الأربعاء فبراير 18, 2026

باب فيه (ذكر) بعض (معجزاته ﷺ)

المعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يدي من ادعى النبوة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة، وهي إما حسية أو عقلية، وأكثر الـمعجزات التي ظهرت في بني إسرائيل على أيدي أنبيائهم كانت حسية لكثرة البلادة وقلة البصيرة في بني إسرائيل، وأما أكثر معجزات سيدنا محمد ﷺ فعقلية لفرط ذكاء أهل هذه الأمة في الإجمال، وقال بعضهم: سبب ذلك أنه لما كانت هذه الشريعة باقية على مر الدهور إلى يوم القيامة خصت هذه الأمة بالـمعجزات العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر والأفهام([1]).

وروى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله ءامن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» وقد فسره بعضهم بأن معجزات الأنبياء عليهم السلام انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، وأما معجزة القرءان فمستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالـمغيبات مشاهد، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وقيل: معنى الحديث أن الـمعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، وأما معجزة القرءان فتشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، وأما ما يشاهد بعين البصيرة فباق يشاهده كل من يأتي بعد الأول مستمرا.

معجزة القرءان العظيم

445- أعظمها معجزة القرءان

 

تبقى على تعاقب الأزمان

وأما معجزاته ﷺ فـ(أعظمها) شأنا وأبهرها هي (معجزة القرءان) الكريم، فهو الـمعجزة العظمى التي (تبقى) في الأنام مشاهدة مستمرا وجودها (على) مدى (تعاقب) أي توالي (الأزمان) أي على مر الأيام والليالي إلى أن يأتي الوقت الذي يرفع فيه من الأرض.

انشقاق القمر لإشارته ﷺ

446- كذا انشقاق البدر حتى افترقا

 

بفرقتين رأي عين حققا

(كذا) ظهرت للنبي ﷺ معجزة عجيبة تتحير لها العقول وهي (انشقاق) القمر ليلة (البدر) في جو السماء انفلاقا حقيقيا (حتى افترقا) – والألف للإطلاق – جزءان منه (بفرقتين) أي كان الافتراق انقساما إلى شقين متباعدين مرئيا (رأي عين) للناظرين إليه رأيا (حققا) ولم يكن ذلك وهما ولا تخييلا، وسبق الكلام على هذه الـمعجزة قبل.

زوي الأرض له ﷺ

447- وقد زوى له الإله حقا
448- وقال: ما زواه لي سيـبلغ

 

الأرض مغربا لها وشرقا
إليـه ملك أمتي فبلغوا

 (و) من معجزاته ﷺ أنه (قد زوى له) أي جمع لأجله (الإله) عز وجل (حقا) أي في الواقع (الأرض) كلها فأخبر ﷺ أنه رأى (مغربا لها) أي للأرض (وشرقا، وقال) ﷺ (ما زواه لي) ربي من الأرض (سيبلغ) أي يصل (إليه ملك أمتي، فبلغوا) من الـملك في الأرض ما قاله ﷺ. قال التوربشتي([2]): «يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها، وحاصله أنه طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرءاة نظره».

روى مسلم في «صحيحه» وأبو داود والترمذي في «السنن» عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» الحديث.

حنين جذع النخل إليه ﷺ

449- وحن جذع النخل لما فارقه

 

لمنبر إليه حتى اعتنقه

(و)قد (حن) إليه ﷺ (جذع النخل) وأن أنينا ظاهرا (لما فارقه) أي تركه النبي ﷺ (لـ)ـاتخاذ (منبر) صنع له بإذنه ﷺ في السنة الثامنة للهجرة، وبقي الجذع يحن (إليه) ويصوت (حتى) قام إليه ﷺ و(اعتنقه) فسكت. وقد سبق ذكر قصة اتخاذه ﷺ الـمنبر في فصل «أحداث السنة الثامنة» من الكتاب.

نبع الماء من بين أصابع يده الشريفة ﷺ

450- ونبع الماء فجاش كثرة

 

من بين إصبعيه غير مرة

(و)لما عطش أصحابه ﷺ يوم الحديبية أتي ﷺ بركوة من ماء، فجهش الناس نحوه([3])، فقال جابر للنبي ﷺ: ما مع الناس ماء إلا ما بين يديك يا رسول الله، فلما وضع ﷺ يده الشريفة في الركوة (نبع الماء) فورانا فيها (فجاش) أي فاض ودفق (كثرة) أي بسبب كثرته ووفرته (من بين إصبعيه) أي كل إصبعين من أصابع يده اليمنى الشريفة كأنه ماء العيون، فأصاب الناس من الماء حاجتهم. قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة([4]).

وحصل له ذلك ﷺ (غير مره) فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضؤوا من عند ءاخرهم».

وروى البخاري وابن حبان في «الصحيحين» عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: «حي على الطهور الـمبارك، والبركة من الله»، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.

