الأربعاء يناير 28, 2026

(ذكر حجه) الفرد الذي لم يحج غيره ﷺ (و) ذكر (عمره ﷺ) جمع عمرة

564- قد حج بعد هجرة لطيبة
565- واعتمر النبي بعد الهجرة
566- إلا التي في حجة الوداع

 

 

سنة عشر قط بغير مرية
أربعة والكل في ذي القعدة
قرنها لم تخل من نزاع

 

 (قد) ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ (حج) مرة واحدة ءاخر حياته (بعد هجرة) أي هجرته من مكة (لطيبة) أي المدينة المنورة، وقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم تسميتها بذلك، ففي حديث طويل عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة»، وفي حديث صحيح ءاخر عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى سمى المدينة طابة».

وكان حجه ﷺ في ذي الحجة (سنة عشر) من الهجرة ولم يحج ﷺ غيرها (قط) من قبل أو بعد (بغير مرية) أي بلا شك في ذلك، وهو الذي عليه المحدثون وأهل السير.

كان النبي ﷺ قد أعلم الناس أنه حاج ثم أمر بالخروج معه، فأصاب الناس بالمدينة جدري أو حصبة منعت بعضهم من الحج معه ﷺ، فأعلم رسول الله ﷺ أن عمرة في رمضان تعدل حجة نافلة تخفيفا على من منعه المرض من الخروج معه ﷺ.

ولما خرج ﷺ إلى مكة من المدينة أخذ طريق الشجرة([1])، وذلك يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة عشر نهارا بعد أن صلى الظهر بالمدينة، ثم صلى العصر من ذلك اليوم بذي الحليفة، وطاف ﷺ تلك الليلة على نسائه ثم اغتسل، ثم صلى بها الصبح، وطيبته عائشة رضي الله عنها بيدها، فأحرم ولم يغسل الطيب ثم لبد رأسه الشريف، وقلد قبل الإحرام بدنه نعلين وأشعرها في جانبها الأيمن، وشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها، وكانت هدي تطوع، فساق ﷺ الهدي بنفسه من ذي الحليفة معه راكبا راحلته، وقد أهل حين انبعثت به من عند مسجد ذي الحليفة بالعمرة والحج معا، وذلك قبل الظهر بيسير، وقال ﷺ للناس بذي الحليفة: «من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل».

وكان معه ﷺ جمع كبير من المسلمين، فلبى ﷺ قائلا: «لبيك اللٰهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وقد أتاه جبريل عليه السلام وقال له أن يأمر أصحابه برفع أصواتهم بالتلبية.

واستهل هلال ذي الحجة ليلة الخميس ثامن خروجه من المدينة المنورة، فلما صار والناس بسرف([2]) قال لهم: «من لم يكن منكم معه هدي وأراد أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا»، وأمر ﷺ في بعض طريقه من كان معه هدي أن يهل بالقران الحج والعمرة معا.

ثم نهض ﷺ إلى أن نزل بذي طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون لذي الحجة، فصلى الصبح بها ودخل مكة نهارا من أعلاها من كداء من الثنية العليا صبيحة يوم الأحد، فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالكعبة سبعا، رمل ثلاثا منها ومشى أربعا وهو يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طوفة ولا يمس الركنين الآخرين اللذين في الحجر وقال بينهما: «ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، ثم صلى ﷺ عند مقام إبراهيم عليه السلام ركعتين يقرأ فيهما مع الفاتحة سورة الكافرون وسورة الإخلاص وقد جعل الـمقام بينه وبين الكعبة، ثم قرأ إذا أتى الـمقام: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» [البقرة: 125]، ثم رجع ﷺ إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا فقرأ: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] وقال: «أبدأ بما بدأ الله به»، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل وقال: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، نجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، فطاف بين الصفا والـمروة سبعا راكبا على بعيره، يخب ثلاثا ويمشي أربعا.

فلما أكمل ﷺ الطواف والسعي أمر كل من لا هدي معه بالإحلال قارنا كان أو مفردا، وأن يحلوا الحل كله من وطء وتطيب ولبس مخيط، وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية فيهلوا حينئذ بالحج ويحرموا عند نهوضهم إلى منى، وأمر ﷺ من معه الهدي بالبقاء على إحرامه.

