هذا باب معقود لبيان بعض السمات الدالة على رفيع خصاله ﷺ في الكرم والشجاعة والحكمة في القول والفعل وفي التواضع والحياء وحسن عشرة الأهل والأصحاب.
348- أكرم به خلقه القرءان
|
| فهو لدى غضبه غضـبان
|
(أكرم به) أي ما أكرمه على الله إذ (خلقه) أي طبعه ومروءته ما دل عليه (القرءان) أي خلقه جميع ما فصل في القرءان من مكارم الأخلاق مثل قوله تعالى: {خذ العفو} [الأعراف: 199]، وقوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربىٰ} [النحل: 90]، وقوله: {واصبر علىٰ ما أصابك} [لقمان: 17]، وقوله: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13]، وقوله: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} [ءال عمران: 134]، وقوله: {يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} [الحجرات: 12]، فإنه ﷺ كان متحليا بها وبغيرها من مكارم الأخلاق، وقيل: معناه كان خلقه مذكورا في القرءان في قوله تعالى: {وإنك لعلىٰ خلق عظيم} [القلم: 4].
وقد بلغ ﷺ من حسن الخلق ما لم يبلغه أحد من الأنبياء. قال أبو علي الدقاق رحمه الله وهو أحد مشاهير الأولياء والصوفية([1]): «قد خص الله تعالى نبيه ﷺ بمزايا كثيرة ولم يثن عليه بشيء منها مثلما أثنى عليه بخلقه فقال تعالى: {وإنك لعلىٰ خلق عظيم}».
وقال شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ المجتهد المجدد الهرري رضي الله عنه: «كل خصلة خير أمر القرءان بها فهي من خلق رسول الله ﷺ». وهو موافق لما ذهب إليه كثير من الشراح من أن المعنى أنه ﷺ كان خلقه ما دل عليه القرءان من أوامره تعالى ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك (فهو) ﷺ يمتثل ما جاء في القرءان، يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه ويرضى برضاه ويكون (لدى غضبه) أي لغضب الله (غضبان) أي يغضب لله ويكره ما يغضب الله تعالى، وغضب الله ورضاه صفتان له تعالى لا كغضب ورضا الخلق، فإذا قيل: «غضب الله على الكافرين» فهو بمعنى إرادة انتقامه عز وجل منهم من غير حدوث إرادة له ولا تجدد فيها، فغضبه عز وجل ليس بمعنى الانفعال النفساني ولا بمعنى التأثر وغليان القلب بالدم للانتقام، بل التأثر صفة المخلوق، وكذلك رضا الله تعالى هو بمعنى إرادته الإنعام على من يشاء.
وكان ﷺ (يرضى بما يرضاه) الله مما أوحى الله به إليه، و(ليس يغضب) ﷺ (لـ)ـهوى (نفسه) كحال أكثر الناس، وقد سبق الكلام عليه في الباب السابق، ولم يكن ﷺ يغضب (إلا إذا) كانت (ترتكب) أي تنتهك (محارم الله) أي يعصى الله تعالى ويخالف نهيه فيما حرم انتهاكه، فإذا انتهكت محارم الله (إذا فينتقم) ﷺ للحق بالحق، فإن تعدي الحق (فأحد لذاك) أي لشدة انتقامه (أصلا لم يقم) وهو كلام مقتبس من حديث عند الطبراني في «الكبير» والبيهقي في «الشعب»: «ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له». فهو ﷺ وقاف عند حدود القرءان والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبيره وحسن تلاوته.
فوصفه ﷺ بكونه على خلق عظيم لم يمنعه من إقامة حدود الله وجهاد أعداء الله بل كان ﷺ يعطي كل مقام ما يليق بشأنه.
وقد (بعثه) الله (الرحمن بالإرفاق) أي رفقا بهذه الأمة (كيما) و«ما» زائدة أي كي (يتم) أي يكمل (صالح الأخلاق) وهذا إشارة إلى قوله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أي الفضائل والـمحاسن. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم كانوا موسومين بالأخلاق الرضية والشمائل البهية لكن نبينا محمدا ﷺ قد بلغ أعلى الكمالات البشرية فلا أدب فوق أدبه ﷺ.
وأما ما يروى حديثا على أنه مرفوع: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» فقد ذكره ابن الجوزي في «الأحاديث الواهية» وقال: لا يصح، وقال الفتني في «الموضوعات»: سنده ضعيف ولا يعرف له إسناد ثابت، وقال إمامنا الأستاذ الحافظ الهرري رحمه الله: هو حديث ضعيف لكنه يروى، إذ ليس فيه ضعف شديد.
ومعنى الحديث: أن الله تعالى نشأني بقدرته سبحانه نشأة طيبة صالحة مباركة زكية بعيدة عن الرذالات والقبائح منذ نشأتي وطفولتي. وكان ﷺ يترقى دائما في الكمالات، وهو في هذا المعنى شامل لكل الأنبياء.
وأما ما يروى حديثا: «تخلقوا بأخلاق الله» فقد قال فيه شيخنا الحافظ عبد الله الهرري رضي الله عنه: «حديث ضعيف جدا»، ثم إنه من القبيح جدا بل من الكفر الصريح قول بعض زنادقة المتصوفة محتجين بهذا الحديث المكذوب: «إن القطب يتصف بصفات الله فيقول للشيء كن فيكون».
352- أشجعهم في موطن وأنجدا
|
| وأجود الناس بنانا ويدا
|
وهو ﷺ (أشجعهم) أي أقوى الناس قلبا وأكثرهم جرأة لملاقاة العدو (في) أي (موطن) أي مكان من أماكن القتال، وهو ﷺ أثبت الناس في حال البأس حيث كان الشجاع منهم يلوذ بجانبه ﷺ عند التحام الحرب، فقد صح عند مسلم وغيره أن البراء ابن عازب رضي الله عنه قال: «كنا والله إذا احمر البأس نتقي به([2])، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به» يعني النبي ﷺ.
وقد ثبتت أشجعيته ﷺ بالتواتر بل ويمكن فهم ذلك من القرءان الكريم لقوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم}، ومن أدل الدليل وأصرح الصريح وأظهره أنه ﷺ بدأ يدعو إلى الله وحده بين مشركين جهال أجلاف يعبدون الحجر والصنم ولم يخفهم إلى أن بلغت دعوته الدنيا.
(و)إذا استنجده خائف عند خوفه (أنجدا) بألف الإطلاق أي أعانه النبي ﷺ وأنجده. وقد ثبت عند مسلم في حديث أنس رضي الله عنه قال: «ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلقوا قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه السيف وهو يقول: «يا أيها الناس لن تراعوا([3])» يردهم، ثم قال للفرس([4]): «وجدناه بحرا»([5]). قال حماد: كان فرسا لأبي طلحة يبطأ فما سبق بعد ذلك اليوم».
(و)هو ﷺ (أجود الناس) أي أكرمهم بالخير (بنانا) بفتح الباء (ويدا) والبنان أصابع الكف واحدتها بنانة، فإنه ﷺ (ما سيل) أي ما سئل بإبدال الهمزة ياء بمعنى ما طلب منه (قط) أي أبدا أحد (حاجة) من حوائج الدنيا (فقال: لا) معناه لم يقل للسائل ذلك قط منعا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارا، فقد قال تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} [التوبة: 92]، وفي سبب نزول هذه الآية روى الشيخان عن أبي بردة قال: أتيت النبي ﷺ في رهط([6]) من الأشعريين أستحمله([7]) فقال: «والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه»، قال: ثم لبثنا ما شاء الله أن نلبث، ثم أتي بثلاث ذود([8]) غر الذرى([9]) فحملنا عليها، فلما انطلقنا قلنا أو قال بعضنا: والله لا يبارك لنا، أتينا النبي ﷺ نستحمله فحلف أن لا يحملنا ثم حملنا فارجعوا بنا إلى النبي ﷺ فنذكره، فأتيناه فقال: «ما أنا حملتكم بل الله حملكم([10])، وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني».