وروى مسلم في «صحيحه» وبعض أصحاب السنن أن بعض صحابة رسول الله ﷺ كانوا معه في سفر فجعلوا يقولون: يا رسول الله هلكنا، عطشنا، فقال: «لا هلك عليكم([5])»، ثم قال: «أطلقوا لي غمري([6])»، ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا([7]) عليها، فقال رسول الله ﷺ: «أحسنوا الملأ([8]) كلكم سيروى([9])»، ففعلوا. قال أبو قتادة: فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ، ثم صب رسول الله ﷺ فقال لي: «اشرب»، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، قال: «إن ساقي القوم ءاخرهم شربا»([10])، قال: فشربت وشرب رسول الله ﷺ، فأتى الناس الماء جامين رواء([11]).

تسبيح الحصى بكفه ﷺ

451- وسبح الحصى بكفه بحق

 

كذا الطعام عنده به نطق

(و)قد (سبح) الله تعالى (الحصى) تسبيحا (بحق) أي حقيقيا بصوت فصيح مفهوم حين حمله ﷺ (بكفه) الشريفة، وقد جاء في ذلك أثر رواه البزار في «مسنده» والطبراني في «الأوسط» عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «كنت أتبع خلوات رسول الله ﷺ، فذهبت يوما فإذا هو قد خرج، فاتبعته فجلس في موضع فجلست عنده، فجاء أبو بكر فسلم وجلس عن يمين النبي ﷺ، ثم جاء عمر فجلس عن يمين أبي بكر، ثم جاء عثمان فجلس يمين عمر، فتناول النبي ﷺ حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخرسن، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل ثم وضعهن فخرسن».

وفي هذا معجزة له ﷺ وكرامة لأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، أما علي رضي الله عنه فإنه وإن لم يكن حاضرا في هذا المجلس المبارك إلا أن كراماته كثيرة أيضا. وليس الحصى وحده سبح بين يديه ﷺ فـ(ـكذا الطعام) الذي كان (عنده) ﷺ مرة (به) أي بالتسبيح قد (نطق) بذكر فصيح صحيح مسموع للحاضرين.

فقد روى البخاري وابن خزيمة في «الصحاح» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قد كنا نأكل مع رسول الله ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام» الحديث.

تسليم الشجر والحجر عليه ﷺ قبل البعثة وعدها

452- وشجر وحجر قد سلما

 

عليه نطقا……………………

(و)من باهر معجزاته ﷺ تسليم بعض الجمادات عليه، فـ(ـشجر وحجر) بمكة كانا (قد سلما عليه) أي حياه كل منهما بالسلام عليه ﷺ (نطقا) بلفظ فصيح صحيح. روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن»، فكان الحجر يقول: السلام عليك يا رسول الله، أي باعتبار ما يكون فيما بعد البعثة، ونظير ذلك قول عيسى عليه السلام وهو في الـمهد: {آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: 30].

وروى الحاكم في «الـمستدرك» عن علي رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ بمكة، فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله».

 

تكليم ذراع الشاة الـمشوي له ﷺ

452- …………………………..

 

…….. والذراع كلما

 (و)كذلك (الذراع) من الشاة الـمشوية الـمسمومة التي قدمته له اليهودية قد (كلما) بألف الإطلاق أي كلم الذراع النبي ﷺ وأخبره أنه ذراع مسموم، والذراع يذكر ويؤنث، وسبق فصل مفرد لخبر أكله ﷺ من الشاة المسمومة عند قول الناظم: «تعجبه الذراع»([12]).

شكوى البعير حاله له ﷺ

453- وقد شكا له البعير إذ جهد

 

………………………………….

(وقد شكا له) حاله يوما (البعير) أي الجمل يوما (إذ جهد) أي تعب من إجهاد صاحبه له. روى أبو داود في «السنن» عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل، قال: فدخل حائطا لرجل الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه فسكت فقال: «من رب هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟»، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه([13])».

وروى ابن أبي شيبة في «الـمصنف» عن جابر رضي الله عنه قال: سرنا ورسول الله ﷺ بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا، فإذا جمل ناد حتى إذا كان بين السماطين خر ساجدا، فجلس رسول الله ﷺ ثم قال: «علي الناس، من صاحب هذا الجمل؟» فإذا فتية من الأنصار، قالوا: هو لنا يا رسول الله، قال: «فما شأنه؟» قالوا: استنينا عليه منذ عشرين سنة، وكانت به شحيمة فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غلماننا فانفلت منا، قال: «تبيعونه؟» قالوا: لا، بل هو لك يا رسول الله، قال: «إما لا([14]) فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله».

شهادة الذئب له ﷺ بالنبوة

453- ………………………

 

وبالنبوة له الذئب شهد

(وبالنبوة له) أي للنبي ﷺ (الذئب) قد (شهد) بكلام عربي فصيح صحيح مسموع. روى أبو نعيم في «الدلائل» عن أبي سعيد الخدري قال: بينما راع يرعى بالحرة إذ انتهز الذئب شاة فتبعه الراعي فحال بينه وبينها فأقبل الذئب على الراعي فقال: يا راعي ألا تتقي الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي، فقال الراعي: العجب من ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس فقال الذئب: ألا أخبرك بما هو أعجب من هذا؟ هذا رسول الله ﷺ بين الحرتين يدعو الناس إلى أنباء ما قد سبق، فساق الراعي شاءه حتى أتى إلى الـمدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم دخل على رسول الله ﷺ فأخبره بما قال الذئب فقال رسول الله ﷺ: «صدق الراعي، ألا إنه من أشراط الساعة كلام السباع الإنس، والذي نفسي بيده([15]) لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس وحتى يكلم الرجل شراك نعله ويحدثه سوطه ويخبره بما أحدث أهله بعده».