وأقام ﷺ بمكة محرما من أجل هديه يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس، ثم نهض ﷺ بكرة يوم الخميس يوم التروية مع الناس إلى منى، وأحرم في ذلك الوقت بالحج من الأبطح([3]فصلى رسول الله ﷺ الظهر بمنى من يوم الخميس والعصر والمغرب والعشاء وبات بها ليلة الجمعة وصلى بها الصبح من يوم الجمعة ثم نهض بعد طلوع الشمس إلى عرفة بعد أن أمر بأن تضرب له قبة من شعر بنمرة، فأتى ﷺ عرفة ونزل في قبته، حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت([4])، ثم أتى بطن الوادي فخطب على راحلته خطبة الوداع المشهورة، وأشهد الله عز وجل على الناس أنه قد بلغهم ما يلزمه فاعترف الناس بذلك، فأمر ﷺ أن يبلغ ذلك الشاهد الغائب.

وبعثت إليه ﷺ أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن العباس رضي الله عنهم لبنا في قدح فشربه ﷺ أمام الناس وهو على بعيره، فعلموا أنه ﷺ ليس بصائم في يومه ذلك، ولما أتم خطبته أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، لكن صلاها ﷺ بالناس مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد لهما معا وبإقامة لكل صلاة منهما، ثم ركب ﷺ راحلته حتى أتى الموقف فاستقبل القبلة واقفا يدعو، ولم يزل ﷺ واقفا حتى غربت الشمس من يوم الجمعة المذكور وذهبت الصفرة.

ثم أتى ﷺ المزدلفة ليلة السبت العاشر من ذي الحجة، فتوضأ ثم صلى بها المغرب والعشاء مجموعتين في وقت العشاء الآخرة دون خطبة ولكن بأذان واحد لهما معا وبإقامة لكل منهما، ولم يصل بينهما شيئا، ثم اضطجع ﷺ بها حتى طلع الفجر، فقام وصلى الفجر بالناس بمزدلفة يوم السبت، وهو يوم النحر يوم الأضحى، مغلسا([5]) أول انصداع الفجر، فلما صلى عليه السلام الصبح بمزدلفة أتى الـمشعر الحرام بها فاستقبل القبلة، فدعا الله عز وجل وكبر وهلل ووحد.

ولم يزل ﷺ واقفا بها حتى قاربت الشمس على الطلوع، فدفع عليه السلام حينئذ من مزدلفة مردفا الفضل بن عباس خلفه يريد منى، فلما أتى بطن محسر حرك ناقته قليلا وسلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة فرماها من أسفلها بعد طلوع الشمس بحصى التقطها له عبد الله بن عباس من موقفه الذي رمى فيه مثل حصى الخذف، فأمر ﷺ بمثلها ونهى عن أكبر منها وعن الغلو في الدين، فرماها ﷺ وهو على راحلته بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، وحينئذ قطع ﷺ التلبية، ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. وقد رماها ﷺ راكبا وبلال وأسامة أحدهما يمسك بخطام ناقته والآخر يظله بثوبه من الحر.

وخطب رسول الله ﷺ في الناس في هذا اليوم يوم النحر بمنى خطبة خطبها من قبل وهي التي فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض وغير ذلك، ثم انصرف ﷺ إلى الـمنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أمر بنحر ما بقي منها مما كان علي أتى به من اليمن فكانت تمام المائة.

ثم حلق ﷺ رأسه الـمشرف وقسم شعره بين الناس، فأعطى من نصفه الشعرة والشعرتين وأعطى نصفه الثاني كله أبا طلحة الأنصاري، وذلك كله ليتبرك الناس بشعره الشريف ﷺ.

ثم ضحى ﷺ عن نسائه بالبقرة وأهدى عمن كانت اعتمرت منهم بقرة، وضحى هو ﷺ ذلك اليوم بكبشين أملحين، وحلق بعض الصحابة وقصر بعضهم، فدعا ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة، ثم أمر ﷺ أن يؤخذ من البدن التي ذبحت من كل بدنة بضعة، فجعلت في قدر وطبخت، فأكل هو ﷺ وعلي من لحمها وشربا من مرقها، وكان ﷺ قد أشرك عليا فيها ثم أمره بقسمة لحومها وجلودها وجلالها وان لا يعطي الجزار شيئا منها أجرة على جزارتها، فأعطى ﷺ الجزار الأجرة على ذلك من عند نفسه.