فإذا سئل ﷺ فهو في ذلك على أحوال: إما أعطى وإما اعتذر ودعا للسائل وإما وعد له فيما تمنى عملا بقول الله تعالى: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا} [الإسراء: 28].
وقد روى البخاري في «الأدب المفرد» عن أنس: «أن النبي ﷺ كان رحيما، وكان لا يأتيه أحد إلا وعده وأنجز له إن كان عنده، وأقيمت الصلاة وجاءه أعرابي فأخذ بثوبه» فقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة وأخاف أنساها، «فقام معه حتى فرغ من حاجته ثم أقبل فصلى»، وكان ﷺ يقول: «أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا».
فهو ﷺ أكرم الناس (وليس) أي لم يكن ﷺ (يأوي) أي يعود (منزلا) أي بيتا من بيوته فيبيت فيه (إن) كان (فضلا) أي بقي عنده (مما أتـ)ـاه من مال الغنائم ونحوها شيء (درهم أو دينار) بل كان يدفعها إلى مستحقها (حتى تريحـ)ـه (منهما) أي من همهما (الأقدار) فلا يبقى عنده شيء إلا تفرق على الـمستحقين. وفي رواية: «حتى تزيح» من أزاحه بمعنى أزاله ونحاه عن موضع، معناه حتى تزال الأموال عن موضعها فتفرق على الـمستحقين، قاله الأجهوري([11]).
وروى الطيالسي في «مسنده» عن أبي البختري عن رجل من بني عبس قال: صحبت سلمان فذكر كنوز كسرى فقال: إن الذي أعطاكموه وخولكموه([12]) وفتحه لكم لممسك خزانته ومحمد ﷺ حي قد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مد من طعام فبم ذاك يا أخا بني عبس؟! قال: ثم مر ببيادر تذرى([13]) فقال: إن الذي أعطاكموه وخولكموه وفتحه لكم لممسك خزانته ومحمد ﷺ حي قد كانوا يصبحون وما عندهم دينار ولا درهم ولا مد من طعام فبم ذلك يا أخا بني عبس؟!
355- أصدق لهجة وأوفى ذمة
|
| ألـينهم عريكة في الأمة
|
وهو ﷺ (أصدق) الناس (لهجة) أي لسانا وكلاما (وأوفا)هم (ذمة) أي عهدا وأمانة و(ألينهم) أي أسهلهم وأحسنهم (عريكة) أي معشرا (في) هذه (الأمة) أي في أمته ﷺ وهو ﷺ ألين عريكة من سائر الأفراد في سائر الأمم، وأصل العريكة لحم ظهر البعير، فإذا لانت سهل ركوبه([14]).
وهو ﷺ (أكرمهم في عشرة) أي صحبة وخلطة، ولكمال خلقه وحسن معاشرته (لا يحسب) أي لا يظن (جليسه) أي من يجالسه ﷺ (أن) أحدا (سواه) أي سوى هذا الجليس (أقرب) إلى النبي ﷺ منه وذلك لما يظهر لهذا الجليس من عظيم بشره ولطفه وحسن معاشرته ﷺ.
357- حياؤه يربو على العذراء
|
| في خدرهـا لشدة الحياء
|
وكان ﷺ حييا و(حياؤه) ممدوح لا يكون إلا بحق وهو حياء (يربو) أي يزيد (على) حياء الفتاة (العذراء) التي لم يقربها رجل بجماع ونحوه المستترة من شدة حيائها (في خدرها) أي في سترها الذي يجعل لها في أقصى البيت وذلك وصف مقرب (لشدة الحياء) الذي يكون عليه ﷺ، ولكنه مع ذلك لم يمنعه الحياء من إقامة حدود الله وإنكار الـمنكرات، لأن الحياء الممدوح هو الذي يعين الإنسان على الالتزام بأوامر الشرع والانتهاء بنواهيه، أما الحياء الذي يمنع من قول الحق ويوقع في الحرام فبئس الحياء هو، وإنه من الشيطان يحتال به على ضعفاء العقول ليبعدهم عن القيام بحقوق الله على العبد.
وقد بلغ ﷺ الغاية في التواضع، ومن أمثلة ذلك (نظره) فإنه (للأرض) أي إلى جهتها هو (منه) حال عدم الكلام (أكثر) أو أطول زمنا وأزيد وأمد من نظره (إلى السماء) وإلى الأجرام الـمقابلة لها، فإنه ﷺ دائم حضور القلب خشوعا لله، منشغل البال بأمور الأمة وكل ما يزيده كمالا عند الله تعالى.
ومن علامات تواضعه ﷺ أنه إذا خاطب غيره في وجهه فإنه يفعل ذلك وهو (خافض) طرفه (إذ) أي حين (ينظر) إلى الـمكلم، فلم يكن ﷺ يثبت بصره في وجه مكلمه من شدة حيائه ﷺ، وبهذا يكون الأمر أسهل على مخاطبه ﷺ لا سيما إذا كان لهذا الـمخاطب حاجة عند النبي ﷺ، فإنه ﷺ من شدة هيبته وبهائه وجماله وجلاله لم يكن بعض الصحابة يقدر على أن يديم النظر في وجهه ﷺ.
روى ابن ماجه في «سننه» عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبي ﷺ رجل فكلمه وفرائصه([15]) تضطرب، فقال له
رسول الله ﷺ: «هون عليك فإني لست بملك([16])، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد([17])».
وروى الترمذي في «سننه» عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب الـمسجد وعلي ثياب خضر، فلما رءاني رسول الله ﷺ قال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: أنا يا رسول الله، قال: هذا ممن قضى نحبه.
وروى مسلم وابن حميد في «الـمسند» – واللفظ له – عن أبي مسعود الأنصاري قال: بينما أنا أضرب غلاما لي بسوط لي سمعت صوتا من ورائي: «اعلم أبا مسعود»، قال: فجعلت لا ألتفت ولا أعقل من الغضب حتى دنا مني رسول الله ﷺ فالتفت فلما رأيته سقط السوط من يدي من هيبته أو طرحته، فقال رسول الله ﷺ: «اعلم أبا مسعود أن الله عز وجل عليك أقدر منك على هذا»، قال: قلت: والذي بعثك بالحق لا أضرب غلاما لي بعد هذا.
وروى البزار في «مسنده» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أتى فاطمة فقال لها: إني لأشتكي صدري مما أمد بالغرب، فقالت: وأنا والله إني لأشتكي يدي مما أطحن بالرحا، فقال لها علي: ائتي النبي ﷺ فسليه أن يخدمك خادما، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه ثم رجعت فقال رسول الله ﷺ: «ما جاء بك؟» قالت: جئت لأسلم على رسول الله ﷺ، فلما رجعت إلى علي قالت: والله ما استطعت أن أكلم رسول الله ﷺ من هيبته.
وهو ﷺ (أكثرهم) أي أكثر الناس (تواضعا) فقد روى النسائي والبيهقي كلاهما في «السنن الكبرى» عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله عز وجل أرسل إلى نبيه ﷺ ملكا من الـملائكة معه جبريل عليه السلام، فقال الـملك لرسول الله ﷺ: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا نبيا، فالتفت نبي الله ﷺ إلى جبريل عليه السلام كالـمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ أن تواضع([18])، فقال رسول الله ﷺ: «بل أكون عبدا نبيا».
وروى النسائي في «السنن الكبرى» أن الحسن البصري ذكر رسول الله ﷺ فقال: «لا والله ما كانت تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة، ولا يغدى عليه بالجفان ولا يراح عليه بها([19])، ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى نبي الله ﷺ لقيه، وكان والله يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف بعده، ويلعق والله يده».
