398- ولم يعب قط طعاما يحضره
|
| يأكله إن يشتهي أو يذره
|
(و)من جميل صفاته ﷺ أنه (لم يعب) أي لم يذم (قط) أي أبدا (طعاما) حلالا مما كان (يحضره) بل كان شأنه ﷺ أنه إذا حضره طعام (يأكله إن يشتهيـ)ـه أي كانت تقبله نفسه (أو) أي وإلا فإنه (يذره) فلا يأكل منه إن كرهه وذلك من غير أن يعيبه، كالضب فإنه ﷺ لم يحرمه ولا عابه ولكن لم يأكله. قال الحافظ النووي([1]): «تعييب الطعام هو أن يقول: هذا مالح، قليل الـملح، حامض، رقيق، غليظ، غير ناضج، ونحو ذلك، وأما قوله ﷺ للضب: «لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» فبيان لكراهيته لا إظهار عيبه».
(و)إذا جلس ﷺ ليأكل فإنه (لم يكن جلوسه متكيا) أي متكئا معتمدا على أحد شقيه أو على شيء يطؤه تحته (في حالة الأكل) بل ذلك غالبا ما يكون عادة الشره النهم، (ولكن) كان ﷺ يجلس حال الأكل (مقعيا) أي جالسا على أليتيه ناصبا ساقيه مستوفزا غير متمكن، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى، وهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأن الأعضاء كلها تكون على وضعها الطبيعي، وأردأ الجلسات للأكل الاتكاء على الجنب فإنه يمنع مجرى الطعام على هيئته ويعوقه عن سرعة تعوده إلى الـمعدة، قاله الشيخ الصالحي([2])، وقد ثبت في الحديث أنه ﷺ قال: «أما أنا فلا ءاكل متكئا».
قال القاضي عياض([3]): «والاتكاء هو التمكن للأكل، والتقعدد([4]) في الجلوس له كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه، والنبي ﷺ إنما كان جلوسه للأكل جلوس الـمستوفز مقعيا ويقول: «إنما أنا عبد، ءاكل كما يأكل العبد([5])، وأجلس كما يجلس العبد» وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند الـمحققين».
وتابعه الـملا علي قائلا([6]): «بل هو المعنى الأعم الشامل له ولغيره، بخلاف ما فهم العامة من أن الاتكاء منحصر في الميل إلى أحد شقيه أو الاستناد إلى ما وراءه، وبهذا يجمع بين ما قاله المصنف ههنا وما ذكره في «الإكمال» عن الخطابي قال: إنه خالف في هذا التأويل أكثر الناس وإنهم إنما حملوا الاتكاء على أنه الـميل على أحد الجانبين، ولذا أنكره عليه ابن الجوزي وقال: المراد به المائل على جنبه، والله أعلم» اهـ.
وتعقب الخطابي الشيخ محمد الصالحي فقال([7]): «فإن كان الـمراد بالاتكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء([8]) الذي تحت الجالس كما نقل عن الخطابي، فيكون المعنى: إني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الأكل، لكن ءاكل بلغة([9]) من الزاد فلذلك أقعد مستوفزا» اهـ.
وكان ﷺ (تعجبه الذراع) أي يعجبه طعمها لاستطابتها له ولأنها أخف على الـمعدة وأسرع من غيرها هضما، ولم يكن ﷺ يتتبع اللحم ولا غيره أو يعتاد أكلهما تنعما، فهو ﷺ أزهد الناس وأبعد الناس عن التنعم.