وقد سمى بعضهم([16]) الراعي أهبان بن سنان بن الأكوع وأنه أنشد عقب ذلك: [الوافر]

رعيت الضأن أحميها بنفسي
فلما أن رأيت الذئب يعوي
يبشرني بدين الحق حتى
قصدت إليه قد شمرت ذيلي
ألا أبلغ بني كعب بن عمرو
دعاء الـمصطفى لا شك فيه

 

من اللص الخفي وكل ذيب
يبشرني بأحمد من قريب
تبينت الشريعة للمجيب
عن الساقين قاصده ركيب
وإخوتها خزاعة أن أجيبي
فإنك إن فعلت فلن تخيبي

فكان بعد ذلك من خيار الـمسلمين، وشهد القادسية ومات بالكوفة في خلافة عثمان ابن عفان رضي الله عنه.

انقياد أشاءتين له ﷺ

454- وجاء مرة قضاء الحاجة
455- ومثلـها لكن هما بعدتا
456- تخد الأرض ذي وذي حتى قضى

 

ولم يجد شيئا سوى أشـاءة
أمر كلا منهما فأتتا
حـاجته أمر كلا فمضى

(و)من معجزات رسول الله ﷺ أنه (جاء) أي تنحى وهو مسافر (مرة) ناحية يريد (قضاء الحاجة) مستترا عن الناظرين كعادته (و)لكنه ﷺ (لم يجد شيئا) في تلك الناحية يستره (سوى أشاءة ومثلها) أي وأشاءة أخرى، والأشاءة النخلة الصغيرة، (لكن هما) أي الأشاءتان (بعدتا) أي كل منهما عن الأخرى فـ(ـأمر) ﷺ (كلا منهما) أي الأشاءتين (فأتتا) نحوه (تخد) أي تشق (الأرض) شقا (ذي وذي) أي كل منهما والتقتا عند ﷺ فسترتاه (حتى قضى حاجته) ثم (أمر كلا) منهما أن تعود إلى مكانها (فـ)ـعادتا و(مضى) ﷺ في سفره.

روى ابن ماجه في «السنن» وأحمد في «مسنده» والبيهقي في «الدلائل» واللفظ له عن يعلى بن مرة عن أبيه قال: «سافرت مع رسول الله ﷺ سفرا فرأيت منه أشياء عجبا، نزلنا منزلا فقال: «انطلق إلى هاتين الأشاءتين فقل: إن رسول الله يقول لكما أن تجتمعا»، فانطلقت فقلت لهما ذلك، فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها، فنزلت كل واحدة إلى صاحبتها فالتقتا جميعا، فقضى رسول الله ﷺ حاجته من ورائهما ثم قال: «انطلق فقل لهما فلتعد كل واحدة إلى مكانها»، فأتيتهما فقلت لهما ذلك، فنزلت كل واحدة حتى عادت إلى مكانها» الحديث.

ازدلاف بدنات إليه ﷺ لينحرهن بيده الشريفة

457- وازدلفت إليه ست بدن

 

للنحر كل سابق للطعن

(و)من معجزاته ﷺ أنه (ازدلفت) أي قربت (إليه) يوما (ست بدن) جمع بدنة أي بعير (للنحر) أي من أجل أن يذبحها رسول الله ﷺ بيده الشريفة (كل) منها يسرع إليه ﷺ (سابق للطعن) أي لتكون هي المذبوحة على يده ﷺ.

روى أبو داود في «سننه» وأحمد في «مسنده» عن عبد الله بن قرط أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر([17])»، وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن إليه([18]) بأيتهن يبدأ، الحديث.

رده ﷺ عين قتادة بعد خروجها من مكانها

458- ونـدرت عـيـن قـتـادة فـرد

 

تلك فكانت من صحيحة أحد

(و)كذلك (ندرت) أي سقطت (عين) الصحابي (قتادة) بن النعمان رضي الله عنه من إصابة في وقعة أحد فجاء رسول الله ﷺ (فرد) ﷺ (تلك) العين السائلة على وجنة النعمان إلى مكانها (فـ)ـعادت إلى حالها الأول بل و(كانت من) العين الـ(ـصحيحة) (أحد) أي أقوى بصرا وأحسن عينيه.

روى البيهقي في «الدلائل» والطبراني في «الـمعجم الكبير» قال: أهدي إلى رسول الله ﷺ قوس فدفعها إلي يوم أحد فرميت بها بين يدي رسول الله ﷺ حتى اندقت سيتها([19])، ولم أزل عن مقامي نصب وجه رسول الله ﷺ ألقى السهام بوجهي، كلما مال سهم منها إلى وجه رسول الله ﷺ ميلت رأسي لأقي وجه رسول الله ﷺ من السهام بوجهي، فكان ءاخرها سهما بدرت منه حدقتي على خدي، ولما تفرق الجمع أخذت حدقتي بكفي وسعيت بها في كفي إلى رسول الله ﷺ، فلما رءاها رسول الله ﷺ في كفي دمعت عيناه، فقال: «اللهم إن قتادة قد أوجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا»، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا.

