الخميس يناير 29, 2026

فصل في تبرئة النبي ﷺ من طعن الطاعنين فيه

تجرأ بعض الجهال في هذا الزمان من أدعياء الـمشيخة ومن يسمون «رعاة حقوق الطفل» على القول بتحريم وتجريم من ينكح بنتا صغيرة ويدخل بها وهي دون الست عشرة سنة، ويصف بعضهم وطء من كانت دون خمس عشرة سنة أو دون الثماني عشرة سنة بأنه انتهاك لحقوقها وإن كان ذلك الزواج حصل برضا أبيها، فلا يقفون عند حدود الشريعة في ذلك بل يطلقون العنان لألسنتهم طاعنين في أحكام الشريعة متكلفين رأيا يصادم الإسلام.

والحق في هذه المسألة أنه يجوز للولي الـمجبر تزويج البنت الصغيرة العاقلة في أي سن كانت إلا أنها لا تسلم للزوج ليطأها إلا في سن تحتمل فيه الوطء. وقد ثبت فيما أسلفنا أن عائشة رضي الله عنها دخل بها رسول الله ﷺ وهي بنت تسع سنين، إلا أن بعض السفهاء يطعنون في ذلك ويغمزون من قناة تضعيف سند أو نحو ذلك، فيرد عليهم من الإجماع الذي نقله منذ ألف سنة الحافظ ابن بطال (ت499هـ) ونص عبارته([1]): «أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن في المهد، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن».

سيدنا محمد ﷺ لم يكن معلق القلب بالنساء، فلم يتزوج قبل النبوة إلا خديجة رضي الله عنه ثم بعد أن صار عمره ثلاثا وخمسين تزوج بغيرها، فعدد ﷺ الزواج في خلال العشر سنوات التي قضاها بالـمدينة حتى اجتمع عنده تسع، وكان غرضه ﷺ نشر أحكام الشريعة من طريق النساء لأن تعلم النساء من النساء أسرع للنساء وأقرب إلى نفوسهن لأنه قد يمنعهن الاستحياء من تعلم أمور الدين من الرجال.

ومن الدليل على أن الرسول ﷺ لم يكن متعلق القلب بالنساء أن عائشة رضي الله عنها – وهي أجمل نسائه وأحدثهن سنا – حدثت أنه ﷺ كان يذهب في بعض الليالي في قسمها ليزور المقابر ويدعو لأهلها، وكان دور عائشة ليلة من تسع ليال حين بلغ عدد زوجاته تسعا وقد كان أقل من ذلك من قبل، وكان لا يلزم الفراش تلك الليلة معها بل كان يتهجد مرتين ويتركها في فراشها.

نكاح علي من فاطمة رضي الله عنهما

و(كذلك) فاطمة (الزهراء) رضي الله عنها ابنة رسول الله ﷺ قد بنى به زوجها علي رضي الله عنه في السنة الثانية من الهجرة، ولقبت بالزهراء لأنها كانت بيضاء مشرقة الوجه([2]).

وقد عقد علي رضي الله عنه على فاطمة في رمضان، وقيل: في رجب، ودخل بها في ذي الحجة، وقيل: بعد عقده عليها بسبعة أشهر ونصف فيكون عقد عليها في أول جمادى الأولى. وكان عمر فاطمة رضي الله عنها خمس عشرة سنة، وسن علي رضي الله عنه يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، وأولم عليها([3]) بكبش من عند سعد وءاصع من ذرة من عند جماعة من الأنصار.

وروى البيهقي في «دلائل النبوة» عن مجاهد عن علي رضي الله عنه قال([4]): خطبت فاطمة إلى رسول الله ﷺ فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ﷺ؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله ﷺ فيزوجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟! فقالت: إنك إن جئت رسول الله ﷺ زوجك. فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله ﷺ، وكان لرسول الله ﷺ جلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم. فقال رسول الله ﷺ: «ما جاء بك، ألك حاجة؟» فسكت، فقال: «ما جاء بك، ألك حاجة؟» فسكت، فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة»، فقلت: نعم، فقال: «وهل عندك من شيء تستحلها به([5])؟» فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: «ما فعلت درع سلحتكها؟» فوالذي نفس علي بيده([6]) إنها لحطمية([7]) ما ثمنها أربعة دراهم – فقلت: عندي، فقال: «قد زوجتكها، فابعث إليها بها فاستحلها بها»، فإن كانت لصداق فاطمة بنت الرسول ﷺ.

وزاد ابن حبان في «صحيحه» تتمة أن عليا رضي الله عنه أتى بأربعمائة وثمانين درهما حتى وضعها في حجر النبي ﷺ، فقبض ﷺ منها قبضة فقال: «أي بلال، ابتغنا بها طيبا»، وأمرهم ﷺ أن يجهزوها، فجعل لها سريرا مشرطا ووسادة من أدم حشوها ليف، وقال لعلي: «إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى ءاتيك». قال علي: فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله ﷺ، فقال: «ههنا أخي([8])»، قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك، قال: «نعم»، ودخل رسول الله ﷺ البيت فقال لفاطمة: «ائتيني بماء»، فقامت إلى قعب([9]) في البيت فأتت فيه بماء، فأخذه ﷺ ومج فيه ثم قال لها: «تقدمي» فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: «اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»، ثم قال ﷺ لها: «أدبري»، فأدبرت فصب بين كتفيها، وقال: «اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»، ثم قال ﷺ: «ائتوني بماء»، قال علي: فعلمت الذي يريد، فقمت فملأت القعب ماء وأتيته به، فأخذه ومج فيه ثم قال لي: «تقدم»، فصب على رأسي وبين ثديي ثم قال: «اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم» ثم قال: «أدبر» فأدبرت، فصبه بين كتفي وقال: «اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم» ثم قال لعلي: «ادخل بأهلك، بسم الله والبركة».