وأخبر ﷺ الناس في ذلك اليوم أن عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، وان مزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر، وأن منى كلها منحر، وان فجاج مكة كلها منحر، ثم تطيب ﷺ قبل أن يطوف طواف الإفاضة وقبل أن يحل في يوم السبت يوم النحر، قد طيبته عائشة رضي الله عنها بطيب فيه مسك، ثم نهض ﷺ راكبا إلى مكة يوم السبت فطاف طواف الإفاضة قبل الظهر، وشرب من ماء زمزم بالدلو ثم رجع من يومه إلى منى فصلى بها الظهر أو أنه صلى الظهر ذلك اليوم بمكة، روايتان([6]).

وأقام ﷺ بمنى باقي يوم السبت والأحد والاثنين وليلة الثلاثاء ويومهن وهي أيام التشريق، يرمي الجمار الثلاث كل يوم منها بعد الزوال بسبع حصيات كل يوم لكل جمرة، يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ويقف عند الصغرى والوسطى للدعاء طويلا، وكان ﷺ يكبر مع كل حصاة، وقد خطب ﷺ في الناس أيضا يوم الأحد ثاني أيام النحر، وروي كذلك أنه ﷺ خطبهم أيضا يوم الاثنين.

ونهض ﷺ بعد زوال شمس يوم الثلاثاء، وهو ءاخر أيام التشريق، إلى الـمحصب([7]) فضربت بها قبته، وصلى ﷺ هنالك الظهر والعصر والمغرب والعشاء من ليلة الأربعاء ثم دخل مكة في الليل من ليلة الأربعاء فطاف بالبيت طواف الوداع لم يرمل في شيء منه وذلك سحرا قبل صلاة الصبح، ثم أمر ﷺ بالرحيل ومضى من فوره راجعا إلى المدينة خارجا من مكة من التثنية السفلى، فكانت مدة إقامته ﷺ بمكة منذ دخلها إلى أن وجه راجعا إلى المدينة عشرة أيام.

فلما وصل ﷺ ذا الحليفة بات بها، فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال: «لا إله إلا الله

وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ءايبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دخل ﷺ المدينة نهارا من طريق الـمعرس([8]).

هذا تفصيل صفة حج رسول الله ﷺ، (و)أما عمره فقد (اعتمر النبي) ﷺ عدة عمر ليس منها شيء قبل الهجرة بل كلها (بعد الهجرة) وكانت عدتها (أربعة والكل) أي من عمراته ﷺ كان (في ذي القعدة) على خلف في ذلك (إلا) العمرة (التي) اعتمرها (في) حجته التي لم يحج غيرها وهي المعروفة بـ(ـحجة) بفتح الحاء ويجوز كسرها (الوداع) بفتح الحاء ويجوز كسرها، وسبب تسميتها بذلك لأنه ﷺ ودع الناس فيها ولم يحج بعدها، وسميت كذلك حجة الإسلام لأنه ﷺ لم يحج من المدينة غيرها([9]).

ولا خلاف في أن العمرة الرابعة كانت في ذي الحجة لأنه روي أنه ﷺ (قرنها) أي قرن العمرة بالحج على خلاف في ذلك، فإن صفتها (لم تخل من) وقوع (نزاع) أي خلاف بين العلماء في شأنها هل كانت مقرونة بالحج أو لا، وسواء صح أنه ﷺ حج قارنا أو متمتعا أو مفردا وكانت تلك العمرة في ذي الحجة وثلاثة من عمراته في غيره.

567- أولها سنة ست صدا
568- كانت بها بيعته المرضية
569- سنة سبع بعدها الجعرانة
570- ولم يعد مالك ذي الرابعة
571- بعضهم وحج قبل الهجرة

 

 

فيها عن البيت فحل قصدا
ثم تليها عمرة القضية
عام ثمان واعددن قرانة
وقال حج مفردا وتابعة
ثنتين أو أكثر أو فمرة

 

 أما بالنسبة لترتيب عمراته ﷺ فـ(ـأولها) عمرة الحديبية (سنة ست) من الهجرة حين (صدا) أي صده الـمشركون وقت دخوله (فيها عن) الوصول إلى (البيت) الحرام بمكة (فحل) أي تحلل ﷺ عن العمرة (قصدا) للخروج من الإحرام وذلك بنحر البدن هديا، وحلق ﷺ هو وأصحابه رؤوسهم، ثم قضى نسكه ﷺ فأقام بمكة ثلاث ليال ثم سار حتى قدم المدينة، وقد (كانت بها) أي أوانها (بيعته) أي بيعة الصحابة النبي ﷺ على الـموت والقتال، وهي بيعة الرضوان الـمباركة (الـمرضية) عند الله وعند رسوله، وقد سبق الكلام عليها مفصلا في فصل «ذكر أحداث السنة السادسة للهجرة».