شفاء عين علي بتفلة منه ﷺ

459- وبرئت عين علي إذ تفل

 

فيها لوقته وما عاد حصل

(و)من معجزاته ﷺ أن (برئت) أي شفيت (عين) سيدنا (علي) رضي الله عنها من الرمد وذلك (إذ) أي حين (تفل فيها) أي بصق ﷺ في عين علي وكان شفاؤه من الرمد (لوقته) أي في الحال (وما عاد حصل) لعينه ضر بها بعد ذلك أبدا.

روى ابن حبان في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأدفعن الراية اليوم إلى رجل يحب الله ورسوله»، فتطاول القوم، فقال: «أين علي؟» فقالوا: يشتكي عينه، فدعاه فبزق ﷺ في عين علي ثم دفع إليه الراية ففتح الله عليه.

شفاء رجل ابن عتيك بمسحة منه ﷺ

460- وابن عتيك رجله أصيبت

 

فهي بمسحه سريعا برئت

 (و)كذلك الصحابي الجليل عبد الله (ابن عتيك) الخزرجي الأنصاري كان بعث النبي ﷺ على رجال من الأنصار بعثهم النبي لقتل أبي رافع اليهودي الذي كان يؤذي النبي ويعين عليه، فقتل أبو رافع على يد ابن عتيك لكن (رجله) أي ساق ابن عتيك (أصيبت) وقتها لكنها عادت كما كانت (فهي) أي ساقه (بمسحه) أي مسحة من يد النبي الكريمة (سريعا) عقب الـمسح قد (برئت) أي شفيت وكأنه لم يشتك شيئا قبل.

وروى الخبر بطوله البخاري في «صحيحه» عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس، فهتف به البواب يا عبد الله: إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق([20]) على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده([21])، وكان في علالي([22]) له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم نذروا بي([23]) لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش([24]) فما أغنيت شيئا، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته([25]) ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف([26]) في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة([27]) فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء([28]) فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: «ابسط رجلك»، فبسطت رجلي فمسحها فكأنها لم أشتكها قط.

إخباره عن مصير أبي بن خلف قبل حصوله

461- وقال أقتل أبي بن خلف

 

خدشه خدشا يسيرا فانحتف

(و)من معجزاته ﷺ أنه (قال) وهو بمكة (أقتل أبي بن خلف) إن شاء الله فلما كان يوم أحد قدم فـ(ـخدشه) ﷺ في عنقه (خدشا يسيرا) أي خدشة لطيفة (فانحتف) أي هلك منها أبي بن خلف.

وفي الخبر الذي رواه ابن إسحاق أن أبي بن خلف كان يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول:

يا محمد، إن عندي العوذ فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه، فيقول النبي ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله»، فلما رجع إلى قريش يوم أحد وقد خدشه ﷺ في عنقه خدشا غير كبير احتقن الدم فقال: قتلني والله محمد، فقالوا له مستهزئين به: ذهب والله فؤادك، والله إن([29]) بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف([30]) وهم قافلون([31]) به إلى مكة.

وفي ذلك أنشد حسان بن ثابت رضي الله عنه: [الوافر]

لقد ورث الضلالة عن أبيه
أتيت إليه تحمل رم عظم
وقد قتلت بنو النجار منكم
وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا
وأفلت حارث لما شغلنا

 

أبي يوم بارزه الرسـول
وتوعده وأنت به جهول
أمية إذ يغوث يا عقيـل
أبا جهل لأمهما الهبول([32])
بأسر القوم أسرته فليل([33])

إخباره ﷺ عن مصير أمية بن خلف قبل حصوله

462- كذاكم أمية بن خلف

 

قتل كـافرا ببدر فوفي

(كذاكم) أي وكذلك (أمية بن خلف) الجمحي أخو أبي السابق أخبر النبي ﷺ عنه أنه يموت على يد الصحابة قتلا، وحصل كما أخبر ﷺ، فـ(ـقتل) أمية (كافرا) على يد الـمسلمين (بـ)ـغزوة (بدر) الكبرى (فوفي) الوعد أي نجز ما أخبر به ﷺ.

وخبر دعاء النبي ﷺ على أمية رواه البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن سعد بن معاذ رضي الله عنه أنه كان صديقا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالـمدينة نزل على سعد وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله ﷺ الـمدينة انطلق سعد معتمرا فنزل على أمية بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة ءامنا وقد أويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على الـمدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنهم قاتلوك»، قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعا شديدا، الحديث.

وأما قصة مقتل أمية ففيها أن بلالا الحبشي رضي الله عنه كان عبدا مملوكا لبعض بني جمح، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: «لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول بلال رضي الله عنه وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد، أحد أحد». فلما كان يوم بدر ورأى بلال أمية بن خلف وابنه فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بلال بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. فأحاطوا بأمية وابنه وأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة عالية، فهبروهما([34]) بأسيافهم حتى فرغوا منهما.