وقد روي أن زينب بنت الحارث اليهودية امرأة ابن مشكم دعت رسول الله ﷺ إلى مائدة عليها ذراع وسممته فيه، وذلك أنها جعلت في بادئ الأمر تسأل: أي الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها([10])، ثم عمدت إلى سم لا يبطئ – أي لا يلبث أن يقتل من ساعته – وقد شاورت يهود في سموم فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة وأكثرت في الذراعين، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه وفيهم بشر بن البراء، وتناول ﷺ الذراع فانتهى منها([11])، وتناول بشر بن البراء عظما ءاخر، فلما ازدرد([12]) ﷺ لقمته ازدرد بشر بن البراء ما في يده وأكل القوم، فقال ﷺ: «ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة». فقال بشر بن البراء للنبي ﷺ: قد والله يا رسول الله وجدت ذلك([13]) من أكلتي التي أكلتها، فما منعني أن ألفظها إلا كراهية أن أنغص إليك طعامك، فلما تسوغت ما في يدك لم أرغب بنفسي عن نفسك([14])، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغي([15])، فلم يرم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان([16]) وماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حول، ثم مات منه، ويقال: لم يرم من مكانه حتى مات، وهذه للبراء شهادة، وقد عاش رسول الله ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين.
وقد اختلف فيما فعل بزينب بنت الحارث، فقال البيهقي يحتمل أن يكون تركها أولا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها، وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها، لأنه كان لا ينتقم لنفسه([17]) ثم قتلها ببشر قصاصا، وقال الحافظ العسقلاني([18]): «ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه، وذكر أبو سعد النيسابوري أنه قتلها وصلبها([19]).
وقد روى أبو داود في «سننه» أن النبي ﷺ لما كان في وجعه الذي مات فيه قال: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهري». والأبهر عرق مستبطن بالصلب متصل بالقلب ثم تتشعب منه سائر الشرايين، إذا انقطع مات صاحبه([20]). وفي رواية لأبي نعيم: «تعاودني في كل عام» أي يراجعني الألم فأجده في جوفي كل عام بسبب أكلي من الطعام المسموم، وفي ذلك دليل على أنه قد نال ﷺ مع علو درجته الشهادة أيضا.
وفي خبر الشاة المسمومة فوائد جمة غير ما سبق، منها:
400- …………………والدباء
|
| والعسل المحبوب والحلواء
|
(و)كان ﷺ يعجبه (الدباء) وهو اليقطين، وقيل: القرع المعروف بالحجاز، فكان ﷺ يستحسنه ويحب تناوله لمنافعه؛ فهو جيد التغذية، يزيد في الدماغ، ويقوي البصر، ويلين البطن، ويسكن العطش.
وروى الشيخان وبعض أصحاب السنن عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة»، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ.
وروى ابن ماجه في «سننه» عن جابر رضي الله قال: دخلت على النبي ﷺ في بيته وعنده هذا الدباء، فقلت: أي شيء هذا؟ قال: «هذا القرع، هو الدباء نكثر به طعامنا».
(و)كذلك (العسل) وهو (المحبوب) للناس عامة كان يعجبه ﷺ الممزوج منه بالماء، كما ذهب إليه جمهور الشراح، ويشربه ﷺ من ساعته. قال الـمناوي: «وفيه من حفظ الصحة ما لا يهتدي لمعرفته إلا فضلاء الأطباء، فإن شربه ولعقه على الريق يذيب البلغم، ويغسل خمل الـمعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع فضلاتها، ويفتح سددها، ويسخنها باعتدال، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والـمثانة، وإنما يضر بالعرض لصاحب الصفراء لحدته وحدة الصفراء»([21]).
قال أبو بكر بن العربي([22]): «اللبن والعسل مشروبان عظيمان سيما لبن الإبل فإنها تأكل من كل الشجر، وكذا النحل لا تبقي نورا([23]) إلا أكلت منه، فهما مركبان من أشجار مختلفة وأنواع من النبات متباينة، فكأنهما شرابان مطبوخان مصعدان لو اجتمع الأولون والآخرون على أن يركبوا شيئين منهما ما أمكن، فسبحان جامعهما».
وقد جاء في القرءان بيان عظيم بركة العسل فقال تعالى: {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس} [النحل: 69]، وكذلك قال النبي ﷺ: «عليكم بالشفائين القرءان والعسل» رواه البيهقي والحاكم.
وروى أبو داود في «سننه» عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي ﷺ لبد رأسه بالعسل».