ولا يسع هذا الـمختصر ذكر مناقب علي وفاطمة رضي الله عنهما، وعلي رضي الله عنه أشهر من أن تعد مناقبه، وأما فاطمة رضي الله عنها فقد خفيت مناقبها على كثير من عوام المسلمين مع علمهم برفيع شأنها، وهي التي بشرها رسول الله ﷺ بالجنة وقالت عنها السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها»([10]).

(و)في السنة الثانية كانت (بدر الكبرى) أي غزوتها، وسيأتي الكلام عليها مفصلا في باب الغزوات إن شاء الله تعالى.

ذكر أحداث السنة الثالثة للهجرة

279- …………… وفي الثالثة
280- والزينبين وبنى ابن عفان
281- إلتقيا بأحد ……………

 

 

دخـوله بحفصة القانتة
بأم كلثوم وفيه الجمعان
………………………………

 

(وفي) السنة (الثالثة) كان (دخوله) ﷺ (بحفصة) بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وعن أبيها، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب. ولدت حفصة قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة فتوفي عنها فتزوجها النبي ﷺ في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة قبل أحد في سنة ثلاث، وقيل: سنة اثنتين من الهجرة. توفيت رضي الله عنها في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وهي ابنة ستين سنة ودفنت بالبقيع.

 

وقد عرفت حفصة رضي الله عنها بـ(ـالقانتة) على لسان جبريل عليه السلام، فقد روى الطبراني في «الـمعجم الكبير» أن النبي ﷺ طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فوضع التراب على رأسه فقال: «ما يعبأ الله بك([11]) يا ابن الخطاب بعدها»، فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر([12])» وفي رواية: «راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة».

(و)بنى النبي ﷺ في السنة الثالثة بـ(ـالزينبين) زينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة ابن الحارث.

أما زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر فهي بنت عمة النبي ﷺ، فأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. كانت تحت زيد بن حارثة بن شرحبيل ثم تزوجها النبي ﷺ في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.

وقد أطعم ﷺ حين بنائه بها خلقا كثيرا من طعام قدم إليه في قصعة أهدتها إليه أم سليم سهلة بنت ملحان أم أنس خادمه، فلما رفع الطعام من بينهم وقد شبعوا وجد كما وضع أو أكثر، وهذا من معجزات النبي ﷺ الشريفة.

توفيت زينب رضي الله عنها وهي ابنة ثلاث وخمسين سنة وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفنت بالبقيع، وهي أول أزواجه موتا بعده ﷺ.

وأما زينب بنت خزيمة بن الحارث، وهي أم المساكين بذلك لقبت في الجاهلية، فكانت تحت الطفيل بن الحارث بن الـمطلب بن عبد مناف فطلقها وتزوج بها عبيدة بن الحارث وقتل يوم بدر شهيدا، وتزوج بها النبي ﷺ على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في ءاخر ربيع الآخر على رأس تسع وثلاثين شهرا من الهجرة، وصلى عليها النبي ﷺ ودفنت بالبقيع، وكان سنها يوم توفيت نحو ثلاثين سنة، كذا ذكره ابن سعد.

([1]) شرح صحيح البخاري، ابن بطال المالكي، (7/172).

([2]) شرح عقود اللجين، محمد نووي الجاوي، (ص31).

([3]) أي: اتخذ وليمة للعرس.

([4]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/160).

([5]) يعني: الـمهر، مع أن العقد يصح من غير تسمية الـمهر.

([6]) أي أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([7]) أي ثقيلة عريضة أو هي التي تحطم السيوف أي تكسرها أو إلى منسوبة إلى حطمة بن محارب من عبد القيس الذين كانوا يعملون الدروع.

([8]) أي: في الإسلام.

([9]) هو شبه القدح.

([10]) قال الحافظ النور الهيثمي «مجمع الزوائد» (9/201): «رجاله رجال الصحيح».

([11]) أي ما أصابك يا عمر من الأسى والحزن والأسف على ما فات ابنتك بطلاق النبي لها من خير وبركة ونفع إنما هو عائد عليك بالغم والأسف لفقد هذا الخير، أما الله فلا يلحقه الضير من ذلك، وليس معناه أن عمر رضي الله عنها صار في حالة سيئة عند الله يستحق عليها الانتقام، بل لم يلحق عمر في ذاته نقص من ذلك ولا تأخر في أمر دينه.

([12]) وهذا يؤيد ما قلناه من أن بقاء حفصة على عصمة النبي فيه خير لها ولعمر وبركة لهما.