إخباره ﷺ عن مصارع الـمشركين يوم بدر قبل وقوعها

463- وعد في بدر لهم مصارعا

 

كل بما سمى له قد صرعا

(و)من معجزاته ﷺ أنه (عد) ما يكون (في) غزوة (بدر لهم) أي لرؤساء الـمشركين (مصارعا) أي مقاتل لكل منهم، فكان (كل) ممن سماه النبي ﷺ من الصناديد (بما سمى له) ﷺ من الـمقتل (قد صرعا) أي قتل.

روى مسلم في «صحيحه» وأبو داود والنسائي في «السنن» – واللفظ لأبي داود – عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ندب أصحابه فانطلقوا إلى بدر، فإذا هم بروايا قريش([35]) فيها عبد أسود لبني الحجاج، فأخذه أصحاب رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه أين أبو سفيان؟ فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف، فإذا قال لهم ذلك ضربوه فيقول: دعوني دعوني أخبركم، فإذا تركوه قال: والله ما لي بأبي سفيان من علم، ولكن هذه قريش قد أقبلت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف قد أقبلوا، والنبي ﷺ يصلي وهو يسمع ذلك، فلما انصرف قال: «والذي نفسي بيده([36]) إنكم لتضربونه إذا صدقكم، وتدعونه إذا كذبكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان»، قال أنس: قال رسول الله ﷺ: «هذا مصرع فلان غدا» ووضع يده على الأرض، «وهذا مصرع فلان غدا» ووضع يده على الأرض، «وهذا مصرع فلان غدا» ووضع يده على الأرض، والذي نفسي بيده ما جاوز أحد منهم عن موضع يد رسول الله ﷺ.

إخباره ﷺ عن قوم يغزون في البحر

464- وقال عن قوم سيركبونا
465- ومنهم أم حـرام ركبت

 

ثبج هذا البحر أي يغزونا
البحر ثم في رجوعهم قضت

(و)من معجزاته ﷺ أنه (قال) أي أخبر (عن قوم) من أصاحبه (سيركبونا) مركبا تسير بهم (ثبج) أي في وسط (هذا البحر) غزاة (أي يغزونا) في سبيل الله (ومنهم) أي هؤلاء الـمخبر عنهم (أم حرام) بنت ملحان خالة النبي ﷺ من الرضاع وهي التي بشرها رسول الله ﷺ بأنها تكون مع الغزاة، والألف في «يغزونا» و«يركبونا» للإطلاق. وكان كما قال ﷺ فـ(ـركبت) أم حرام (البحر) بمركب مع الغزاة من الـمسلمين الذي غزوا قبرس سنة سبع وعشرين من الهجرة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقد نالت أم حرام رضي الله عنها الشهادة وذلك أنها سلمت في ذهابها مع زوجها في الغزاة (ثم) وهي راكبة دابتها على ساحل قبرس (في) أثناء خروج الغزاة من الساحل لـ(ـرجوعهم) بالـمراكب صرعت عن دابتها و(قضت) أي توفيت بسبب ذلك([37]).

روى الطبراني في «الـمعجم الكبير» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال يوما لأصحابه: «ما تعدون الشهداء فيكم؟» قالوا: من يقتل في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر شهيد، قال: «إن شهداء أمتي إذن لقليل، الـمقتول في سبيل الله شهيد، والـمرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد، والـمبطون شهيد، واللديغ شهيد، والغريق شهيد، والشريق شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد، والخار عن دابته شهيد، وصاحب الهدم شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والنفساء يقتلها ولدها يجرها بسرره([38]) إلى الجنة».

فائدة: اتفق العلماء على أن أم حرام كانت محرما للنبي ﷺ واختلفوا في كيفية ذلك، كذا قال النووي، فقيل: كانت خالته ﷺ من الرضاع، وقيل: خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار، فلأجل ذلك جاز له الدخول عليها وحده ﷺ وليس معها أو معه أحد، هذا ناهيك عن القول بخصوص خلوة النبي ﷺ بالأجنبية لأنه ﷺ مأمون العاقبة يملك إربه كما ذكره السيوطي في «الخصائص الكبرى»، ومع ذلك فلم يثبت عنه ﷺ أنه كان يختلي بالأجنبية، بل ذهب الشهاب الكوراني من الحنفية إلى رد القول بأن ذلك من خصوصياته ﷺ وقال: «وهذا ليس بشيء، إذ لم يرد نص يدل على جواز خلوته بالأجنبيات وإن كان معصوما، وعلى تقدير الجواز كان يتقي مواضع التهم، ألا ترى أن صفية لما زارته وهو معتكف في الـمسجد وقد جاء رجلان من الأنصار فقال: «على رسلكما إنها صفية» وذلك لئلا يكون للشيطان مدخل على أحد الرجلين في خواطر خبيثة قد يلقيها لهما وإلا فليس واحد من المسلمين متهما للنبي ﷺ في شيء يطعن فيه ويقدح في عصمته ﷺ وإلا كان المتهم له في ذلك كافرا.