(و)كذلك (الحلواء)([24]) كان يعجبه، وهو اسم لطعام عولج بحلاوة كعسل وسكر ونحوهما، قاله الأزهري، وذهب النووي إلى أنه كل حلو وإن لم تدخله صنعة، فقد يطلق على الفاكهة. والحلواء محبوبة عند الناس عامة لملاءمتها للنفس والبدن.
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله([25]): «الحلواء ليس على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها وتأنق الصنعة في اتخاذها فعل أهل الشره والنهم، وإنما هو أنه كان إذا قدم له الحلواء نال منها نيلا صالحا من غير تقدير، فيعلم بذلك أنه قد أعجبه طعمها وحلاوتها».
(و)كان ﷺ (يأكل البطيخ) بالرطب أي معه أحيانا (والقثاء) بكسر القاف على المشهور ويضم (برطب) أحيانا أخرى، وكان ﷺ (يبغي به) أي الجمع بينهما إذا تناولهما (الدواء) أي الانتفاع به للبدن وذلك بالجمع بين الحار والبارد، وكان (يقول يطفي) وفي رواية: «يكسر» (برد) هــ(ـذين) البطيخ والقثاء (حر) هــ(ذا) أي الرطب.
ويؤخذ من فعله ذلك ﷺ جواز مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على الوجه الأليق بها على قاعدة الطب، لأن في الرطب حرارة وفي القثاء والبطيخ برودة، فإذا أكل البارد مع الحار معا اعتدلا.
ومن فوائد أكل هذا المركب تعديل الـمزاج وتسمين البدن، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله ﷺ، فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب، فسمنت كأحسن السمن».
وقد يشكل بأن البطيخ النضيج حار لحلاوته، فالجواب كما قال الـمظهري([26]) والشهاب الرملي([27]) والسيوطي([28]) وغيرهم إن الـمراد بالبطيخ هنا حاله قبل أن ينضج ويصير حلوا، فإنه قبل نضجه وحلاوته يكون باردا.
واختلف في البطيخ، فقيل هو الخربز، وقيل: الأصفر، وقيل: الأحمر. ويتمسك بعضهم للقول الأول بحديث النسائي عن حميد عن أنس رضي الله عنه: «رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الرطب والخربز([29])» وحسن سنده الحافظ العسقلاني([30]).
قال الشهاب الرملي([31]): «والمراد بالبطيخ في حديث الباب: الأخضر، فإنه وصفه بالبرودة، والبارد الأخضر، وأما الأصفر فإنه حار». وتعقبه الحافظ فقال([32]): «وقد تكبر القثاء فتصفر من شدة الحر فتصير كالخربز كما شاهدته كذلك بالحجاز، وفي هذا تعقب على من زعم أن الـمراد بالبطيخ في الحديث الأخضر واعتل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفئ حرارة الآخر، والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة».
واختلف في القثاء، فقيل: هو المعروف بالفقوس في اصطلاح مصر، وقيل: الخيار([33]).
وفي جمعه ﷺ بين الطعامين بيان لإباحة الجمع بين نوعين من حلال الأطعمة، قال الحافظ النووي([34]): «وفيه جواز أكل الطعامين معا والتوسع في الأطعمة، ولا خلاف بين العلماء في جواز هذا، وما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمحمول على كراهة اعتياد التوسع والترفه والإكثار منه لغير مصلحة دينية» اهـ.
ففي بعض ما سبق إرشادات نبوية شريفة للعباد، (وكل إرشاد) أرشد إليه ﷺ بقوله أو فعله (فعنه) بلا تردد (أخذا) أي خذه واعمل به، كيف لا، وقد أعطى الله تعالى نبيه ﷺ علم الأولين والآخرين.
