الخميس يناير 29, 2026

باب فيه (ذكر مروره ﷺ) مع أبي بكر رضي الله عنه (بـ)ـخيمة (أم معبد)
عاتكة الخزاعية

252- مروا على خيمة أم معبد
253- وعندهـا شاة أضر الجهد
254- فمسح النبي منها الضرعا
255- وحـلبت بعد إناء ءاخرا

 

 

وهي على طريقهم بمرصـد
بها وما بها قوى يشتد
فحلبت ما قد كفاهـم وسعا
ترك ذاك عندها وسافـرا

 

(مروا) أي النبي ﷺ وأبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط في طريق الهجرة (على خيمة) كانت لـ(ـأم معبد) عاتكة بنت خالد الخزاعية (وهي على طريقهم) محتجبة بفناء خيمتها من الحر قاعدة (بمرصد) أي ترصد من كان يمر بها فتسقيه من الماء واللبن([1])، (و)كان (عندها شاة أضر الجهد) أي التعب (بها وما) أي وليس (بها قوى يشتد) أي قوة تساعدها على اللحاق بالغنم لما بها من الهزال. فقال لها ﷺ: تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها (فمسح النبي) ﷺ (منها) أي من الشاة ظهرها و(الضرعا) أي ثديها ثم سمى الله ودعا (فحلبت) الشاة أي درت من اللبن (ما قد كفاهم) من الشرب مما أعطتهم (وسعا) أي بأن شربوا ما تحتمله طاقتهم من الري (و)حلبها النبي ﷺ مرة ثانية فـ(ـحلبت) أي درت من اللبن (بعد إناء ءاخرا) غير الأول فـ(ترك) ﷺ (ذاك) الإناء المملوء من اللبن (عندها) أي عند أم معبد (وسافرا) بعد أن بايعها النبي ﷺ على الإسلام واستمرت تلك البركة في الشاة.

ولما جاء أبو معبد أكثم بن الجون الخزاعي يسوق أعنزا عجافا هزلى يتساوكن([2]) رأى اللبن فعجب وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاء عازب حيال([3]) ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، فوصفته له وسيأتي تفصيل كلامها في باب «وصف أم معبد النبي ﷺ».

وروى أبو نعيم عن أم معبد قالت: «بقيت الشاة التي لمس رسول الله ﷺ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة([4]) وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكنا نحلبها صبوحا([5]) وغبوقا([6]) وما في الأرض قليل ولا كثير».

([1]) كان هذا من شأنها أن تفعله من الشياه التي كان زوجها يسيمها، إلا أن هذه الشياه كانت في المرعى حين وصل النبي إلى أم معبد.

([2]) أي يسرن سيرا ضعيفا.

([3]) جمع حائل أي ليست حاملا.

([4]) هو عام الرمادة العام الذي أصاب الناس فيه مجاعة شديدة وجدب وقحط في خلافة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فكانت الريح تسفي ترابا كالرماد فسمي عام الرمادة. وقد اشتد فيه الجوع حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس، وجعل الرجل يذبح الشاة فيعافها من قيحها. وفي هذا العام استسقى عمر بالعباس عم النبي r أي توسل به وبعظم شأنه إلى الله أن يرحمهم وينزل عليهم الـمطر ويرفع عنهم ما حل بهم من القحط، وأراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبين جواز التوسل بغير النبي r من أهل الصلاح ممن ترجى بركته، ولذا قال الحافظ في «الفتح» عقب هذه القصة ما نصه: «يستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة» اهـ.

أما ادعاء الوهابية الـمجسمة الـمشبهة أعداء أهل السنة تبعا لمرجعهم ابن تيمية وابن عبد الوهاب أن فعل عمر وقوله «نتوسل إليك بعمك العباس» أنه «توسل إلى الله تعالى بدعاء النبي لا بالعباس نفسه» فهو إخراج لكلام عمر عن ظاهره بلا دليل وتأول له على ما يوافق هواهم وأصولهم وذلك كله مردود منقوض بأدلة كثيرة منها تصريح الحافظ العسقلاني الذي هو أعلم بالصريح والمؤول من الوهابية الـمجسمة، ويكفي في الرد عليهم حديث الأعمى المشهور الذي فيه صريح التوسل بالنبي r بعد وفاته.

وللتوسع في ذلك ينظر كتاب شيخنا الإمام الهرري رحمه الله: «الـمقالات السنية في كشف ضلالات أحمد ابن تيمية»، وكتبنا: «بحر الدلائل والأسرار في التبرك بآثار المصطفى المختار r» و«عمدة الكلام في إثبات التوسل والتبرك بخير الأنام» و«الحجج النيرات في إثبات تصرف النبي والولي بعد الـممات» «السقوط الكبير الـمدوي للمجسم ابن تيمية الحراني» لشيخنا الإمام الهرري.

([5]) أي صباحا لشرب لبنها.

([6]) أي بالعشي.