الخميس فبراير 19, 2026

الثالثة عشرة: غزوة ذات الرقاع

(ثم) يأتي (في العدد) أي التعداد بعد بني النضير من الغزوات (ذات الرقاع) أي غزوتها وتسمى غزوة نجد، وفي سبب تسميتها بذات الرقاع أقوال، منها أنها كانت عند جبل فيه بقع حمر وبيض وسود كأنها رقاع، ومنها أنهم رقعوا راياتهم بها، منها أن شجرة يطلق عليها ذات الرقاع كانت في ذلك الموقع، وأصح الأقوال ـ كما قال الماوردي([1]) – ما رواه البخاري من طريق أبي موسى قال: «خرجنا مع النبي ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه([2]) فنقبت أقدامنا([3])، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا».

وقد خرج رسول الله ﷺ ليلة السبت لعشر خلون منه المحرم من السنة الرابعة في الغزو، والسبب أن رجلا قدم يجلب من نجد إلى المدينة ما يبيعه، فأخبر أن بني أنمار ابن بغيض وبني بن ثعلبة بن ذبيان([4]) من غطفان قد جمعوا لحرب الـمسلمين، فخرج ﷺ في أربعمائة أو سبعمائة أو ثمانمائة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وسار ﷺ من المدينة سالكا طريق الـمضيق([5])، ثم أفضى ﷺ إلى وادي الشقرة([6])، فأقام ﷺ فيها يوما وبث ﷺ السرايا في طريقه، فرجعا منها مع الليل وخبروه أنهم لم يروا أحدا ووطئوا ءاثارا حديثة، فسار رسول الله ﷺ في أصحابه حتى أتى نخلا وأتى محال بني أنمار وبني سعد فلم يجد فيها أحدا إلا نسوة، فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهرب الأعداء إلى رؤوس الجبال وأطلوا على الـمسلمين، فترقب الفريقان ولم يكن التحام بينهما إذ لم يجرؤ جمع المشركين على قتال المسلمين، وقد ألقى الله في قلوب الكافرين الرعب.

 

ومن عجائب ما حصل في هذه الغزوة أنهم لما كانوا في انصرافهم منها أبطأ جمل جابر رضي الله عنه فنخسه([7]) رسول الله ﷺ بعصا فانطلق الجمل متقدما للركاب، فابتاعه حتى أخذه أهل الشام في جملة ما انتهبوه بالمدينة يوم الحرة، وقد روى حادثة جمل جابر الشيخان وغيرهما إلا أنها وقعت طويلة عند البيهقي في «دلائل النبوة»([8]).

وكانت غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة، وبعث جعال([9]) بن سراقة إلى المدينة مبشرا بسلامته ﷺ وسلامة المسلمين.

وقد وقع في هذه الغزوة عجائب كثيرة حتى إنه روي في الطبراني وغيره أنها كانت تسمى غزوة الأعاجيب، فمن ذلك: ظهور بركة الرسول ﷺ في أكل أصحابه من ثلاث بيضات([10]) حتى شبعوا ولم تنقص، وسبق جمل جابر بعد تخلفه، وقصة الأشاءتين أي النخلتين التي ذكرت في باب الـمعجزات.

واختلف هل صلى النبي في هذه الغزوة صلاة الخوف، أقوال يأتي بيانها في الفصل الآتي.

([1]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/196).

([2]) أي: نتناوب ركوبه.

([3]) أي: رقت وتقرضت وتشققت جلودها.

([4]) بكسر الذال وضمها، قال السهيلي «الروض الأنف» (1/39): «والكسر أفصح».

([5]) قرية كبيرة بواد الفرع.

([6]) ضبطها الزرقاني في «شرح المواهب» (2/528) بضم الشين وسكون القاف.

([7]) أي: وكزه.

([8]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/381).

([9]) اختلف في ضبطه ضم الجيم وكسرها، وقيل: جعيل، ينظر: «أسد الغابة» لابن الأثير (1/388)، و«الإكمال» لابن ماكولا (2/106).

([10]) من بيض النعام.