الخميس فبراير 19, 2026

الثامنة: غزوة غطفان (ذو أمر)

وبعد غزوة السويق وقعت غزوة (غطفان) بتحريك الطاء (وهي) معروفة بغير ما اسم (فـ)ـهي (ذو أمر) أيضا أي غزوتها، و«أمر» بفتح الهمزة وتحريك الميم وتشديد الراء أفعل من الـمرارة([1]). أما غطفان فقبيلة من مضر نسبة إلى غطفان بن سعد بن قيس ابن عيلان، وذو أمر موضع من ديار غطفان وراء بطن نخل([2])، والأخيرة قرية قريبة من المدينة المنورة على طريق البصرة. وقد انفرد الحاكم في تسميتها «غزوة أنمار» نسبة إلى بني أنمار.

وكانت غزوة غطفان يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول من العام الثالث للهجرة أو في المحرم منها([3])، وفي خبرها أنه بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من ثعلبة ومحارب تجمعوا بذي أمر يريدون الإغارة على رسول الله ﷺ وقد جمع أولئك رجل منهم يدعى دعثور بن الحارث من بني محارب، فندب رسول الله ﷺ المسلمين وخرج في أربعمائة وخمسين رجلا ومعهم أفراس، واستخلف ﷺ على المدينة عثمان رضي الله عنه، فلما خرجوا من المدينة أصابوا بموضع قريب منها يقال له ذو القصة([4]) رجلا م، ثعلبة يدعى حبان، فلما أمسك به قال للنبي ﷺ: لن يلاقوك، لو سمعوا بمسيرك لهربوا في رؤوس الجبال، وأنا سائر معك، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم، فضمه ﷺ إلى بلال رضي الله عنه ليعلمه الشرائع، ولم يلاق رسول الله ﷺ أحدا وأصابه والجيش مطر فنزع ﷺ ثوبيه ونشرهما ليجفا وألقاهما على شجرة واضطجع، لكن دعثورا وبعض أصحابه كانوا في جبال قريبة مشرفة على موضع نزول النبي ﷺ وأصحابه، فتسلل دعثور ومعه سيف حتى قام عند رأس رسول الله ﷺ ثم قال: ومن يمنعك مني اليوم؟ فقال ﷺ: «الله»، فسقط السيف من يد دعثور، وقيل: دفعه جبريل عليه السلام في صدره فوقع من يده([5])، فأخذه رسول الله ﷺ ثم قال له: «من يمنعك مني؟»، قال: لا أحد، أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأن محمدا رسول الله، وعاد إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} الآية [المائدة: 11]، ومكث رسول الله أياما ولم يلق كيدا فعاد إلى المدينة وكانت غيبته ﷺ خمس عشرة ليلة.

التاسعة: غزوة بحران

(فـ)ـبعد غزوة غطفان وقع (غزو) أي غزوة (بحران) بفتح الباء وتضم موضع بناحية الفرع([6]) بينه وبين المدينة ثمانية برد، وتسمى غزوة بني سليم أيضا لأنهم العدو الذي خرج ﷺ وأصحابه في طلبهم بعد أن أقام ﷺ شهر ربيع الأول بالمدينة، وبنو سليم بطن من بطون مضر.

وفي خبرها أنه بلغ رسول الله ﷺ أن ببحران جمع كبير من سليم، فخرج ﷺ في ثلاثمائة لست خلون من جمادى الأولى، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم([7])، ولم يظهر ﷺ وجها للسير بل خرج بثلاثمائة من أصحابه حتى بلغ بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، وكان ﷺ قبل أن يصل إلى ذلك بليلة لقي رجلا من بني سليم أخبره أن القوم تفرقوا، فحبسه ﷺ مع رجل وسار إلى أن وجدهم كذلك فأطلق الرجل وأقام بذلك المحل أياما ثم رجع ﷺ ولم يلق حربا، وكانت غيبته ﷺ والجيش عشر ليال([8]).

([1]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (1/253).

([2]) جمع نخلة، من المدينة على أربعة أميال من طريق البصرة، أما بطن نخلة بغير تنوين فموضع بين مكة والطائف.

([3]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (8/352).

([4]) بفتح القاف موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا وهو طريق الربذة، قاله في «معجم البلدان» (4/366).

([5]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/355).

([6]) بفتح الفاء والراء أو بضم الفاء وإسكان الراء مشهور.

([7]) اختلف في معنى استخلافه على المدينة مع كونه أعمى، فقال الخطابي: إنما ولاه النبي ﷺ الصلاة دون القضايا والأحكام فإن الضرير لا يجوز له أن يقضي بين الناس لأنه لا يدرك الأشخاص ولا يثبت الأعيان ولا يدري لمن يحكم وعلى من يحكم»، وقال ابن العربي: «إنما ذلك لأنه لم يكن في ذلك الزمان خصومات وإنما يقع في النادر أمر يحتاج إلى التسيير»، وقيل غير ذلك.

([8]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (2/291).