الخميس يناير 29, 2026

باب فيه (ذكر وصوله ﷺ) في رحلة الهجرة (إلى قباء)
ونزوله بها (ثم إلى الـمدينة) الـمنورة

256- حتى إذا أتى إلى قباء
257- في يوم الاثنين لثنتي عشـره
258- أقام أربعا لديهم وطلع
259- في مسجد الجمعة وهـي أول
260- وقيل بل أقام أربع عشره
261- وهو الذي أخرجه الشيخان
262- لمسـجد الجمعة يوم جمعة
263- إلا على القول بكون القدمة

 

نزلها بالسـعد والهناء
من شهر مولد فنعم الهجره
في يـوم جمعة فصلى وجمع
ما جمع النبي فيما نقلوا
فيهم وهم ينتـحلون ذكره
لكن ما مر من الإتيان
لا يستـقيم مع هذي المدة
إلى قبا كانت بيوم الجمعة

كان المهاجرون والأنصار يغدون إلى قباء ينتظرون قدومه ﷺ في أول النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فلما كان يوم قدومه غدوا كعادتهم فلما أحرقتهم الشمس رجعوا فإذا بيهودي يصيح على أطم([1]): يا بني قيلة([2]) هذا صاحبكم قد جاء، فلبسوا السلاح وتلقوه فقدم ﷺ (حتى إذا أتى إلى) موضع (قباء نزلها بالسعد والهناء في يوم الاثنين لثنتي عشرة) ليلة خلت (من شهر) ربيع الأول شهر (مولد)ﻩ ﷺ (فنعم) تلك (الهجرة) المباركة.

وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله ﷺ وهو جالس في ظل نخلة ومعه أبو بكر، وكان أكثر المسلمين لم ير النبي ﷺ قبل ذلك.

ونزل رسول الله ﷺ على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثم لأنه كان عزبا وكان يقال لبيته: بيت العزاب»، ونزل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على خبيب بن إساف بالسنح([3]) وقيل على خارجة بن زيد، فـ(ـأقام) النبي ﷺ في قباء (أربعا) الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس (لديهم) أي لدى بني عمرو بن عوف، وأسس ﷺ مسجد قباء وهو المسجد الذي أسس على التقوى، قال تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108]([4]) وقد جاء في حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة([5]) كان له كأجر عمرة» رواه ابن حبان في «صحيحه» وابن ماجه في «سننه» واللفظ له.

(وطلع) بعد ذلك النبي ﷺ من بين أظهر أهل قباء (في يوم جمعة) مباركة، فركب راحلته ومشى الناس حولها وصار الواحد منهم ينازع صاحبه زمام الراحلة([6]) تسابقا للنيل من بركة مرافقته ﷺ وخدمته، فأدركت النبي الجمعة في بني سالم بن عوف (فصلى) الجمعة بمن معه من المسلمين (وجمع) الناس لأجلها (في مسجد الجمعة) وهو مسجد ببطن وادي رانوناء([7]) (وهي أول ما) أي أول صلاة جمعة (جمع النبي) ﷺ لها (فيما) بعض أهل السير (نقلوا) عن غيرهم.

وكانت تلك أول خطبة جمعة كما نقل، فقام النبي ﷺ حامدا الله ومثنيا عليه وقال: «أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه ليس له ترجمان، ولا حاجب يحجبه دونه([8]): ألم يأتك رسولي فبلغك، وءاتيتك مالا، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك، فلينظرن يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