إخباره ﷺ عن إصلاح سبطه الحسن بين بعض الـمسلمين

466- وقال في الحسن سبط نسبه
447- ما كان بين فئتين وهما
448- فكـان ذا ………………

 

يوما لعل الله أن يصلح به
عظيمتان الكل ممن أسلما
……………………………..

(و)من معجزاته ﷺ أنه (قال في) شأن (الحسن) بن علي رضي الله عنهما (سبط نسبه) أي حفيده من ابنته فاطمة مقولته المشهورة (يوما) «إن ابني هذا سيد و(لعل الله) عز وجل (أن يصلح به) أي بهذا الشريف (ما كان) من النزاع (بين فئتين) أي فرقتين (وهما) أي والحال أن الفرقتين (عظيمتان) أي كبيرتان و(الكل) كان (ممن أسلما) أي من الـمسلمين (فكان ذا) الأمر كما قال ﷺ.

روى البخاري في «صحيحه» وبعض أصحاب السنن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها([39])، فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين([40]): أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم، فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد الـمطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت([41]) في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على الـمنبر والحسن ابن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من الـمسلمين».

إخباره ﷺ عن بلوى تصيب عثمان بن عفان رضي الله عنه

468- ………..وقـال في عـثـمـانا

 

«تصـيبه البـلـوى» فحقا كانا

(و)من معجزاته ﷺ أنه (قال في) شأن (عثمانا) أي ابن عفان رضي الله عنه (تصيبه البلوى) وبشره ﷺ بالجنة (فحقا كانا) أن أصابت عثمان البلوى والـمحنة في خلافته وانتهى الأمر بأن حاصر الـمعتدون داره رضي الله عنه وقتلوه فكان شهيدا.

روى الشيخان والترمذي في «السنن» عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان مع النبي ﷺ في حائط([42]) من حيطان الـمدينة، وفي يد النبي ﷺ عود يضرب به بين الماء والطين، فجاء رجل يستفتح فقال النبي ﷺ: «افتح له وبشره بالجنة» فذهبت فإذا أبو بكر، ففتحت له وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل ءاخر فقال: «افتح له وبشره بالجنة» فإذا عمر، ففتحت له وبشرته بالجنة، ثم استفتح رجل ءاخر وكان متكئا فجلس فقال: «افتح له وبشره بالجنة على([43]) بلوى تصيبه أو تكون» فذهبت فإذا عثمان، فقمت ففتحت له وبشرته بالجنة فأخبرته بالذي قال، قال: الله الـمستعان.

إخباره ﷺ عن مقتل الأسود العنسي الكذاب

469- ومقتل الأسـود في صنعا اليمن
470- قـتـلـه…………………..

 

ذكـره لـيـلـة قـتـلـه ومـن
…………………………………..

(و)كذلك (مقتل الأسود) بن قيس العنسي الكذاب (في صنعا)ء (اليمن) غير صنعاء الشام التي كانت على باب دمشق دون الـمزة، وقد (ذكره) أي ذكره الأسود رسول الله ﷺ (ليلة قتله) أي مقتله (و)أخبر ﷺ عـ(ـمن قتله) أي قاتل الأسود وهو الصحابي فيروز الديلمي، وقد سبق ذكر الخبر مفصلا في فصل: «ذكر فتنة الأسود العنسي».

إخباره ﷺ عن هلاك كسرى وقيصر

470- ……….كذاك كسرى أخبرا

 

بقتله فكان ذا بلا مرا

و(كذاك) من معجزاته ﷺ ما أخبر به عما يكون من أمر (كسرى) الـمسمى أبرويز([44]) بن هرمز بن أنوشروان فكان كما قال ﷺ. وكسرى لقب كل من ملك الفرس، فقد (أخبرا) ﷺ وألف «أخبر» للإطلاق (بقتله) أي مقتل كسرى (فكان ذا) أي حصل ما أخبر به ﷺ (بلا مرا)ء أي بلا شك في أنه كان كما أخبر.

روى الشيخان وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «هلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن([45]) ثم لا يكون قيصر([46]) بعده، ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله».

إخباره ﷺ عن مصير الشيماء بنت بقيلة

471- وقال إخبارا عن الشيماء
472- خمارها أسود حتى أخذت

 

قـد رفعت في بغلة شهباء
عهد أبي بكر كما قد وصفت

(و)من معجزاته ﷺ ما أخبر عنه خريم بن أوس بن حارثة بن لام([47]) الطائي قال: هاجرت إلى رسول الله ﷺ فقدمت عليه منصرفه من تبوك فأسلمت، ثم (قال) رسول الله ﷺ (إخبارا عن) حال (الشيماء) بنت بقيلة الأزدية: «هذه الحيرة البيضاء([48]) (قد رفعت) لي، وهذه الشيماء بنت بقيلة الأزدية (في بغلة شهباء») أي بيضاء «معتجرة» أي متقنعة («خمارها أسود») فقلت: يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي([49])؟ قال: «هي لك».

ومضى الأمر على ذلك (حتى) إذا كان زمان أبي بكر وفرغنا من مسيلمة، أقبلنا على الطريق الطف([50]) نريد الحيرة أي فتحها، فلما دخلنا كان أول من تلقانا شيماء بنت بقيلة الأزدية كما قال رسول الله ﷺ على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود فتعلقت بها وقلت: هذه وهبها لي رسول الله ﷺ، فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها، وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الأنصاري فسلمها إلي.

