان الأجل |
فقالت له أمه: الحق أي بني فقد والله أخرت، فقالت لها عائشة: يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ([41]) مما هي.
وتناوش الـمسلمون والأحزاب بالنبل ساعة ورسول الله ﷺ قائم بسلاحه على فرسه عند قبته، فرمى حبان([42]) بن قيس بن العرقة العامري سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم فقطع منه الأكحل([43])، وكان حين أصابه قال: خذها مني وأنا ابن العرقة، فقال له سعد: «عرق الله وجهك في النار».
وجاء رسول الله ﷺ سعدا فحسم موضع القطع منه بالنار فانتفخت يده فتركه، فنزف الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده، فلما رأى سعد ذلك قال: «اللٰهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم ءاذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللٰهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة».
ثم إن طائفة من الأنصار خرجوا ليدفنوا ميتا منهم بالمدينة فصادفوا عشرين بعيرا لقريش محملة شعيرا وتمرا وتبنا، فأتوا بها رسول الله ﷺ فتوسع بها أهل الخندق.
وكر([44]) خالد بن الوليد بطائفة من الـمشركين يطلب الـمسلمين على غرة فوجد أسيد بن حضير على الخندق في مائتين من الـمسلمين فتقاربوا منهم ساعة من غير التحام، فصار بعد ذلك يعمد المشركون إلى إرسال الطلائع بالليل طمعا في الإغارة على أهل الخندق.
وقام النبي ﷺ في الناس خطيبا فقال: «يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف([45])»، ثم جعل ﷺ يدعو على الأحزاب فيقول: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم»، فقال الـمسلمون: يا رسول الله، هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر([46])، فقال ﷺ: «نعم، اللٰهم استر عوراتنا([47])، وءامن روعاتنا([48])»، فأتاه جبريل عليه السلام فبشره أن الله يرسل عليهم ريحا وجنودا، فأعلم رسول الله ﷺ أصحابه، بذلك وشكر الله عز وجل وأثنى عليه.
ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي كان خرج مع غطفان إلا أن الله تعالى قذف في الاهتداء فأتى رسول الله ﷺ ليلا وأقر بإسلامه عند النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة([49])».
فخرج نعيم رضي الله عنه مخوفا بني قريظة من قتال المسلمين ومذكرا إياهم بما وقع لبني قينقاع وبني النضير من إجلائهم وأخذ أموالهم ومحرضا لهم على قريش، ثم أتى قريشا وفعل نحو ما فعل مع غطفان، فلما كان ليلة السبت أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز([50]) محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسل بنو قريظة إليهم: إن اليوم يوم السبت، وقد علمتم ما نال منا من تعد في السبت، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا سبعين رجلا، فقالت قريش وغطفان: صدق والله نعيم، فوقع في أنفسهم منهم ما كان.
وبعث الله تعالى ريحا عاصفا وهي الصبا([51]) في ليال شديدة البرد، فقلعت الأوتاد وألقت على الـمشركين الأبنية، وأطفأت نيرانهم، وصارت الريح تلقي الرجال على أمتعتهم، وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصى، ولم تجاوز الريح معسكرهم، وصاروا يسمعون في نواحي معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح – وكان ذلك من الـملائكة – فجعل سيد كل حي منهم يقول لقومه: يا بني فلان هلم إلي، وفي ذلك قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} [الأحزاب:9] إلى قوله: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا} [الأحزاب:25]، وقد صح عن رسول الله ﷺ قوله: «نصرت بالصبا».
وجعل الـمنافقون([52]) الـمستخفون بين الـمسلمين يستأذنون في الانصراف ويقولون: «إن بيوتنا عورة» يعنون أنها ذليلة الحيطان وهي في أقصى المدينة ونخاف السرق فائذن لنا، فأذن رسول الله ﷺ لهم، فأنزل الله عز وجل: {ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} [الأحزاب:13].
وبلغ رسول الله ﷺ اختلاف كلمة الـمشركين وما دب في قلوبهم من الرعب والقلق مع شدة الظلمة التي حلت بهم من انطفاء نيرانهم بحيث كان الواحد منهم لا يرى إصبعه إذا مدها، فأمر ﷺ حذيفة بن اليمان أن يذهب فيستطلع خبر الأحزاب وقال له: «لا تحدثن شيئا»، وفي رواية: «لا ترم بسهم ولا حجر ولا تضربن بسيف حتى تأتيني»، فجاءهم حذيفة وهم في ظلمة شديدة فدخل في غمارهم، فوجد نفسه في قريش إذ سمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش ليتعرف كل امرئ منكم جليسه واحذروا الجواسيس والعيون، فأخذ حذيفة بيد جلسه على يمينه وقال له: من أنت؟ فقال: معاوية بن أبي سفيان، وقبض يد من على يساره وقال: من أنت؟ فقال: عمرو بن العاص، وقد بادرهم حذيفة خشية أن يسأله أحد فيكشف أمره، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، والله إنكم لستم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، فقال له عكرمة بن أبي جهل: إنك رأس القوم وقائدهم تذهب وتترك الناس؟! فاستحيي أبو سفيان وأناخ جمله بعدما وثب ليرحل به وحده، ثم قال: ارحلوا، فجعل الناس يرحلون وهو قائم، ووكل إلى عمرو بن العاص وخالد بن الوليد أن يمكثا بإزاء معسكر المسلمين، فمكثا في مائتي فارس وسار جميع العسكر مع أبي سفيان راجعين، فسمعت غطفان بما فعلت قريش فاشتدوا راجعين إلى بلادهم.