403- يأكل بالأصابع الثلاثة
|
| يلعقها لقصد ذي البـركة
|
وكان ﷺ (يأكل بالأصابع الثلاثة) الإبهام والسبابة والوسطى من يده اليمنى الشريفة، وفي اقتصاره ﷺ على الأكل بالثلاث أدب جميل مشعر بعدم الشره في الطعام والاقتصار على ما يحتاج إليه تقليلا من غير تكثير وهذا فيما يتأتى فيه ذلك من الأطعمة، أما إذا كان المرء يأكل ما لا يتأتى ذلك فيه استعان عليه بما يحتاج إليه من أصابعه. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الثلاثة هي السبابة والوسطى والخنصر وأنه يستعان معها بالإبهام رابعا للإمساك باللقمة([35]).
(يلعقها) أي يلحس الأصابع الثلاثة بفمه الشريف (لقصد) تحصيل (ذي) أي هذه (البركة) الحاصلة في أثر الطعام. والأصل في معنى البركة الزيادة من الخير وثبوته، والمراد هنا ما يحصل به التغذية وتسلم به عاقبة الآكل من الأذى ويقوى معه على الطاعة وغير ذلك، قاله النووي([36]).
وثبت عنه ﷺ قوله: «إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها»، معناه لا يمسح يده حتى يلعقها هو، فإن لم يفعل فليلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك كزوجة وولد وخادم يحبونه ويلتذون بذلك ولا يتقذرون. قال النووي([37]): «وكذا من كان في معناهم كتلميذ يعتقد بركته ويود التبرك بلعقها، وكذا لو ألعقها شاة ونحوها».
وفي رواية عند مسلم زيادة: «إنكم لا تدرون في أيه البركة» معناه أن الطعام الذي يحضره المرء فيه بركة ولا يدري أن تلك البركة فيما أكله أو فيما بقي على أصابعه أو في ما بقي في أسفل القصعة فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصل البركة، قاله النووي([38]).
وكيفية اللعق البدء بالوسطى من الأصابع ثم السبابة ثم الإبهام، والسبب في البدء بالوسطى أنها أكثر ما يصيبه أثر الطعام من الثلاثة الأصابع لأنها أطول الأصابع فيعلق بها أكثر مما يعلق من غيرها أو لأنها أول ما يصيبه الطعام من بين الثلاثة غالبا، ومثله سبب تقديم السبابة على الإبهام، وقيل غير ذلك([39]).
وكان ﷺ إذا أراد الأكل أو الشرب (يبدأ) متبركا (باسم الله) أي بذكر اسم الله تعالى، وإثبات الألف في «باسم» من «باسم الله» هو الـمقدم – وقد تحذف – لكن حقها أن تثبت، ومثلها «باسم ربك»، وتحذف من «بسم الله الرحمن الرحيم» لكثرة استعماله.
(ثم) كان ﷺ (يختم بالحمد) لله (في شرب) يشربه (وأكل يطعمـ)ـه أي عقبهما، فقد روى البخاري وابن ماجه وأبو داود عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: «الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا([40])».
405- يشرب في ثلاثة أنفاسا
|
| يمص فـهو أهنأ اختلاسا
|
وكان ﷺ (يشرب في ثلاثة) من الـمرات ويتنفس (أنفاسا) ثلاثة عقب كل شربة بإبانة الإناء عن فمه، ويحمد الله تعالى في كل نفس ويشكره في ءاخره، كذلك رواه ابن السني.
وكان ﷺ (يمص) الماء مصا أي على مهلة شربا رقيقا لا عبا والعب الشرب تتابعا من غير تنفس([41])، وقد جاء في حديث رواه البيهقي بسند فيه ضعف([42]) عن أنس مرفوعا: «مصوا الماء مصا ولا تعبوه عبا»، وفي بعض الروايات زيادة: «فإن الكباد من العب» أي وجع الكبد يأتي من العب بسب هجوم الماء جملة واحدة على الجوف.
(فهو) أي الشرب على هذه الصفة (أهنأ) أي أروى لآخذه (اختلاسا) أي على جرعات قليلة الكم.