فـ(أخذت) الشيماء من قبل خريم بن أوس (عهد) أي زمن خلافة (أبي بكر) الصديق رضي الله عنه في فتح الحيرة (كما قد وصفت) أي الشيماء في كلام رسول الله ﷺ لها. قال خريم: فنزل إلينا أخوها عبد الـمسيح([51]) يريد الصلح قال: بعنيها، فقلت: لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم، فأعطاني ألف درهم وسلمتها إليه، فقيل: لو قلت مائة ألف لدفعها إليك، فقلت: ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة.

دعاؤه ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بالإسلام

473- وقد دعا لولد الخطاب
474- جهل أصابت عمرا فأسـلما

 

بعزة الدين به أو بأبي
عز به من كان أضحى مسلما

(و)من معجزاته ﷺ أنه (قد دعا) يوما (لـ)ـعمر (ولد) أي ابن (الخطاب) الفاروق (بعزة الدين) أي قوة الإسلام (بـ)ـإسلامـ(ـه) أي عمر (أو بـ)ـإسلام (أبي جهل) عمرو بن هشام، وكان أبو جهل يكنى أبا الحكم في قريش فكناه النبي ﷺ أبا جهل([52])، فـ(ـأصابت) دعوة النبي ﷺ (عمرا) مصروف للوزن (فأسلما) أي عمر – والألف للإطلاق – ولم يسلم أبو جهل، فـ(ـعز) أي قويت شوكة الإسلام (به) أي بإسلام عمر رضي الله عنه وعز كل (من كان) قد (أضحى) أي صار (مسلما) وذلك ببركة استجابة دعوة النبي ﷺ، ويؤيد ذلك ما رواه الحاكم في «الـمستدرك» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون: اليوم انتصف القوم منا».

وحديث دعاء النبي ﷺ بذلك رواه الترمذي في «السنن» عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بلفظ: «اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب».

وروى ابن ماجه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة».

وأما رواية: «اللهم أيد أو أعز الإسلام بأحد العمرين» فقد حكم عليها الحافظ ابن الديبع([53]) في «تمييز الطيب من الخبيث» بأنه لا أصل له، كذا نقله العجلوني([54])، ومثله قال الشيخ محمد درويش الحوت البيروتي([55]).

دعاؤه ﷺ لعلي رضي الله عنه بذهاب أثر الحر والبرد عنه

475- ولـعـلـي بـذهـاب الـحـر

 

والبرد لم يكـن بذين يدري

(و)من معجزاته ﷺ أنه لما دعا (لعلي) ابن أبي طالب رضي الله عنه (بذهاب) أي ارتفاع (الحر والبرد) عنه استجيبت دعوة النبي ﷺ بذلك، فـ(ـلم يكن) علي بعد ذلك (بـ)ـهـ(ـذين) أي الحر والبرد (يدري) أي يجد منهما شيئا.

روى البيهقي في «الدلائل» عن ابن أبي ليلى قال: كان علي يلبس في الحر والشتاء العباء الـمخشم([56]) الثخين وما يبالي الحر، فأتاني أصحابي فقالوا: إنا قد رأينا من أمير الـمؤمنين شيئا فهل رأيته؟ فقلت: وما هو؟ قالوا: رأيناه يخرج إلينا في الحر الشديد في العباء الـمحشو الثخين وما يبالي الحر ويخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد فهل سمعت في ذلك شيئا؟ فقلت: لا، فقالوا: سل لنا أباك عن ذلك فإنه يسمر معه([57])، فأتيته فسألته فقال: ما سمعت في ذلك شيئا، فدخل على علي رضي الله عنه فسمر معه ثم سأله عن ذلك فقال: أوما شهدت معنا خيبر؟ فقلت: بلى، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ حين دعا أبا بكر فعقد له وبعثه إلى القوم فانطلق فلقي القوم ثم جاء بالناس وقد هزموا؟ فقال: بلى، ثم قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له ثم بعثه إلى القوم فانطلق فلقي القوم فقاتلهم ثم رجع وقد هزم فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «لأعطين الراية اليوم رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله عليه غير فرار([58])»، فدعاني فأعطاني الراية ثم قال: «اللهم اكفه الحر والبرد» فما وجدت بعد ذلك بردا ولا حرا.

دعاؤه ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنه بالحكمة وتأويل القرءان

476- ولابن عباس بفقه الدين مع

 

علم بتأويل فبحرا اتسع

(و)من معجزاته ﷺ أنه دعا (لـ)ـعبد الله (ابن عباس) رضي الله عنه (بـ)ـنيل (فقه الدين) أي الفهم فيه (مع) اكتساب (علم بتأويل) أي تفسير للقرءان الكريم (فـ)ـاستجيبت دعوة النبي ﷺ وغدا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (بحرا) غزيرا (اتسع) علما.