فلما انجلى الأحزاب قال رسول الله ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» وكان كما قال الصادق المصدوق ﷺ، فلم ترجع قريش بعدها إلى غزو الـمسلمين، وكان ﷺ يغزو الـمشركين بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة المكرمة، وانصرف النبي ﷺ وأصحابه عن الخندق وقد أقاموا به خمسة عشر يوما([53]) أو عشرين([54])، وقيل غير ذلك.
وقتل من الـمسلمين يوم الخندق سعد بن معاذ([55])، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة([56])، وكعب بن زيد النجاري.
([1]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/395).
([2]) اختلف في المعنى، فذهب كثير من المحدثين إلى أن معناه «بفضل السور الـمفتتحة بـ«حم» ومنزلتها عند الله لا ينصرون، وقال بعضهم: كان الشعار «حم» وأما «لا ينصرون» فكلام مستأنف، وذلك مأخوذ من الحديث المرفوع: «فليكن شعاركم حم لا ينصرون»، فكأنه حين قال: قولوا: «حم»، قيل: ماذا يكون إذا قلناها؟ فقال: لا ينصرون.
([3]) تاريخ الخميس، حسن الديار بكري، (1/485).
([5]) كان يسمى في الجاهلية أبا عامر الراهب لأنه تنصر في الجاهلية وترهب، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، فلما بعث رسول الله ﷺ عاداه أبو عامر، وروي أن رسول الله ﷺ سماه الفاسق لأنه أعان على حرب النبي ﷺ والمسلمين ومات كافرا.
([7]) واحدها أحبوش وهم أربعة: بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث، وبنو الحارث، وبنو عبد مناة بن كنانة، وبنو الـمصطلق من خزاعة، وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم.
([10]) أسلم في السنة التاسعة للهجرة.
([11]) أسلم قبل الفتح، وقيل بعده.
([13]) أسلم وحسن إسلامه واستعمله النبي ﷺ على بني مرة.
([14]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/428).
([15]) كشف الأستار عن زوائد البزار، نور الدين الهيثمي، (2/332).
([16]) جمع مسحاة وهي الـمجرفة.
([17]) جمع كرزن، بفتح الزاي وكسرها، وهي الفأس الكبيرة.
([18]) جمع مكتل وهو الزنبيل أي القفة الكبيرة، وقال الجوهري إنه شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعا.
([19]) هو من أعلى وادي بطحان من الجهة الغربية عند الحرة إلى غربي مصلى العيد ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين اللذين عند غربي الوادي، نقله السمهودي في «وفاء الوفا» (4/70).
([20]) نظم الدرر، برهان الدين البقاعي، (15/297).
([21]) بكسر الذال جبل بالمدينة، نقله ياقوت عن الحازمي في «معجم البلدان» (3/3).
([22]) الإشارة إلى سيرة الـمصطفى، علاء الدين مغلطاي، (ص260).
([23]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/86).
([25]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (4/397).
([26]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/227).
([28]) تاريخ الخميس، حسن الديار بكري، (1/482).
([30]) مكان اجتماع السيول بين الجرف وزغابة – بكسر الزاي وضمها – برومة.
([31]) وفي رواية أنه ألبسه درعه الحديد.
([32]) أي: أخذته الحمية واشتد غضبه.
([34]) أي: عقر فرسه بالسيف لئلا يظفر به الـمسلمون فيقووا به على الـمشركين.
([35]) وهذا يفعله الفارس في الحرب إذا أيقن أنه مغلوب فينزل ويجالد العدو راجلا، قاله الخطابي في «معالم السنن» (2/253).
([36]) ولا يصح ما يروى أنه ﷺ قال: «قتل علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عبادة الثقلين» ولا ما يروى عند الحاكم في «الـمستدرك» بلفظ: «لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة»، بل قال العسقلاني في «إتحاف الـمهرة» (13/331): «هذا خبر موضوع».
([37]) أودع فيه النساء والصبيان لأنه من أحرز حصون المدينة.
([40]) وفي رواية: «يلحق» وفي أخرى «يدرك» بدل «يشهد». وأصل معنى البيت انتظر حتى يتلاحق الشبان، وحمل اسم رجل شجاع كان يستظهر به عند القتال مختلف في تعيينه، والهيجا الحرب تقصر وتمد.
([43]) عرق كبير في وسط الذراع.
([45]) أي: الجهاد في سبيل الله سبب للوصول إلى الجنة.
([46]) هو كناية عن الخوف والقلق، وبيان ذلك أنه إذا انتفخت الرئتان من شدة الفزع ارتفع القلب بارتفاعها، فهو تمثيل لاضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة.
([47]) أي: ما لا نحب أن يظهر عليه منا.
([49]) الأشهر في الرواية فتح الخاء وسكون الدال، ويصح لغة تثليث الدال.
([51]) بفتح الصاد وهي الرياح الشرقية.
([52]) روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي أنهم من بني حارثة.
([53]) الإشارة إلى سيرة الـمصطفى، علاء الدين مغلطاي، (ص260).
([54]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/242).
([55]) لم يمت سعد رضي الله عنه من أثر الرمية في الخندق فورا بل مات من أثرها بعد غزوة بني قريظة.