وكان ﷺ (يجيب داعيه) أي من يدعوه إلى مائدة أو غيرها، (بعيد) الداعي (أو قريب) منه، وسواء كانت الدعوة (من عبد) مملوك مأذون له بذلك أو معتق، (أو) من (حر)، أو كانت من (فقير) أو مسكين (أو غني) أو شريف النسب أو دنيئه، وذلك من تواضعه المجبول عليه ﷺ، كيف لا وقد كانت العناية الربانية تحيط به ﷺ وقال له ربه: {واخفض جناحك للمؤمنين}([20])، وكان ﷺ يقول: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع([21]) لقبلت» رواه البخاري.
(و)هو ﷺ (أرحم) أي أكثر (الناس) رحمة (بكل مؤمن و)بكل (طائف) أي نازل به ﷺ حال كون النازل به (يعروه) أي يقصده ﷺ لحاجة، فيدخل في ذلك ما لا يعقل كالبهائم، (حتى) إنه ﷺ كانت (الهرة) تمر به فـ(ـيصغي) أي يدني (لها الإناء) وفيه الماء فتشرب، وقد فعل ذلك ﷺ (غير مرة) أي لم يقتصر على فعله مرة واحدة بل روي أنه كان يفعل ذلك مع كل هرة أتته ثم كان يتوضأ بما بقي من الـماء في الإناء ويقول: «إنها ليست بنجس، هي من الطوافين» أو «الطوافات عليكم».
وأخبار رحمته ﷺ بالعباد والبهائم أوسع من أن يسعها هذا الشرح المختصر، ويكفي أن ربه عز وجل قد مدحه بذلك في كتابه فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم} أي يشق عليه وقوع المكروه بكم {حريص عليكم} أن تثبتوا على الإيمان، وهو ﷺ {بالمؤمنين رؤوف} أي شديد الرأفة بهم و{رحيم} [التوبة: 128] بهم يحب لهم الخير.
وقد حث ﷺ على الرأفة بالبهيمة والإحسان إليها، والآثار عنه في ذلك كثيرة، منها ما رواه ابن ماجه عن سراقة بن جعشم قال: سألت رسول الله ﷺ عن ضالة الإبل تغشى حياضي، قد لطتها لإبلي([22])، فهل لي من أجر إن سقيتها؟ فقال ﷺ: «نعم، في كل ذات كبد حرى أجر([23])».
وروى أبو داود في «سننه» من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل حائطا([24]) لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه([25]) فسكت، فقال: «من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟»، فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه([26])».
وروى البخاري في «الأدب»([27]) عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ نزل منزلا فأخذ رجل بيض حمرة، فجاءت ترف على رأس رسول الله ﷺ فقال: «أيكم فجع هذه ببيضتها؟» فقال رجل: أنا أخذت بيضتها، فقال النبي ﷺ: «اردده رحمة لها».
وروى مسلم عن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة([28])، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته».
وإذا كانت هذه أمثلة تدل على عظيم رأفته ﷺ بالبهائم، فكيف برأفته ﷺ بعباد الله.
362- كان أعف الناس ليس يمسك
|
| أيدي من ليس لهـن يملك
|
و(كان) رسول الله ﷺ (أعف الناس) أي أكثرهم عفة ونزاهة عما لا يليق به ﷺ، فالعفيف هو من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة، ومن عفته ﷺ أنه (ليس يمسك) أو يمس بلا حائل (أيدي من) أي من النسوة التي (ليس لهن يملك) ملك يمين أو لسن من زوجاته أو محارمه، فإنه ﷺ كان (يبايع النساء) ممن سوى محارمه وإمائه بلا مس لهن في البيعات التي بايعهن بها كبيعته لهن ﷺ يوم فتح مكة على الصفا بعد مبايعته الرجال، فـ(ـلا يصافح) بيده (أيديهن بل) هو (كلام صالح) يقوله لهن ﷺ عند المبايعة.
وقد كانت مبايعته ﷺ للنساء أن يأخذ عليهن العهد والميثاق، فإذا أقررن بألسنتهن قال: «قد بايعتكن»، وقد ذكر أبو بكر النقاش([29]) وجها ءاخر في صفة بيعة النساء، أن رسول الله ﷺ كان يغمس يده في إناء وتغمس المرأة يدها فيه عند الـمبايعة من غير أن يمسها فيكون ذلك عقدا للبيعة([30])، قال ابن الجوزي: والقول الأول – أي الـمبايعة بالكلام فقط – أثبت([31]).
وقد سبق الكلام على نص بيعة النساء في باب «عرض النبي نفسه على القبائل وبيعة الأنصار له ﷺ».
ثبت بالأدلة الكثيرة أن رسول الله ﷺ كان لا يصافح النساء، مع أنه ﷺ أملك الناس لإربه وأعفهم، فمن ذلك:
وقد شذ في مسألة تحريم مس الأجنبية ومصافحتها بلا حائل «حزب التحرير» وزعيمهم المؤسس المدعو تقي الدين النبهاني (ت1398هـ) إذ قال في كتابه المسمى «النظام الاجتماعي في الإسلام» ما نصه([36]): «أما بالنسبة للمصافحة فإنه يجوز للرجل أن يصافح المرأة وللمرأة أن تصافح الرجل دون حائل بينهما»، وبنحو ذلك قال في كتاب ءاخر له([37]).
وقد تبعه جماعته على هذا القول وتبنوه وذكروه جهارا في مصنفاتهم وعملوا به.
وأضل من ذلك قول «حزب التحرير» بأن العبد يخلق فعله، وهي مقالة كفرية سبقهم إليها المعتزلة، ومن أشنع النصوص التي قالها النبهاني قوله([38]): «وهذه الأفعال – أي أفعال الإنسان – لا دخل لها بالقضاء ولا دخل للقضاء بها، لأن الإنسان هو الذي قام بها بإرادته واختياره، وعلى ذلك فإن الأفعال الاختيارية لا تدخل تحت القضاء»، وهذا الكلام معارض للقرءان مكذب له، فالله تعالى يقول: {الله خالق كل شيء}.
وقد جاء في كتاب «القدر» للبيهقي وكتاب «تهذيب الآثار» لابن جرير الطبري رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «صنفان من
وقال الإمام أبو منصور البغدادي([39]): «أصحابنا أجمعوا على تكفير المعتزلة»، وقال الحافظ محمد المرتضى الزبيدي([40]): «لم يتوقف علماء ما وراء النهر في تكفير المعتزلة».
فالمعتزلة هم القدرية لأنهم جعلوا الله والعبد سواسية بنفي القدرة عنه عز وجل على ما يقدر عليه عبده، فكأنهم يثبتون خالقين في الحقيقة كما أثبت الـمجوس خالقين خالقا للخير هو عندهم النور وخالقا للشر هو عندهم الظلام.
364- أشـدهـم لصـحـبـه إكـراما
|
| ليـس يـمـد رجـلـه احـتـراما
|
وهو ﷺ (أشدهم) أي أكثر الناس (لصحبه) أي أصحابه (إكراما) على الإطلاق وليس في أمر الإطعام فقط، والصحب اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، وهو الذي جرى عليه سيبويه رحمه الله وهو قول الجمهور([41]) خلافا للأخفش.
وصور إكرامه لأصحابه ﷺ كثيرة جدا لا يحصيها إلا الله عز وجل، فمن ذلك أنه (ليس) أي لم يكن ﷺ (يمد رجله) أمام جلسائه من الصحابة (احتراما) لهم إذا كان (بينهم) ولم تكن ركبتاه الشريفتان ﷺ تتقدمان ركبة جليسه، كما أنه كان ﷺ يوسع لهم إذا ضاق بهم المكان، وكان يرشد أصحابه في مثل ذلك ويكره أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه ءاخر ويقول ﷺ: «تفسحوا([42]) وتوسعوا» رواه الشيخان.
(ولم يكن) ﷺ (يقدم) في مجلس (ركبته) الشريفة (على) ركبة (الجليس) عنده من أصحابه بل (يكرم) جليسه بأن لا يضيق المكان عليه شفقة وتواضعا منه ﷺ، وقد اقتبس الناظم هذا من حديث ابن ماجه في «السنن»: «ولم ير متقدما بركبتيه جليسا له([43]) قط».