وفي ذلك دلالة على أن التأويل الموافق للشرع ليس مذموما، إذ لو كان مذموما لكان دعاء النبي ﷺ دعاء على ابن عباس لا له. وكان ﷺ يكافئ بالكثير على العمل القليل من الخير، ومما يدل على ذلك دعاؤه ﷺ لابن عباس، فقد روى ابن ماجه وأحمد والحاكم واللفظ له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ في بيت ميمونة فوضعت له وضوءا، فقالت له ميمونة: وضع لك عبد الله بن العباس وضوءا([59])، فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وفي لفظ ابن ماجه: «وتأويل الكتاب».

([1]) الإتقان في علوم القرءان، جلال الدين السيوطي، (4/3).

([2]) الميسر في شرح مصابيح السنة، شهاب الدين التوربشتي، (4/1425).

([3]) أي: أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه.

([4]) أي: ألفا وخمسمائة.

([5]) أي: أسرعوا إلى الماء متهيئين لأخذه.

([6]) أي: ائتوني بالقدح الصغير.

([7]) أي: ازدحموا.

([8]) أي: أحسنوا الخلق والعشرة، يقال: ما أحسن ملأ فلان أي خلقه وعشرته.

([9]) بفتح الياء.

([10]) أي: ذلك من ءاداب السقي.

([11]) أي: نشيطين مستريحين أو ممتلئين ماء.

([12]) ينظر شرح البيت رقم (400).

([13]) أي: تكده وتتعبه.

([14]) أي: إن لا تبيعوه.

([15]) أي أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([16]) أنساب العرب، أبو المنذر العتابي، (ص199).

([17]) هو الحادي عشر من ذي الحجة.

([18]) أي: جعلن يتقدمن نحوه.

([19]) أي: انكسر طرفها.

([20]) أي: الـمفاتيح.

([21]) أي: يتحدثون ليلا.

([22]) جمع علية وهي الغرفة.

([23]) أي: علموا بي.

([24]) أي: متحير.

([25]) أي: أضعفت الضربة أبا رافع لكن لم تقتله.

([26]) حرف حد السيف.

([27]) يعني كان سبب وقوعه على الأرض أن ضوء القمر وقع في درج العلية فدخل عليه، فحسب أن الدرج مساو للأرض فوقع منه على الأرض، قاله الطيبي.

([28]) أي: أسرعوا.

([29]) نافية.

([30]) موضع على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وتسعة، واثني عشر. ينظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، (3/212)، وفي سرف الصرف وعدمه.

([31]) أي: عائدون.

([32]) بفتح الهاء وهي الثكول من النساء أي التي لا يبقى لها ولد، قاله الـمجد ابن الأثير.

([33]) بمعنى مفلول أي مكسور.

([34]) هبر يهبر أي قطعوا لحمهما.

([35]) أي: إبلهم التي كانوا يستقون عليها.

([36]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([37]) أخبرني بعض أهل بيروت ممن شهد ذلك أن أم حرام رضي الله عنها نقلت إلى بيروت فدفنت في جبانة الباشورة، وإن كان الذي ثبت في كتب التاريخ أنها دفنت قبل ذلك في قبرس، ومن هؤلاء الذين أخبروني رجل من ءال فتاح وءاخر من ءال فخرو وحفار جبانة الباشورة في ذلك الوقت من ءال العبيدي الذي أخبر صديقنا الحاج فؤاد القادري قال له: «أنا حفرت لها القبر وكنت حاضرا مع الناس».

([38]) السرر ما تقطعه القابلة وهو السر، وما بقي بعد القطع فهو السرة.

([39]) أي: إن قوتلت بغير حيلة غلبت لكثرتها.

([40]) قال ابن بطال «شرح صحيح البخاري» (8/95): «يريد معاوية خير من عمرو بن العاص».

([41]) أي: أفسدت.

([42]) أي: بستان.

([43]) بمعنى «مع».

([44]) قال السهيلي «الروض الأنف» (1/315): «ومعنى أبرويز بالعربية الـمظفر وهو الذي غلب الروم».

([45]) أي: من بين السبايا.

([46]) ويروى تنوين «قيصر» هذه التي بعد النفي.

([47]) وقيل: لأم.

([48]) مدينة على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف، قاله في «معجم البلدان» (2/382).

([49]) فيه هذا حجة على الفراء في منعه نحو: «زيد ليفعلن»، قاله ابن مالك في «شواهد التوضيح» (ص221).

([50]) ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق. ينظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، (4/35).

([51]) تسمية شخص عبد المسيح لا تجوز، والنصارى يزدادون كفرا بتسميتهم ذلك لاعتقادهم أن هذا العبد هو مخلوق للمسيح، أما من حيث حكم مناداة من سموه بذلك فإنها جائزة لكونه ذلك صار علما لكن بشرط أن لا يـوهم الـمنادى بذلك اعتقادا فاسدا.

([52]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/283).

([53]) روي بكسر الدال وفتحها.

([54]) كشف الخفاء، أبو الفداء العجلوني، (1/209).

([55]) أسنى المطالب في أحاديث مختلفة الـمراتب، محمد درويش الحوت، (ص70).

([56]) أي: الخشن.

([57]) أي: يجلس معه في الليل للحديث.

([58]) أي: لا يفر من الأعداء.

([59]) بفتح الواو أي ماء يتوضأ منه.