الخميس فبراير 19, 2026

الحادية عشرة: غزوة حمراء الأسد

(فـ)ـعقب غزوة أحد (حمراء الأسد) وهو محل بينه وبين المدينة ثمانية أو عشرة أميال جنوب المدينة عن يسار الطريق ذهابا إلى ذي الحليفة.

وفي خبرها أنه لما كانت وقعة أحد يوم السبت النصف من شوال من السنة الثالثة من الهجرة أذن مؤذن رسول الله ﷺ يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال في طلب قريش وأن لا يخرج إلا من حضر أحدا إرهابا للعدو وليروا أن الذي أصاب المسلمين لم يضعفهم عن عدوهم.

وقيل إن سبب الخروج أنه ﷺ بلغه أن أبا سفيان يريد أن يرجع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا بزعمهم من بقي من أصحاب رسو الله ﷺ وذلك بعد أن قال المشركون لأبي سفيان: لا محمدا قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، بئس ما صنعتم ارجعوا، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب.

ولما قام ﷺ بالتهيئة للخروج جاءه جابر بن عبد الله رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إنما تخلفت عن أحد لأن أبي خلفني على أخوات لي تسع([1]) وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ، لعل الله يرزقني الشهادة فتخلف على أخواتك، فاستخلفت عليهن واستأثر علي بالشهادة، فائذن لي يا رسول الله معك، فأذن له رسول الله ﷺ، فلم يخرج معه ﷺ أحد لم يشهد القتال بأحد غير جابر. واستأذنه رجال لم يحضروا القتال منهم عبد الله بن أبي ابن سلول فأبى عليهم رسول الله ﷺ ذلك.

ثم دعا رسول الله ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل بعد فدفعه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل: دفعه لأبي بكر رضي الله عنه، واستخلف ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم، ثم ركب ﷺ فرسه المسمى بالسكب([2]) ولم يكن مع أصحابه ﷺ فرس سواه، وكان ﷺ عليه درع ومغفر وليس يرى إلا عيناه الشريفتان ﷺ.

وخرج مع رسول الله ﷺ ستمائة وثلاثون إذ كانوا سبعمائة في أحد وقد قتل منهم سبعون، وكان منهم من بهم الجراحات حيث لم يلتفتوا لذلك من بعد ما أمنوا على نفسهم الضرر، وأنزل الله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم* الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 172، 173].

وكان دليل رسول الله ﷺ في السير ثابت بن الضحاك، فلم يزالوا سائرين حتى عسكروا بحمراء الأسد، وكان على حرسه ﷺ تلك الليلة عباد بن بشر مع طائفة.

وأقام المسلمون بذلك المحل ثلاث ليال، وكانوا يوقدون في كل ليلة من تلك الليالي، خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد وتذهب هي وصوت معسكرهم كل جهة، فرعب الكفار بذلك.

وأقام رسول الله ﷺ والمسلمون في حمراء الأسد الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ولقي في حمراء الأسد معبد الخزاعي الـمشرك رسول الله ﷺ فقال: يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في نفسك وما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله تعالى أعلى كعبك وان الـمصيبة كانت لغيرك، ثم مضى معبد حتى كان بالروحاء رءاه أبو سفيان فقال: هذا معبد وعنده الخبر، ما وراءك يا معبد؟ قال: تركت محمدا وأصحابه قد خرجوا لطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه بالأمس من الأوس والخزرج، وتعاهدوا على أن لا يرجعوا حتى يلقوكم فيثأروا منكم، وغضبوا لقومهم غضبا شديدا وندموا على ما فعلوا فيهم من الحنق شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل، فقال: والله أبو سفيان مع نفر يريدون المدينة أن يخبروا رسول الله ﷺ وأصحابه بأن أبا سفيان وأصحابه أجمعوا على الرجعة خائفين، فلما بلغوا رسول الله ﷺ ذلك قال ﷺ: «حسبنا الله ونعم الوكيل، والذي نفسي بيده([3]) لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكان كأمس الذاهب([4])».

وظفر رسول الله ﷺ في حمراء الأسد بأبي عزة الجمحي الشاعر الذي من عليه ﷺ من غير فداء وكان قد أسر ببدر وقد أخذ عليه ﷺ عهدا أن لا يقاتل النبي وأصحابه ولا يكثر عليهم جمعا ولا يظاهر عليهم أحدا، فنقض أبو عزة العهد وخرج مع قريش لأحد وصار يستنفر الناس ويحرضهم على قتاله ﷺ بأشعاره وقد تقدم، فلما جيء به على رسول الله ﷺ قال: يا محمد أقلني وامنن علي ودعني لبناتي وأعطيك عهدا أن لا أعود لمثل ما فعلت، فقال ﷺ: «اضرب عنقه يا زيد» وفي لفظ: «يا عاصم بن ثابت» وفي ثالث: «يا زبير» وقال ﷺ: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين([5])»، فضرب عنق أبي عزة.

ورجع رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وأمر ﷺ بقتل معاوية بن الـمغيرة بن أبي العاص وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه، وذلك أن رسول الله ﷺ كان لما خرج إلى حمراء الأسد أقام معاوية ثلاثا يستعلم أخباره ﷺ ليأتي بها قريشا، فلما كان في اليوم الرابع عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة فخرج معوية هاربا، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة وعمار بن ياسر رضي الله عنهما ليدركوا بمعاوية بن الـمغيرة وفقال: «إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا» فأدركاه فوجداه به فقتلاه.

([1]) وقيل: هن سبع.

([2]) بفتح السين وإسكان الكاف.

([3]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([4]) أي: لقتلوا، ويكنى بأمس الذاهب عن الشيء المعدوم الفاني.

([5]) أي: لا ينبغي للمؤمن ذلك.