ثم إنه ﷺ مع كونه يتنفس بين الشربات لكن (لم يتنفس في) شربه من (الإنا)ء أي داخله (إذ يشرب) منه بل (يبينه) أي يبعده (عن فيه) أي فمه الشريف (فهو) أي علة ذلك أنه (أطيب) وأحسن في الشرب كما جاء عنه ﷺ عند ابن حبان في «صحيحه» عن بهز قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب يتنفس ثلاث مرات ويقول: «هو أهنأ وأبرأ وأمرأ» معناه أقمع للعطش، وأقوى على الهضم، وأقل أثرا في برد الـمعدة وضعف الأعضاء، قاله الشمس البرماوي([43]).
ومن الحكمة في النهي أدبا عن التنفس في الإناء – كما ذكر غير واحد من الفقهاء([44]) – أنه إذا فعل ذلك لم يؤمن أن يبدر من فيه الريق فيخالط الماء فيعافه الشارب منه، وربما تروح بنكهة الـمتنفس إذا كانت فاسدة فيفسد لرقة طبع الماء ولطفه.
أما نفسه ﷺ فهو شريف مبارك أطيب من الطيب وأزكى من الماء الذي لم يباشره ﷺ
بعد، فإذا باشره بشربة منه حل فيما بقي من الماء في الإناء بركة لا يعلم عظمها إلا الله عز وجل، فعلم من ذلك أن إبانته ﷺ للإناء عن فمه والتنفس خارجه هو لتعليم أمته.
فإن قيل: ما التوفيق بين الحديث المذكور ءانفا وبين حديث البخاري عن أنس رضي الله عنه أن كان يتنفس في الإناء ويقول إن النبي ﷺ كان يفعله؟
فالجواب: أنه ذهب أكثر الشراح إلى أن الـمراد تنفسه في الإناء أي بين الشربات من الإناء، فكان يتنفس خارجه مبينا للإناء عن فيه الشريف ولا يتنفس نفسه الزكي فيه. وذهب ابن بطال([45]) إلى أن المرء إذا شرب مع من لا يتقذر منه فالتنفس له مباح، ولذلك تنفس ﷺ لعلمه برغبة الناس فيما يتنفس فيه ليدل أمته على إباحة ذلك ممن لا يتقذر بنفسه، ألا ترى أنه مج في وجه محمود بن الربيع مجة فكانت له بذلك فضيلة.
وكان ﷺ (يشرب) الشراب ماء أو غيره (قاعدا) في أكثر أحواله (و)يشرب (من قيام لـ)ـأمر (عارض كـ)ـشربه من بئر (زمزم) الـمنسوب إلى الـمسجد (الحرام) لكونه موجودا فيه، فلذلك حرك الناظم ءاخر «زمزم» بالكسر مضافة إلى «الحرام»، وزمزم ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث.
(و)مما أثر عنه ﷺ من فعله (شربه) الماء (من) فم (قربة معلقة) وهو قائم، والقربة بكسر القاف ظرف من جلد يخرز من جانب واحد يستقى به الماء واللبن ونحوهما مما حفظ فيها، وقال بعضهم([46]): السقاء للماء واللبن ونحوهما، والوطب([47]) للبن أو مع السمن خاصة([48])، والقربة للماء خاصة، وقد (دل به) أي بشربه ﷺ (للرخصة) أي على جواز شرب الماء قياما، وهذه الرخصة (المحققة) أي الثابتة دل عليها حديث كبشة الأنصارية أخت حسان رضي الله عنهما: «أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها قربة معلقة فشرب منها وهو قائم»، فقطعت فم القربة تبتغي بركة موضع في([49]) رسول الله ﷺ. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهذا دليل لأهل السنة على جواز التبرك بما مسه رسول الله ﷺ بيده أو بفمه الشريف كما فعلت هذه الصحابية الجليلة بقطعها فم القربة وتبركها بها بعد ذلك ثم تبرك غيرها من بعدها بذلك.