(فمن) كان (بديهة) أي فجأة وبغتة (رءاه) ﷺ (هابه) أي تهيب لرؤيته ﷺ ووقع في قلبه الهيبة منه ﷺ وذلك لما له من الوقار والهيبة (طبعا) أي بطبيعته وسجيته، (ومن خالطه) معرفة عرف ما كان عليه من حسن العشرة ﷺ والبشاشة وكرم الخصال وحسن الفعال فـ(ـأحبه) حبا بليغا لكمال أخلاقه وعظم قدره ﷺ.
وكلام الناظم هنا مقتبس أيضا من حديث الترمذي في «السنن» عن علي رضي الله عنه قال: «من رءاه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه».
367- يمشي مع المسكين والأرملة
|
| في حـاجة من غير ما أنفة
|
ولم يكن ﷺ يأنف ويستنكف أن يماشي الفقراء والعبيد بل (يمشي مع المسكين) والفقير والعبيد فيقضي لهم حاجاتهم (و)كان ﷺ يمشي كذلك مع (الأرملة) وهي من مات زوجها، وكانت الأرملة تأتي إليه فتطلبه (في حاجة) لها فيذهب ﷺ ليقضيها لها (من غير ما أنفة) منه أي من غير ترفع منه واستكبار، وهو الذي رواه النسائي في «السنن» عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة».
وروى الطبراني في «الـمعجم الكبير» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن كان الرجل من أهل العوالي([44]) ليدعو رسول الله ﷺ بنصف الليل على خبز الشعير فيجيب».
وروى مسلم في «صحيحه» وأبو داود في «سننه» عن أنس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال لها: «يا أم فلان اجلسي في أي نواحي السكك شئت حتى أجلس إليك»، فجلست فجلس النبي ﷺ إليها حتى قضى حاجتها.
وروى البخاري في «صحيحه» وبعض أصحاب السنن عن أنس قال: «إن كانت الأمة من إماء أهل الـمدينة لتأخذ بيد([45]) رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت».
وكان ﷺ يخدم نفسه فـ(ـيخصف) أي يخرز ويرقع (نعله) بيده ﷺ وذلك بضم طاقة منها على الأخرى، وأصل الخصف الضم والجمع، ومنه قوله تعالى: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي يطبقان ورقة فوق ورقة على بدنهما.
و(يخيط) بفتح الياء أي يرقع (ثوبه) بجعل قطعة قماش في الموضع الذي انخرق منه يسده بها، وسيأتي الكلام على خلقه ﷺ في اللباس([46]).
وكان ﷺ (يحلب) بضم اللام ويجوز كسرها (شاته) بيده أيضا ولا يأنف ذلك (ولن يعيبه) حين يفعله بنفسه ﷺ.
وكان ﷺ (يخدم) بضم الدال وتكسر أي يقوم بالخدمة (في مهنة أهله) أي يشتغل في مصالح من يعولهم. واختلف في ضبط الميم، فقال ابن الأثير في «النهاية»: «الـمهنة الخدمة والرواية بفتح الميم وقد تكسر» اهـ. وقال الأصمعي: «الـمهنة بفتح الميم ولا يقال مهنة بالكسر» اهـ، وقال الـمزي: «إن الكسر أحسن» اهـ.
(كما) كان ﷺ (يقطع بالسكين) مع أهله أو وحده (لحما قدما) إليه، فكان يعمل في ذلك ولا يأنف أو يقول: «أنا نبي رسول فكيف أعمل في الخدمة بالبيت؟!» بل في اشتغاله ﷺ في مهنة الأهل والنفس إرشاد لغيره إلى التواضع وترك التكبر، فهو ﷺ مشرف بالنبوة والرسالة ومكرم بالـمعجزات ومع ذلك فهو يخدم أهله.
وكان ﷺ (يردف) أي يركب (خلفه) عبده أو خادمه أو غيرهما (على الحمار) وغيره من ناقة وبغلة ونحوهما حال كونه راكبا (على إكاف) والإكاف للحمار كمثل السرج للفرس، وكان ركوبه ﷺ على الحمار من (غير) أنفة أو حال (ذي استكبار) أي تكبر.
ويوافق قول الناظم هنا قول الحافظ ابن جرير الطبري فيما نقله عنه ابن بطال: «فيه البيان على أنه ﷺ مع محله وجلالة منزلته لم يكن يرفع نفسه عن أن يحمل ردفا معه على دابته، ولكنه كان يردف لتتأسى به في ذلك أمته، فلا يأنفوا مما لم يأنف منه ولا يستنكفوا مما لم يستنكف منه»([47]).
وقد صح أنه ﷺ ركب الدابة في بعض الأحيان من غير إكاف وهو دليل تواضعه ﷺ، وقد أركب خلفه من أصحابه أربعين ونيفا([48]) منفردين كأبي بكر الصديق وعثمان ذي النورين وعلي الكرار وعبد الله بن جعفر وزيد وأسامة والفضل وغيرهم، وقد نظمهم ابن علان البكري([49]) فقال: [الطويل]
لقد أردف المختار طه جماعة | فسن لنا الإرداف إن طاق مركب |
وكان ﷺ من شدة تواضعه (يمشي) في بعض الأحيان (بلا نعل) أي حذاء وهو ما توقى به القدم من الأرض (و)كذلك كان ﷺ يمشي في بعض الأحيان بـ(ـلا خف) وهو ما يستر القدم مع الكعب من شعر أو لبد أو جلد ونحوها، وكان حاله ذلك في مشيه (إلى عيادة) أي زيارة (المريض) من صحبه و(حوله الملا) أي الملأ من أصحابه، وذلك تواضعا منه ﷺ وطلبا للزيادة في الأجر.
ومن رحمته بالـمرضى ﷺ ما ذكره أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على مريض يعوده فقال له: «أتشتهي([50]) شيئا؟ أتشتهي كعكا[51])؟»، فقال المريض: نعم، فطلبوا له ذلك، والحديث رواه ابن ماجه في «السنن» وأبو يعلى في «الـمسند».
وكان من شأنه ﷺ أنه إذا دخل على مريض يعوده قال له مخففا عنه ما ألم به: «لا بأس، طهور إن شاء الله» رواه البخاري.
خلقه الكريم ﷺ مع جلسائه
372- يجالس الفقير والمسكينا
|
| ويكـرم الكرام إذ يأتونا
|
وكان ﷺ (يجالس الفقير والمسكينا) أي يجلس معهما جبرا لخواطرهما ومؤانسة لهما وإشفاقا عليهما، وذكر الناظم الفقير صنفا والـمسكين صنفا ءاخر هو من باب التفنن([52]) والتنويع في العبارة لا من باب التفرقة الاصطلاحية في عرف الفقهاء.
وكان ﷺ يسأل عن حال الفقراء والأرامل والأيتام ويتفقدهم، فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقم الـمسجد ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: «أفلا كنتم ءاذنتموني([53])؟! دلوني على قبرها» فدلوه، فصلى عليها ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم».
(و)كان ﷺ (يكرم) أهل الفضل و(الكرام) من القوم (إذ يأتونا) إليه، والألف في «يأتونا» للإطلاق، وربما بسط ﷺ رداءه لبعض زائريه تواضعا لهم وإكراما.
روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رسول الله ﷺ قال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه».
فمن فطنته ﷺ أنه كان يحافظ على تأليف أشراف القوم ترغيبا لهم ولقومهم في الإسلام.
وروى أبو داود في «سننه» عن عائشة رضي الله عنها أنه مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال رسول الله ﷺ: «أنزلوا الناس منازلهم».
وكانت عائشة رضي الله عنه من أكثر الناس علما وأشدهم فطنة، وقد فعلت ما فعلته لما علمت من تألف قلب الفقير الأول وانجبار خاطره بذلك، وفعلت ما فعلته مع الثاني لما علمت من حاله وتأست بإرشاد النبي ﷺ.