(ثم تليها) أي تعقب عمرة الحديبية من حيث الترتيب الزماني (عمرة القضية) وتسمى عمرة القضاء وعمرة القصاص وذلك (سنة سبع) من الهجرة، فقد دخل ﷺ مكة فأقام بها ثلاثا ثم خرج بعد كمال عمرته ﷺ، وقد سبق الكلام عليها في فصل «ذكر أحداث السنة السابعة للهجرة».

و(بعدها) أي بعد عمرة القضية عمرة (الجعرانة) التي أداها ﷺ (عام ثمان) من الهجرة حين رجع من حنين ثم إلى مكة.

روي أن رسول الله ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون إلى المدينة، فأحرم ﷺ من الـمسجد الذي بحيز الوادي بالعدوة القصوى([10]) ولم يجز الوادي إلا محرما، فلم يزل ﷺ يلبي حتى استلم الركن.

ويروى أيضا أنه لما نظر ﷺ إلى البيت الحرام قطع التلبية، فلما أتى البيت الحرام أناخ راحلته على باب بني شيبة ودخل فطاف ثلاثة أشواط يرمل من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والـمروة على راحلته، حتى إذا انتهى إلى الـمروة في الطواف السابع حلق رأسه عند الـمروة، ثم انصرف ﷺ إلى الجعرانة من ليلته فكان كبائت بها، فلما رجع ﷺ الجعرانة خرج يوم الخميس فسلك في وادي الجعرانة وسلك معه الناس حتى خرج على سرف ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر الظهران([11])، ثم قدم المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة سنة ثمان كما مر.

(واعددن) بنون التوكيد الخفيفة العمرة الرابعة (قرانه) يعني العمرة التي قارنت الحج زمانا، سواء على القول بأنه كان ﷺ متمتعا أو لا، والحاصل أن العمرات كانت أربعة (ولم يعد) بالإدغام – والفك يعدد – الإمام (مالك) ابن أنس رضي الله عنه في «الـموطأ» هـ(ـذي) العمرة (الرابعة) مع العمر، فقد روى عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله ﷺ «لم يعتمر إلا ثلاثا، إحداهن في شوال واثنتين في ذي القعدة» (وقال) في باب «إفراد الحج» حديثا رواه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ أفرد بالحج» أي (حج مفردا) بالحج دون العمرة (و)لكن (تابعه) أي تبع مالكا على ذلك (بعضهم) كالإمام الشافعي رضي الله عنه في أحد قوليه.

واختلف في هذه العمر الثلاثة الـمار ذكرها متى كانت، فروى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ «اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام الـمقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته»، وذهب البغوي([12]) إلى أن كل العمرات كانت في ذي القعدة إلا التي مع حجه ﷺ، وقال ابن حبان في «صحيحه» في قول ابن عمر رضي الله عنهما: «اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر إحداهن في رجب» ما نصه([13]): «أبين البيان أن الخير الـمتقن الفاضل قد ينسى بعض ما يسمع من السنن أو يشهدها، لأن الـمصطفى ﷺ ما اعتمر إلا أربع عمر: الأولى عمرة القضاء سنة القابل من عام الحديبية وكان ذلك في رمضان، ثم العمرة الثانية حيث فتح مكة، وكان فتح مكة في رمضان، ثم خرج منها ﷺ قبل هوازن وكان من أمره ما كان، فلما رجع وبلغ الجعرانة قسم الغنائم بها واعتمر منها إلى مكة وذلك في شوال، واعتمر العمرة الرابعة في حجته وذلك في ذي الحجة سنة عشرة من الهجرة».

(و)أما عدد حجاته ﷺ فواحدة على الصحيح، وقيل: غنه ﷺ (حج قبل الهجرة) إلى المدينة (ثنتين أو) ثلاثا أو (أكثر) من ذلك (أو فـ)ـحج (مرة) وهو الثابت الصحيح.