وكان ﷺ إذا شرب شرابا لبنا أو غيره وحوله من أصحابه (يناول) من سؤره أي ما بقي من مشروبه (الأيمن) من صحابته أي من كان منهم على يمينه (قبل) الذي هو على الجانب (الأيسر) منه، وإن كان الذي على يمين النبي ﷺ مفضولا، فقد روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه – وهو ابن عشر سنين – أن رسول الله ﷺ أتي بلبن قد شيب بماء([50]) وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ﷺ ثم أعطى الأعرابي وقال: «الأيمن فالأيمن([51])»، وفي رواية: «الأيمنون الأيمنون([52])، ألا فيمنوا([53])»، وفي ثالثة: «الأيمنون الأيمنون الأيمنون». قال أنس: «فهي سنة فهي سنة فهي سنة». وجاء في رواية أن الذي كان على يمينه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وفي الحديث فوائد كثيرة، منها:
410- والبارد الحلو يحب شربه
|
| واللـبن استزاد إذ أحبه
|
ولم يكن ﷺ يقدم الأيسر على الأيمن (إلا بإذنه) أي القاعد على يمينه تطييبا لخاطره لا وجوبا عليه، وإنما كان يقدم (لـ)ـمصلحة يراها كمراعاة (حق الأكبر) سنا. وجاءت أحاديث كثيرة تدل على رعايته ﷺ حق الأكبر، منها ما رواه أبو داود في «سننه» عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يستن([54]) وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحى الله إليه في فضل السواك، أن كبر([55]) أعط السواك أكبرهما». وروى الطبراني في «الـمعجم الأوسط» وأبو يعلى في «الـمسند» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال: «ابدؤوا بالكبير أو بالأكابر».
وفي حديث رواه الشيخان وغيرهما أنه ﷺ أرشد إلى أن يكون متحدث القوم أكبرهم فقال ﷺ: «الكبر الكبر»، وفي رواية: «ليبدإ الأكبر»، وفي ثالثة: «كبر كبر».
وربما استأذن ﷺ في تقديم من على شماله على من على يمينه كما استأذن ابن عباس رضي الله عنهما وهو غلام وكان خالد بن الوليد عن شماله وذلك في بيت ميمونة وقد جاءتهم بإناء من لبن، وقد روى الحديث مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ونصه أن رسول الله ﷺ أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام([56]) وعن يساره أشياخ([57]) فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلام: لا والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال: فتله رسول الله ﷺ في يده([58]).
قال بعضهم: إنما استأذن النبي ﷺ الغلام دون الأعرابي إدلالا على الغلام – وهو ابن عباس – وثقة بطيب نفسه بأصل الاستئذان لا سيما والأشياخ أقاربه، نقله النووي([59]).
وقال القاضي عياض: «وفعل ذلك أيضا تأليفا لقلوب الأشياخ وإعلاما بودهم وإيثار كرامتهم إذا لم تمنع منها سنة، وتضمن ذلك أيضا بيان هذه السنة وهي أن الأيمن أحق ولا يدفع إلى غيره إلا بإذنه، وأنه لا بأس باستئذانه، وأنه لا يلزمه الإذن»([60]).
وقد نص الشافعية وغيرهم على أنه لا يؤثر في القرب وإنما الإيثار المحمود ما كان في حظوظ النفس دون الطاعات، قالوا: فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول من الجماعة، وقال بعضهم: هو خلاف الأولى([61]).وقال الحافظ النووي([62]): «وأما الأعرابي فلم يستأذنه مخافة من إيحاشه في استئذانه في صرفه إلى أصحابه ﷺ، وربما سبق إلى قلب ذلك الأعرابي شيء يهلك به لقرب عهده بالجاهلية وأنفتها وعدم تمكنه في معرفته خلق رسول الله ﷺ، وقد تظاهرت النصوص على تأليفه ﷺ قلب من يخاف عليه».
وفي هذه الأحاديث بيان أن هذه هي السنة الواضحة وهو الـموافق لما تظاهرت عليه دلائل الشرع من استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وقد بين ﷺ أن الأيمن في الشراب ونحوه يقدم وإن كان صغيرا أو مفضولا لأن رسول الله ﷺ قد قدم الأعرابي والغلام على أبي بكر رضي الله عنه، وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف([63]).