و(ليس) من شأنه ﷺ أن يكون (مواجها) أحدا (بشيء يكرهه) إلا أن تقتضي المصلحة فعل ذلك لا سيما إذا كان فاعل ذلك (جليسه) فلا يخاطبه بمكروه (بل) كان (بالرضا) أي الكلام الطيب اللين (يواجهه) أي يبدأه بتعليم أو إرشاد أو نصح لما بدر من مواجهه، فيكون ذلك أدعى للقبول.
وقد روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن رجلا دخل على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة([54]) وكان رسول الله ﷺ قلما([55]) يواجه رجلا في وجهه بشيء يكرهه فلما خرج قال: «لو أمرتم هذا أن يغسل ذا عنه».
ولا يجوز أن يتوهم متوهم أن رسول الله ﷺ كان يسكت عن منكر مع قدرته على إزالته وإنكاره أو أنه كان يحسنه لفاعله أو يداهن في ذلك لأن فيه نسبة الخيانة للنبي ﷺ والتقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو خلاف قول الله عز وجل: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67].
وكان ﷺ (يمزح) مع أصحابه تأنيسا لهم وتأليفا وتخفيفا عليهم، وهو في مزاحه كسائر أوقاته صادق (لا يقول إلا حقا) وشأنه في ذلك كشأن جميع الأنبياء، فهم منزهون عن الكذب في سائر الأحوال، وقد أعطاهم الله من الفطنة والذكاء والجرأة ما يستطيعون دفع الظلم به عن أنفسهم وعن غيرهم من دون أن يحصل منهم كذب، فهم منزهون عن ذلك قبل النبوة وبعدها.
وجاء في مباسطته ﷺ أصحابه وممازحته لهم عدد من الآثار، منها ما روى الترمذي وأبو داود في «سننهما» عن أنس رضي الله عنه أن رجلا استحمل رسول الله ﷺ، فقال ﷺ: «إني حاملك على ولد الناقة»، فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ: «وهل تلد الإبل إلا النوق».
وروى ابن حبان في «صحيحه» عن أنس أيضا أن رجلا من أهل البادية يقال له زاهر ابن حرام كان يهدي إلى النبي ﷺ الهدية فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال رسول الله ﷺ: «إن زاهرا بادينا ونحن حاضروه»، فأتاه النبي ﷺ وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره فقال: أرسلني، من هذا؟ فالتفت إليه، فلما عرف أنه النبي ﷺ جعل يلزق ظهره بصدره، فقال ﷺ: «من يشتري هذا العبد؟([56])»؟ فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسدا، فقال ﷺ: «لكنك عند الله لست بكاسد».
وروى الشيخان وبعض أصحاب السنن والطبراني في «الأوسط» عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يأتي أم سليم يزورها فتتحفه بالشيء تصنعه له، وأخ لي صغير يكنى أبا عمير، فجاء رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «يا أم سليم، ما لي أرى ابنك خاثر النفس؟» قالت: يا رسول الله ماتت صعوته التي كانت يلعب بها، فجعل النبي ﷺ يقول: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» أي ماذا جرى له حيث لم أره معك، وفي هذا تسلية للصبي على فقده بموته.
وكان ﷺ (يجلس في الأكل مع) العبيد (الأرقا)ء حيث يجلسون فلا يترفع عليهم بل كان ﷺ لا يأكل متكئا ويقول: «ءاكل كما يأكل العبد([57]) وأجلس كما يجلس العبد» أي من غير سفرة وخوان جالسا على الأرض لا على هيئة جلوس الـملوك من أهل الدنيا والجبارين الـمتكبرين من التربع والتمدد والاتكاء مع رفع الرأس وشموخ الأنف وعدم الالتفات إلى المساكين والاحتجاب عن الـمحتاجين، بل هو ﷺ سيد المتواضعين لم يأكل على خوان قط.
وكان ﷺ (يأتي إلى بساتن) أي بساتين وحدائق (الإخوان) أصحابه الأنصار قاصدا بذهابه إليهم أنه (يكرمهم بذلك الإتيان) ﷺ لا بقصد التنزه الذي لا خير فيه.
روى ابن خزيمة في «صحيحه» أبو يعلى في «مسنده» والطبراني في «الكبير» أن النبي ﷺ خرج وصاحبيه أبا بكر وعمر حتى دخلوا حائط([58]) أبي الهيثم ﷺ فسلم النبي ﷺ فسمعت أم الهيثم تسليمه ففدت بالأب والأم([59]) وأخرجت حلسا([60]) لها من شعر فجلسوا عليه، فقال ﷺ: «فأين أبو الهيثم؟» فقالت: ذاك ذهب يستعذب لنا من الماء. فطلع أبو الهيثم بالقربة على رقبته فلما أن رأى وضح النبي ﷺ بين ظهراني النخل أسندها إلى جذع وأقبل يفدي بالأب والأم، فلما رءاهم عرف الذي بهم([61]) فقال لأم الهيثم: هل أطعمت رسول الله ﷺ وصاحبيه شيئا؟ فقالت: إنما جلس النبي ﷺ الساعة، قال: فما عندك؟ قالت: عندي حبات من شعير. قال: كركريها([62]) واعجني واخبزي – إذ لم يكونوا يعرفون الخمير – قال: وأخذ الشفرة فرءاه النبي ﷺ موليا فقال: «إياك وذات الدر» فقال: يا رسول الله إنما أريد عنيقا في الغنم([63])، فذبح ونصب فلم يلبث أن جاء بذلك إليه ﷺ فأكل هو ﷺ وصاحباه فشبعوا([64]) لا عهد لهم بمثلها.
فما مكث النبي ﷺ إلا يسيرا حتى أتي بأسير من اليمن، فجاءته فاطمة رضي الله عنها ابنة رسول الله ﷺ تشكو إليه العمل وتريه يدها وتسأله إياه قال: «لا، ولكن أعطيه أبا الهيثم، فقد رأيته وما لقي هو ومريته([65]) يوم ضفناهم([66])»، فأرسل إليه وأعطاه إياه فقال: «خذ هذا الغلام يعينك على حائطك، واستوص به خيرا»، فقال: فمكث عند أبي الهيثم ما شاء الله أن يمكث، فقال: لقد كنت مشتغلا أنا وصاحبتي بحائطنا فاذهب فلا رب لك([67]) إلا الله عز وجل، فخرج ذلك الغلام إلى الشام ورزق فيها.
376- قيل له يدعو على الكفار
|
| دوس وغيرهم من الفجـار
|
(قيل له) ﷺ من قبل بعض أصحابه أن لو (يدعو) بالهلاك والبلاء والمصائب (على) فئات من (الكفار) الذين ءاذوه وءاذوا أصحابه وكادوا لهم كيدا ورفضوا دعوته إلى الإسلام كقبيلة (دوس) بطن من الأزد باليمن ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه، وكان سائل النبي ذلك الصحابي الطفيل بن عمرو الأزدي، وسيأتي خبره.
(و)قد سأل النبي ﷺ غير الطفيل أن يدعو على أصناف (غيرهم) أي غير دوس (من) الكافرين (الفجار) أي الـمنبعثين في الـمعاصي كثقيف بطن من هوازن، فما كان منه ﷺ إلا أن دعا لثقيف بالهداية.
وروى مسلم في «صحيحه» أنه لما كسرت رباعيته الشريفة وشج وجهه الـمبارك يوم أحد شق ذلك على أصحابه وقالوا: لو دعوت عليهم يا رسول الله، (فقال) ﷺ (إنما بعثت) إلى الناس داعيا و(رحمة) للخلق أي ليخرجهم ﷺ من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان والطاعة.