روى الترمذي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهما قالا: «حج رسول الله ﷺ ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر».

وقال سفيان الثوري: «حج رسول الله ﷺ قبل أن يهاجر حججا»، رواه الحاكم صحح سنده لكن صحة السند لا تؤذن بالقطع في صحة ما قاله سفيان رضي الله عنه. وقول سفيان هو الذي جرى عليه ابن الجوزي والمجد ابن الأثير، كما قال الحافظ العسقلاني، بل وقد أبعد فقال([14]): «بل الذي لا أرتاب فيه أنه ﷺ لم يترك الحج وهو بمكة قط».

572- ولم يصح عدد الحجات

 

 

من قبل هجرة ولا العمرات

 

 (ولم يصح) رواية (عدد الحجات) التي قيل إنه ﷺ حجها (من قبل هجرة) أي هجرته ﷺ إلى المدينة، والصواب كما قاله عدة من أهل الحديث والسير كالسهيلي([15]): «ولا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع»، (ولا) صحت الروايات في (العمرات) أنه فعلها ﷺ قبل مهاجره، أما بعد مهاجره فكما مر.

تتمة: اختلف العلماء في حجه ﷺ هل كان مفردا أو قارنا أو متمتعا، لكن قال الحافظ النووي في ذلك كلاما نفسيا ونصه: «وأما حجة النبي ﷺ فاختلوا فيها هل كان مفردا أم متمتعا أم قارنا، وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة([16])، وكل طائفة رجحت نوعا وادعت أن حجة النبي ﷺ كانت كذلك، والصحيح أنه ﷺ كان أولا مفردا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنا، وقد اختلفت روايات أصحابه رضي الله عنهم في صفة حجة النبي ﷺ حجة الوداع هل كان قارنا أم مفردا أم متمتعا وقد ذكر البخاري ومسلم رواياتهم كذلك، وطريق الجمع بينها ما ذكرت أنه ﷺ كان أولا مفردا ثم صار قارنا، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد ءاخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق الـمتمتع وزيادة في الاقتصار على فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها».

([1]) هي الشجرة التي بذي الحليفة على ستة أميال من المدينة، أو التي ولدت تحتها أسماء بنت عميس.

([2]) بفتح السين وكسر الراء موضع على ستة أو سبعة أميال من مكة شمالا، قاله في «معجم البلدان».

([3]) موضع بين مكة ومنى.

([4]) أي: وضع عليها الرحل.

([5]) الغلس ظلمة ءاخر الليل إذا اختلطت بضوء الصبح.

([6]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/348).

([7]) موضع خارج مكة يقال له الأبطح أيضا.

([8]) بتشديد الراء المفتوحة موضع معروف على ستة أميال من المدينة، كان رسول الله ﷺ يعرس فيه ثم يرحل لغزاة أو غيرها، والتعريس نومة الـمسافر بعد إدلاجه من الليل، فإذا كان وقت السحر نام نومة خفيفة ثم يقوم مع انفجار الصبح لوجهته، قاله في «معجم البلدان» (5/155).

([9]) عمدة القاري، بدر الدين العيني، (18/36).

([10]) العدوة جانب الوادي الأيسر، وكن طرفه الأدنى مما يلي المدينة وطرفه الأقصى مما يلي مكة، وهو الوادي الذي كان عنده غزوة بدر وقد ذكره الله تعالى في كتابه العزيز فقال: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم} [الأنفال: 42].

([11]) قرية على ستة عشر ميلا من مكة مما يلي الشام، سميت بذلك لمرارة مائها لكنه عذب بعد ذلك.

([12]) الأنوار في شمائل النبي المختار، محيي الدين البغوي، (ص493).

([13]) صحيح ابن حبان، أبو حاتم البستي، (9/261).

([14]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (8/107).

([15]) الروض الأنف في شرح السيرة النبوية، أبو القاسم السهيلي، (7/26).

([16]) قال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران، وقال أحمد وءاخرون: أفضلها التمتع، وقال أبو حنيفة وءاخرون: أفضلها القران، وهما قولان ءاخران للشافعي رضي الله عنه، والذي صححه النووي وغيره تفضيل الإفراد ثم التمتع ثم القران.