ومن عظيم أدبه ﷺ ما رواه مسلم وبعض أصحاب السنن عن أبي قتادة وأبو يعلى عن ابن أبي أوفى – واللفظ له – قال: أصاب رسول الله ﷺ وأصحابه عطش فنزلنا منزلا فأتي بإناء فجعل رسول الله ﷺ يسقي أصحابه وجعلوا يقولون: اشرب فيقول ﷺ: «ساقي القوم ءاخرهم شربا» حتى سقاهم كلهم.
(و)كان ﷺ يعجبه (البارد الحلو) من الشراب و(يحب شربه) لما فيه من المنافع للبدن، فكان ﷺ يشرب اللبن بالماء البارد والماء بالعسل، وإذا شرب الماء بالعسل قال ﷺ: «إنه يبرد فؤادي ويجلو بصري» رواه ابن السني.
ومما شربه ﷺ من الحلو البارد ماء نقيع الزبيب، لكنه ﷺ كان لا يشربه إذا مر عليه مدة يخشى معها أن يتغير فيه الشراب عادة من النبيذ الحلو([64]) إلى الخمرية، وفي ذلك روى مسلم في «صحيحه» وبعض أصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: «كان رسول الله ﷺ ينبذ([65]) له الزبيب في السقاء([66])، فيشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه([67])» الحديث.
فائدة: ماء العسل هو الماء الذي أذيب فيه العسل، وهو نوعان: نيء ومطبوخ، ويصنع بوضع جزء من عسل وجزءان من ماء، فإذا أريد صنع المطبوخ منه وضع على نار هادئة حتى يذهب منه الثلث ثم ينزل عن النار ويصفى، فإن أريد فضل إسخان جعل فيه مصطكى أو زعفران أو زنجبيل أو قرنفل. وهو شراب حار بطبعه يقوي المعدة الباردة، ويشهي، ويدر البول، ويمنع من الأمراض الباردة، ويسهل الطبع إذا صادف خلطا مستعدا للاندفاع، وينفع من اللقوة ولمن عرض له استرخاء في أعضائه، وإذا قطر في العين جلا الآثار جلاء عجيبا، لكنه يضر بأصحاب الـمرار والورم الحار([68]).
(و)كان ﷺ يحب (اللبن) و(استزاد) أي طلب من الله الازدياد منه (إذ) استزاد لأنه (أحبه) فكان (يقول) في دعائه ﷺ: اللهم (زدنا منه) لأنه أراد بوجود الأكثر منه عظم النفع له ولأمته، وهذا يحمل على الإكثار من شكر الله تعالى حيث رزقهم شيئا ينفعهم نفعا عظيما كما أكده الرسول ﷺ، وقد علم أمته ذلك فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ أتي بلبن فشرب فقال: «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، وإذا سقي لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن» (فـ)ـاللبن (هو يجزي) أي يكفي ويغني في ءان واحد (عن الشراب والطعام المجزي) كل منهما للبدن.
([1]) المصدر السابق، (14/219).
([2]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (12/107).
([3]) الشفا، القاضي عياض بن موسى، (1/188).
([4]) والتقعدد تفعلل من القعود ومعناه التثبت والتمكن من القعود.
([5]) أي: الإنسان المتواضع لربه.
([6]) شرح الشفا، الـملا علي القاري، (1/213).
([7]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (8/180).
([8]) ضد الغطاء، وهو ما يجلس عليه.
([11]) أي: أخذ مشنه بمقدم أسنانه للأكل
([14]) لا على معنى أنه علم أنه ينضر فأكل منها.
([15]) أي: وفيها ما يؤذيك ويضرك.
([17]) وفي ذلك جواز العفو عن حق نفسه في القصاص.
([18]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (7/497).
([19]) الروض الأنف، أبو القاسم السهيلي، (6/571).
([20]) إرشاد الساري، شهاب الدين القسطلاني، (6/461).
([21]) فيض القدير، عبد الرؤوف الـمناوي (5/84).
([22]) عارضة الأحوذي، أبو بكر بن العربي، (8/89).
([25]) شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي، (8/83).