(وليس) أي ولم يكن ﷺ (لعانا) أي مكثرا للعن بحق مع كون ذلك جائزا له ﷺ وكان الخيار له في الدعاء عليهم والدعاء لهم، وهو ﷺ يختار الأفضل، لكنه ﷺ دعا في بعض الأحيان على أناس ممن يستحقون ذلك بيانا للجواز وتعليما للأمة.
فدعاؤه ﷺ على الكافرين ولعنه لمن لعن لا يكون إلا بحق منه، لكن لما رجا أن يكون من قومه من يسلم لم يدع عليهم بل قال: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».
وروى البخاري «صحيحه» عن عائشة رضي لله عنها أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب([68]) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك([69])، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك([70]) فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين([71])»، فقال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا».
وهو ﷺ (نبي الرحمة) وهو رحمة مهداة إلى الخلق، فمن اهتدى بهديه ﷺ فقد أفلح وفاز، ومن ضل عن هديه فقط خاب وخسر.
أما جاء في شأن دوس فإن الطفيل بن عمرو الدوسي كان فيهم شريفا فأسلم وقال: يا رسول الله إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله تعالى أن يجعل لي ءاية تكون لي عونا عليهم، فدعا له ﷺ فطلع نور بين عينيه مثل الـمصباح حين أشرف على قومه، فقال عمرو: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، فتحول النور فوقع في رأس سوطه كالقنديل المعلق، فأسلم على يده ناس قليل، فرجع إلى رسول الله ﷺ وشكا ذلك إليه قائلا: يا رسول الله إن دوسا قد كفرت وأبت فادع الله عليها، فقال الناس: هلكت دوس، ظنا منهم أن رسول الله ﷺ سيدعو عليهم، فلم يفعل ذلك ﷺ (بل سأل) الله تعالى لهم الهداية قائلا: «(اللهم فاهد دوسا)» ولفظ الحديث بلا فاء في «اهد»، ثم قال: «(وأت بهم)» أي مسلمين، هذه رواية الشيخين، أما رواية ففيها أنه ﷺ استقبل القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا، فقال ﷺ: «اللهم اهد دوسا وأت بهم، اللهم اهد دوسا وأت بهم، اللهم اهد دوسا وأت بهم»، (فأصبحوا) بعد إسلامهم (رؤوسا) وجهاء في الإسلام، وفي بعض الروايات: «وأت بهم مسلمين».
وروى هشام بن الكلبي أن حبيب بن عمرو بن حثمة الدوسي كان حاكما على دوس، وكذا كان أبوه من قبله وقد عمر ثلاثمائة سنة، وكان حبيب يقول: إني لأعلم أن للخلق خالقا لكني لا أدري من هو، فلما سمع بالنبي ﷺ خرج إليه ومعه خمسة وسبعون رجلا من قومه فأسلم وأسلموا، ذكره الحافظ في «الفتح»([72]).
روي عن عمر رضي الله عنه أن قال في بعض كلامه: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند ءاخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقال ﷺ: «اللهم اغفر لقومي» أي بدخولهم في الإسلام «فإنهم لا يعلمون».
وقول النبي ﷺ: «اغفر لقومي» معناه: أدخلهم في الإسلام فتغفر لهم، فالكافر الأصلي الذي يدخل في الإسلام يغفر الله له كل ذنوبه، كفره وغير الكفر.
لكن قال شيخنا الإمام الهرري رضي الله عنه: قول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» حكاه الرسول ﷺ عن نبي من الأنبياء، أما نبينا محمد ﷺ فلم يثبت عنه أنه قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» على هذا المعنى.
ثم القول بأنه لا يجوز هذا القول في شريعة محمد وإنما كان جائزا في شرع إبراهيم غير صحيح، ولكن الدعاء للكافر بالـمغفرة في حياته على معنى أن يغفر له بإدخاله في الإسلام إن كان يوهم المحظور لا يجوز، وإن كان لا يوهم المحظور يجوز أي بحيث لا يتوهم الكافر والسامعون أن الله يغفر له مع بقائه على كفره.
أما الدعاء بالـمغفرة لمن مات على الكفر من المكلفين كفر لتكذيبه النصوص الشرعية وإجماع الأمة، قال الله جل وعز: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: 113]، وقال تبارك وتعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملآئكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} [البقرة: 161، 162].
379- لم يك فحاشا ولا لعانا
|
| ………………………………….
|
و(لم يكـ)ـن رسول الله ﷺ فاحشا ولا (فحاشا) ولا متفحشا، أما الفاحش فهو ذو الفحش في كلامه بذيء اللسان، والفحش القبيح من القول والفعل([73])، والفحاش كثير الفحش، وأما المتفحش الذي يتكلف سب الناس ويفحش عليهم بلسانه([74])، وقال الداودي: «الفاحش الذي يقول الفحش، والـمتفحش الذي يستعمل الفحش ليضحك الناس»([75]).
وقد أوصى رسول الله ﷺ أصحابه بترك الفحش فقال: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» رواه أبو داود.
(ولا) كان (لعانا) أي مكثرا للعن على من يستحقه، واللعن هو الدعاء بالطرد من الرحمة (ولا) كان (بخيلا) في الإنفاق بما ينبغي بل هو ﷺ أجود الناس بالخير أي بكل ما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم من نصيحة وإرشاد ودعاء لهم وتوجيه وإنفاق عليهم وبذل لهم، فلم يكن فيه شيء من ذميم الخصال (لا) وهذه النافية في النظم للتأكيد.
أما اللعن والسباب بغير حق فإنه ﷺ منزه عنه، وأما ما جاء في الحديث المرفوع: «فأيما مؤمن ءاذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة» فتفسيره كما قال شيخنا الحافظ الهرري رضي الله عنه: «لا يحصل منه ﷺ أن يلعن مسلما ظلما، لكنه من شدة رحمته وشفقته على الـمسلم طلب من ربه أنه إن صدر منه ﷺ لعن إنسان مسلم أو شتمه أو ضربه أي بحق، وكان هذا الإنسان بحسب الظاهر مسلما في الوقت الذي يشتمه، ولا يدري بما يختم له، هل يختم له بعد ذلك بالإيمان أو بالتقى، فطلب أن يكون هذا الشتم لهذا الـمسلم الـمستحق سببا لتوبته، وليس مقصود الرسول ﷺ أنه قد يضرب أو يلعن إنسانا بغير حق فهذا لا يجوز اعتقاده في حق الرسول ﷺ بل مستحيل عليه ذلك، إنما الذي يجوز على الرسول هو أن يضرب إنسانا مسلما مستحقا لذلك تأديبا له ليكون ذلك محرضا له على التوبة» اهـ.
فيعلم من ذلك أن ما جاء في بعض الكتب من قولهم في تفسير هذا الحديث: «تلك الأذية التي صدرت بمقتضى ضعف البشرية لمن ءاذيته من المؤمنين» فهو كلام ساقط باطل لا يجوز حمله على نبي من أنبياء الله عليهم السلام.
وقد ضل يوسف القرضاوي الـمصري وكذب الشريعة بادعائه أن النبي قد يشتم مسلما بدون سبب وبغير حق. فسباب المسلم فسوق، ومن نسب الفسوق إلى النبي فقد كفر لأنه يكون هو من افترى على الرسول ﷺ وشتمه واستخف به وبمنصبه إذ جوز عليه الفسوق، وهو بذلك هادم لأمر العصمة طاعن في منصب النبوة.
379- …………………………… | ولا بخيلا لا ولا جبانا |
ولم يكن النبي ﷺ هيوبا (ولا جبانا) بل كان أشجع الناس، وقد سبق الكلام على ذلك في باب: ذكر أخلاقه الشريفة ﷺ، والهيوب هنا بمعنى الجبان الذي يهاب الناس، أما ما جاء في الحديث الموقوف على التابعي عبيد بن عمير: «الإيمان هيوب» فمعناه أهل الإيمان الكمل يهابون أو شأن الـمؤمن الكامل أن يهاب الله تعالى ويخشى أن يعصيه، قاله ابن الأثير([76]).