([26]) المفاتيح في شرح المصابيح، مظهر الدين الـمظهري، (4/519).
([27]) شرح سنن أبي داود، شهاب الدين الرملي، (15/492).
([28]) مصباح الزجاجة شرح سنن ابن ماجه، جلال الدين السيوطي (ص238).
([29]) قال الزبيدي «تاج العروس» (15/136): «الخربز بالكسر أهمله الجوهري، ونقل الصاغاني عن الكسائي هو البطيخ، وقال: عربي صحيح، أو أصله فارسي، قاله أبو حنيفة».
([30]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (9/573).
([31]) شرح سنن أبي داود، شهاب الدين الرملي، (15/492).
([32]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (9/573).
([33]) شرح سنن أبي داود، بدر الدين العيني، (6/301).
([34]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (14/219).
([35]) شرح سنن أبي داود، شهاب الدين الرملي، (15/514).
([36]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (13/206).
([39]) عمدة القاري، بدر الدين العيني، (21/76).
([40]) قال النووي في «الأذكار»: «وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله البارئ سبحانه وتعالى وأن الضمير يعود إليه وأن معنى قوله: «غير مكفي» أنه يطعم ولا يطعم (أي لا يطلب من خلقه أن يطعم بعضهم بعضا لعجز أو لاحتياج منه إليهم، فهو قادر على إيصال الرزق إليهم من غير استعانة، ولا يكونون سببا في فعله سبحانه) كأنه على هذا من الكفاية وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث أي أن الله تعالى مستغن عن معين وظهير. وقوله: «لا مودع» أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه، وهو بمعنى الـمستغنى عنه. وينتصب «ربنا» على هذا بالاختصاص أو الـمدح أو بالنداء كأنه قال: يا ربنا اسمع (أي استجب، والله لا يغيب عن سمعه شيء) حمدنا ودعاءنا، ومن رفعه قطعه وجعله خبرا، وكذا قيده الأصيلي، كأنه قال: ذلك ربنا، أو «أنت ربنا» ويصح فيه الكسر على البدل من الاسم من قوله: الحمد لله».
([41]) اللامع الصبيح، شمس الدين البرماوي، (14/225).
([42]) تخريج أحاديث إحياء علوم الدين، زين الدين العراقي، (2/907).
([43]) إتحاف السادة المتقين، محمد المرتضى الزبيدي، (5/592).
([44]) أعلام الحديث، أبو سليمان الخطابي، (1/244).
([45]) شرح صحيح البخاري، أبو الحسن بن بطال، (6/80).
([46]) الشافي في شرح مسند الشافعي، ابن الأثير الجزري، (1/128).
([47]) بإسكان الطاء كفلس، والجمع وطاب. ينظر: مصابيح الجامع، ابن الدماميني، (9/56).
([48]) النهاية في غريب الحديث والأثر، مجد الدين بن الأثير، (5/205).
([52]) مبتدأ وخبره محذوف أي الأيمنون أولى.
([53]) أي: فابتدؤوا بالأيمن، وهو اليمين.
([54]) معناه يستاك، وأصله مأخوذ من السن وهو إمرارك الشيء الذي فيه حزونة على شيء آخر ومنه الـمسن الذي يشسحذ به الحديد ونحوه، تريد أنه كان يدلك أسنانه، قاله الخطابي في «معالم السنن» (1/30).
([56]) وهو ابن عباس رضي الله عنهما.
([57]) أي: كبار في السن وفيهم خالد بن الوليد رضي الله عنه.
([59]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (13/201).
([61]) المصدر السابق، (14/161).
([62]) المصدر السابق، (13/201).
([63]) المصدر السابق، (13/200).
([64]) أي: ماء حلو طرح فيه الزبيب.
([66]) أي: القربة وعاء رقيق يترشح منها الماء وينفذ فيها الهواء فلا يسرع تغير النبيذ الحلو الطاهر فيها.
([68]) المعتمد في الأدوية المفردة، الملك الأشرف عمر بن يوسف، (1/396) و(2/97).