فهو ﷺ أشجع الناس وأثبتهم قلبا، قال القاضي عياض: «وكان ﷺ من الشجاعة والنجدة بالـمكان الذي لا يجهل، قد حضر المواقف الصعبة، وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح»([77]).
وقد جاء في وصف شجاعته ﷺ أحاديث كثيرة جدا منها ما رواه الشيخان أن رجلا قال للبراء بن عازب رضي الله عنه: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل الـمسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله ﷺ فلم يفر، فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء وإن أبا سفيان([78]) ءاخذ بلجامها([79]) والنبي ﷺ يقول: «أنا النبي لا كذب([80])، أنا ابن عبد الـمطلب»([81]).
380- يختار أيسر الأمور إذ ما
|
| خير إلا أن يكون إثما
|
ومن حكمته ﷺ أنه كان (يختار أيسر) أي أسهل (الأمور) أي (إذ ما خير) بين أمرين وذلك تيسيرا على أمته ﷺ وإشفاقا عليهم (إلا أن يكون) الأيسر من الأمرين (إثما) فإنه يكون أبعد الناس من الإثم تنزها واجتنابا.
فإن قيل: لا يخيره الله بين فعل الإثم وما لا إثم فيه، فما معنى قول عائشة رضي الله عنها الذي تبعها فيه الناظم: «ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما»؟
فالجواب كما قال الحافظ النووي([82]): «إنما يتصور ذلك إذا خيره الكفار والمنافقون، فأما إن كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون الاستثناء منقطعا» اهـ. أي لا يخيره الله إلا بين خيرين، كما يقال: حسن وأحسن، ويؤيد هذا الرواية الأخرى: «ما خير بين أمرين إلا اختار أرشدهما».
وعليه فيكون تقدير ما في البيت: (يختار أيسر الأمور) أي أسهلها (إذ ما خير» بين أمرين لأنه ﷺ يحب التخفيف عن أمته، وكذلك كان يفعل إن خيره الكفار والـمنافقون (إلا أن يكون) الـمخير فيه إثما فإنه يكون أبعد الناس منه.
381- لم ير ضاحكا بملء فيه
|
| ضحكه تبسم يبديـه
|
ومن كريم شيمته وعلو أدبه وكمال هيبته ﷺ أنه (لم ير) قط (ضاحكا) يقهقه (بملء فيه) بصوت كما تضحك عامة الناس قهقهة بل (ضحكه) ﷺ (تبسم) جميل (يبديه) أي يظهره انفراج الشفتين الشريفتين الكاشفتين عن الثنايا لا ضحك على سبيل المبالغة كالذي يصدر معه من الضاحك صوت مرتفع أو تظهر معه لهاة الضاحك.
ولا ينافي ما ذكر هنا الحديث الذي رواه الشيخان أنه ﷺ «ضحك حتى بدت نواجذه» لأن ظهور النواجذ – وهي الأسنان التي في مقدم الفم أو الأنياب – لا يستلزم قهقهة ولا ظهور لهاة([83])، والدليل على أنه ﷺ ضحك بهيئة فوق مجرد التبسم الخفيف الذي لا تظهر معه الأسنان ما جاء في الروايات التي أثبتت ظهور بعض أسنانه كالنواجذ وهو يضحك.
فإن قيل: إنما النواجذ أواخر الأسنان ولا تظهر إلا في الضحك المبالغ فيه.
فالجواب: أنه وإن أريد بالنواجذ الأواخر من الأسنان لا الأنياب إلا أن المراد ضحكه في بعض الأحيان بهيئة فوق حاله الغالب من التبسم وليست هي الهيئة المعتادة عند العوام في القهقهة، وهذا معنى ما ذكره الكرماني([84]) والحافظ العسقلاني([85]) وغيرهما([86]).
فمن تتبع الآثار المروية عرف أن الجمع بين الوارد في أنه ﷺ كان ضحكه تبسما والمأثور في أنه ضحك أحيانا حتى بدت نواجذه تبين له أن معناه تبسم إلى ذلك الحد. وقد ثبت في الحديث الذي رواه ابن ماجه في «السنن» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» أي تجلب الغفلة، وأكثر ما تنشأ عنه كثرة الضحك حب الدنيا فيموت القلب من استحكام الغفلة واستحواذها عليه، وإن مات القلب أمسى قاسيا لا يتأثر بالمواعظ، فلذلك لم يكن دأب الصالحين غلبة الضحك على أحوالهم ومقاماتهم.
382- يعجب مما يعجب الجليس
|
| منـه فما بوجهه عبوس
|
وكان ﷺ (يعجب) أي يتعجب (مما يعجب الجليس) أي يتعجب (منه) تطييبا لخواطرهم ومؤانسة وجبرا لقلوبهم([87]).
وكان ﷺ طلق الوجه مليح البشر مع القريب والغريب والأدنى والبعيد والغني والفقير والعبد والحر، (فما) كان يرى (بوجهه) أي في وجهه (عبوس) في زائر له أو وافد عليه بل ويصبر على جفوة الغريب في منطقه ومسألته، والعبوس تقطيب ما بين العينين. وقد حث ﷺ على ملاحة البشر في وجه الغير فقال ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة» رواه الترمذي، وقال أيضا: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق([88])» رواه مسلم والترمذي.
وكان أصحاب النبي ﷺ يستجلبون أحيانا بعض الغرباء إلى مجلسه ﷺ كي يستفيدوا هم والصحابة من جوابه ﷺ على أسئلة أولئك الغرباء، وذلك أنهم كانوا يسألونه ﷺ ما بدا لهم فيجيبهم هو تأليفا لقلوبهم ويقول لأصحابه: «إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه» أي أعينوه على طلبته.
وروى البخاري وبعض أصحاب السنن عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا([89])، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء([90])».
وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «من كان في حاجة أخيه([91]) كان الله في حاجته» أي يعينه الله تعالى في قضاء حوائجه ويلطف به فيها، وليس معناه أن الله تعالى يحتاج إلى أحد، حاشاه، {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15].
وكان (أصحابه) ﷺ (إذ يتناشدونا) والألف للإطلاق فيما (بينهم) أي يطلب بعضهم من بعض أن ينشد (الأشعار) الجائزة، والإنشاد هو أن يقرأ المرء الشعر، لنفسه كان أو لغيره، وكانوا (يضحكونا) إذ يتحادثون (ويذكرون) أمورا حصلت (جاهلية) أي في فترتها (فما) كان ﷺ يزجرهم ولا يمنعهم عما لا إثم فيه من ذلك بل كان لا (يزيد) على (أن يشركهم) في الـمجلس سكوتا و(تبسما) وهذا إقرار منه ﷺ.
وما ذكره الناظم هنا هو ما رواه الترمذي في «جامعه» وأحمد في «مسنده» عن جابر بن سمرة قال: «جالست النبي ﷺ أكثر من مائة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، فربما يتبسم معهم».
وفي حديث عند مسلم عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله ﷺ؟ قال: نعم كثيرا، «كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم».
ولا بأس بالكلام الـمباح والأكل الـمباح والنوم في الـمسجد، ولا التفات إلى من يحرم شيئا من هذا جهلا منه وتحريما لما أحل الله ورسوله.
([1]) الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، ابن علان البكري، (6/145).
([3]) أي: لا تخافوا مكروها يصيبكم.
([6]) هي الجماعة دون العشرة، وقيل: دون الأربعين.
([7]) أي: أطلب منه ما يحملنا من الإبل وتحمل أثقالنا، وذلك كان في غزوة تبوك.
([8]) هو: الإبل من الثلاث إلى العشرة.
([10]) أي: الله تعالى أعطاني ما أحملكم عليه، ولولا ذلك لم يكن عندي ما أحملكم، والله تعالى منزه عن الـمباشرة الـمماسة في أفعاله، فالـمماسة والمباشرة من صفات الخلوقين.
([11]) شرح الدرر السنية، نور الدين الأجهوري، (ق/127).
([14]) لسان العرب، جمال الدين بن منظور، (10/466).
([15]) جمع فريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف، وهي ترجف عند الخوف الشديد.
([17]) هو اللحم الـمملح الـمجفف بالشمس. وليس مراده بذلك الحط من شأن والدته السيدة الصالحة ءامنة رضي الله عنها، حاشاه، إنما يعني بذلك أنه متواضع ابن متواضعة، وقد سبق الكلام على شأن السيدة ءامنة رضي الله عنها أول الكتاب وأنها كانت مؤمنة تقية صالحة ولية عارفة بالله تعالى.
([18]) أي زيادة على ما أنت فيه من التواضع، وقد بلغ r الغاية في تواضعه، وهو الذي قال: «من تواضع لله رفعه»، فهو r حبيب رب العالمين وسيد الـمتواضعين.
([19]) أي: لا يحضر له طعام بالجفان وهي القصاع الكبار.
([20]) وهو دليل لأهل السنة على جواز التأويل.
([21]) هو ما دون الركبة من ساق الشاة ونحوها.
([22]) أي: أصحلت حياضي لشرب إبلي.
([23]) أي: في كل ذي كبد عطشى لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر.
([25]) مفرد، والذفرى هو الموضع الذي يعرق منه البعير خلف الأذن.
([26]) أي: تكده وتتعبه في العمل.
([27]) وقد يسر لنا الله الوهاب أن عملنا تحقيقا لمتن الأدب الـمفرد مع حواشي نافعة وشرحناه في خمس مجلدات، فلينظرا.
([28]) بكسر القاف الهيئة والحالة.
([29]) الروض الأنف، أبو القاسم السهيلي، (4/71).
([30]) وفي ذلك إشارة إلى تأكيد معنى البيعة ولتنال النساء البركة من أثر يده r التي وضعها في الماء من غير مس للنساء.
([31]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (3/139).
([32]) نسبة إلى أبة بضم الهمزة قرية من قرى تونس.
([33]) إكمال إكمال الـمعلم، محمد بن خليفة الأبي، (6/586).
([35]) أي: الـمبايعة الـمعاقدة.
([36]) المسمى «النظام الاجتماعي في الإسلام»، تقي الدين النبهاني، (ص35).
([37]) المسمى «الشخصية الإسلامية»، تقي الدين النبهاني، (2/22، 23).
([38]) المصدر السابق، (1/71، 72).
([39]) أصول الدين، أبو منصور البغدادي، (ص337).
([40]) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، محمد المرتضى الزبيدي، (2/135).
([41]) المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، أبو إسحاق الشاطبي، (9/492).
([42]) أي: ليفسح بعضكم عن بعض.
([43]) أي: لا يقدم في المجلس ركبته الشريفة على ركبة جليسه.
([44]) أي عوالي المدينة من قرى شمالها.
([45]) قال العسقلاني في «الفتح» (10/490): «والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد».
([46]) وقد أكرمني الله عز وجل بأن أهديت إلي قطع من نعل سيد الخلق محمد r عن طريق بعض أهل البيت الأشراف وقد عرضتها على شيخنا وأستاذنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله الهرري الحبشي رضي الله عنه فأخذها باحترام وقبلها ووضعها على عينيه وصدره.
([47]) شرح صحيح البخاري، ابن بطال المالكي، (5/148).
([48]) المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، أبو إسحاق الشاطبي، (9/492).
([49]) دليل الفالحين، ابن علان البكري، (1/233).
([51]) هو خبز يابس، فارسي معرب.
([53]) أي: إيراد الكلام بالأفانين أي الأساليب الـمختلفة.
([55]) وهذا يدل على أنه كان يواجه في أحيان أخرى على حسب ما تقتضيه المصلحة.
([57]) أي: الإنسان المتواضع ولا أجلس كهيئة الملوك.
([59]) أي قالت: فداك أبي وأمي يا رسول الله.
([60]) هو الكساء يوضع على ظهر البعير.
([64]) أي قدر الكفاية وليس هو الشبع الـمذموم الذي يفعله العامة وهو الأكل إلى حد الامتلاء فقد جاء في الحديث الصحيح: «بحسب ابن ءادم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث طعام وثلث شراب وثلث نفس»، وقد كان النبي r يأكل سبع أو تسع لقيمات بأصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى تقليلا لكمية اللقمة ويأكل بنية حسنة ما وجده من الحلال.
([65]) وهو تصغير للإشفاق والتأنيس لا للاحتقار حاشاه.
([67]) أي: أنت ملك لله وحده ولست عبدا مملوكا لي لأنني أعتقتك، والله ربك لا خالق لك سواه.
([68]) وهو قرن الـمنازل ميقات نجد تلقاء مكة على يوم وليلة منها، وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير. ينظر: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، شهاب الدين العمري، (2/340).
([69]) سمع الله أزلي أبدي يسمع به سائر المسموعات، وسمعه لا يتغير ولا يحدث له سمع شيئا بعد شيء ولا هو بأذن ولا صماخ ولا خرق ولا عظم ولا جارحة ولا ءالة، وكذا كل صفته تعالى هي صفات أزلية أبدية ليست بأعضاء ولا جوارح ولا تشبه صفات المخلوقين ولا بوجه من الوجوه.
([70]) مبتدأ وخبره محذوف تقديره «كما علمت» أو «كما قال جبريل».
([71]) قال الحافظ العسقلاني: «هما جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله وكأنه قعيقعان وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان ووهم من قال هو ثور كالكرماني، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما والـمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة» اهـ. أي من الكفار لإهلاكهم.
([72]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (8/102).
([73]) المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن بن سيده، (3/114).
([74]) تهذيب اللغة، أبو منصور الأزهري، (4/112).
([75]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، (20/95).
([76]) النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين بن الأثير، (5/285).
([77]) الشفا، القاضي عياض بن موسى، (1/235).
([79]) قال الكراماني «الكواكب الدراري» (12/144): «وكان قد أخذ بلجام بغلته ليكفها عن إسراع التقدم إلى العدو لا لاعتقاده أن رسول الله r ينهزم، حاشاه من ذلك».
([80]) قال القسطلاني «إرشاد الساري» (5/77): «أي أنا النبي والنبي لا يكذب فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن أن الذي وعدني الله به من النصر حق».
([81]) قال ابن الدماميني «مصابيح الجامع» (6/265): كان بعضهم لا يقف على قوله: «لا كذب» بالسكون بل بفتحة ليخرج عن وزن الشعر، وهذا تغيير للرواية الثابتة بمجرد خيال يقوم في النفس، وقد قدمنا ما يدفع كون هذا شعرا فلا حاجة إلى إخراج الكلام عما هو عليه في الرواية».
([82]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (15/83).
([83]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (8/587).
([84]) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، شمس الدين الكرماني، (23/33).
([85]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (4/171).
([86]) كالبرماوي والشمس الرملي والبدر العيني والسيوطي وزكريا الأنصاري.
([87]) وقد عهدنا ذلك من شيخنا الإمام الـمربي الفاضل والولي الصالح عبد الله الهرري رحمه الله، فإنه كان يتعجب مما يتعجب منه جليسه الذي يكلمه فيقول الشيخ عند سماعه حديث ضيفه: «هكذا؟ هاه؟!» وذلك من باب المؤانسة والـملاطفة وتطييب خاطر جليسه اقتداء بالأخلاق النبوية الشريفة.
([88]) قال الحافظ النووي «شرح صحيح مسلم» (16/177): «روي طلق على ثلاثة أوجه: إسكان اللام وكسرها وطليق بزيادة ياء، ومعناه سهل منبسط».
([89]) أي: إذا عرض صاحب حاجة حاجته علي اشفعوا له إلي، فإنكم إن شفعتم له حصل لكم بتلك الشفاعة أجر.
([90]) أي: إن قضيتها أو لم أقضها فهو بتقدير الله تعالى وقضائه.