وشهر عند أهل السير إقامته ﷺ أربعة أيام (و)روي عن أنس قول ءاخر فـ(ـقيل بل أقام) ﷺ في بني عمرو بن عوف (أربع عشره) ليلة (فيهم وهم) أهل السير (ينتحلون ذكره) أي يجنحون إلى هذا القول الأخير ويميلون إليه في كلامهم (وهو الذي أخرجه الشيخان) البخاري ومسلم من طريق أنس رضي الله عنه (لكن) هذا القول يعارضه (ما مر) أولا (من الإتيان) إلى قباء (لمسجد الجمعة يوم جمعة) فـ(ـلا يستقيم) القول بأنه ﷺ خرج من الغار ليلة الاثنين أول شهر ربيع الأول وقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول (مع) القول ببقائه إلى (هذي المدة) أي مدة أربعة عشر يوما في بني عمرو بن عوف إلى أن خرج من عندهم يوم الجمعة، ولا يتصور كون الـمدة أربعة عشر يوما (إلا على القول بكون القدمة) أي الإتيان (إلى قبا)ء لمسجد الجمعة (كانت بيوم) أي يوم (الجمعة) لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول. وفي ذلك أقوال أخر، فقد قيل: قدم المدينة يوم الاثنين لثمان خلت من ربيع الأول، وقيل: يوم الاثنين مستهله، وقيل: غير ذلك، والله أعلم.

وأقام علي رضي الله عنه بمكة بأمر رسول الله ﷺ حتى أدى ودائع كانت عنده ﷺ أمره بأدائها إلى أهلها ثم يلحق به، ففعل علي ذلك ثم لحق بالمدينة فنزل معه ﷺ بقباء.

264- بنى بها مسجده وارتحلا
265- فبركت ناقـته المأموره
266- فحل في دار أبي أيوبا

 

لطـيبة الفيحاء طابت نزلا
بموضع المسجد في الظهيره
………………………………….

وقد (بنى) النبي ﷺ (بها) أي بقباء (مسجده) يعني مسجد قباء وهو غير الـمسجد النبوي الشريف، وحين أسسه ﷺ كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر رضي الله عنه بحجر فوضعه، ثم جاء عمر رضي الله عنه بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر ثم أخذ الناس في البنيان، كذلك ذكره ابن أبي خيثمة في «تاريخه».

فائدة: إن لمسجد قباء مزية خاصة عند المسلمين سيما أنه أول مسجد بني في المدينة المنورة، فقد جدد سيدنا عثمان رضي الله عنه عمارته ثم جدده عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وتتابع الخلفاء من بعدهم على توسعته وتجديد عمارته إلى زمان السلطان قايتباي المحمودي الأشرفي (ت901هـ) حيث قام بتوسعته وتبعه على ذلك السلطان محمود خان الثاني العثماني (ت1245هـ) وابنه السلطان عبد المجيد الأول (ت1277هـ) والد السلطان عبد الحميد الثاني رحمهم الله وغفر لهم.

(و)بعد أن أقام رسول الله ﷺ أياما بقباء وكان يوم جمعة وارتفع النهار دعا رسول الله ﷺ براحلته واحتشد الـمسلمون ولبسوا السلاح وركب رسول الله ﷺ ناقته القصواء([9]) مريدا الخروج من قباء والناس معه عن يمينه وعن شماله وخلفه منهم الماشي والراكب، فاجتمعت بنو عمرو بن عوف يسألونه ﷺ إن كان يريد دارا خيرا من دارهم، فقال النبي ﷺ: «إني أمرت بقرية([10]) تأكل القرى([11]) فخلوها([12]) فإنها مأمورة».

فلما أراد رسول الله ﷺ الخروج من قباء (ارتحلا) والألف للإطلاق (لطيبة) أي المدينة المنورة (الفيحاء) التي فاح عبيرها وذكرها في الآفاق بنزول النبي ﷺ فيها، فتلقاه الناس في الطريق فخرجوا في الطرق وعلى الأباعر، وصار الخدم والصبيان يقولون: «الله أكبر، جاءنا رسول الله، جاء محمد». وقال أنس رضي الله عنه: إني لأسعى مع الغلمان إذ قالوا: محمد جاء، فننطلق([13]) فلا نرى شيئا، حتى أقبل وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض جدر([14]) المدينة فـ(ـطابت) المدينة بنزوله ﷺ وصاحبه بها (نزلا) مباركا.

فبعثا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما فقالت الأنصار: انطلقا ءامنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق صعدن فوق البيوت يتراءينه من بعيد وهن يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟، قال أنس: فما رأينا منظرا شبيها به يومئذ، وهذا الحديث رواه البيهقي رحمه الله.

وروى أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابها فرحا بقدومه ﷺ».

وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه أنه قال: «ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ».

وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء».

وروى ابن أبي خيثمة عن أنس رضي الله عنه أيضا قال: «شهدت يوم دخل رسول الله ﷺ المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ([15])».

فلم يمر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار إلا قالوا: «هلم يا رسول الله إلى العز والـمنعة والثروة»، فيقول لهم خيرا ويدعو أو يقول: «إنها مأمورة خلوا سبيلها»، فمر ببني سالم فقام إليه عتبان بن مالك ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان وهو ﷺ ءاخذ بزمام راحلته فقالوا: «يا رسول الله انزل فينا فإن فينا العدد والعشيرة والحلقة([16])، ونحن أصحاب الحدائق والدرك، يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحيرة([17]) خائفا فيلجأ إلينا فنقول له: «قوقل حيث شئت([18])»، فجعل رسول الله ﷺ يتبسم ويقول: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» فقام إليه عبادة بن الصامت والعباس بن عبادة بن نضلة ابن مالك بن العجلان فجعلا يقولان: «يا رسول الله انزل فينا»، ورسول الله ﷺ يقول: «بارك الله عليكم إنها مأمورة، فخلوا سبيلها».

فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار وهم أخواله ﷺ اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال منهم فقالوا: يا رسول الله، هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والـمنعة، قال «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار وصلت باب مسجده([19]) (فبركت) أي استناخت (ناقته) وتدعى القصواء وهي (المأموره بـ)ـالإناخة في (موضع المسجد في) وقت (الظهيره) وكان ذلك الـموضع يومئذ مربد([20]) لغلامين يتيمين سهل وسهيل من بني مالك بن النجار كانا في حجر معاذ بن عفراء، فلما بركت الناقة ورسول الله ﷺ عليها لم ينزل بعد، سارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت([21]) ورزمت([22]) ووضعت جرانها([23])، فجعل جبار ابن صخر السلمي([24]) ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة([25]) فلم تفعل، فنزل رسول الله ﷺ عنها وقال: «هنا الـمنزل إن شاء الله»، فاحتمل أبو أيوب رحله([26]) فوضعه في بيته، وكان هناك عريش يرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه حتى نزل رسول الله ﷺ عن راحلته فأوى إلى الظل فنزل فيه فقال ﷺ: «أي بيوت أهلنا أقرب؟» فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي وقد حططنا رحلك فيها، فكلمه بعضهم في النزول عليهم فقال ﷺ: «المرء مع رحله حيث كان»، ثم قال لأبي أيوب: «فانطلق فهيئ لنا مقيلا([27])»، فذهب أبو أيوب فهيأ لهما مقيلا، (فحل) ﷺ (في دار أبي أيوبا) الأنصاري رضي الله عنه وقر قراره واطمأنت داره ونزل معه زيد بن حارثة رضي الله عنه.

وروى ابن ماجه والحاكم وأبو سعيد النيسابوري أن رسول الله ﷺ لما نزل على أبي أيوب خرج جوار([28]) من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن [الرجز]:

نحن جوار من بني النجار

 

يا حبذا محمد من جار

 فقال ﷺ: «الله يعلم إني لأحبكن»([29]).

([1]) أي بناء مرتفع.

([2]) هم الأوس والخزرج، وقيلة اسم أم من أمهات الأنصار فنسبت الأنصار إليها.

([3]) بضم السين المهملة وسكون النون وبعدها حاء مهملة، موضع بعوالي المدينة المنورة وهو على بعد ميل تقريبا من المسجد النبوي الشريف.

([4]) وفي هذه الآية مدح للصحابة الذين كانوا فيه يستنجون ويتطهرون من النجاسات، بل وكانوا يجمعون بين الماء والحجر، فمدحهم الله على ذلك. وفيها أيضا رد على سيد قطب الـمصري مفكر حزب الإخوان المتطرف التكفيري الذي يذم علوم الفقه فيقول في تفسيره المسمى «في ظلال القرءان» عن الاشتغال بالفقه: «فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضا»، والعياذ بالله من عمى القلب.

([5]) أي ولو نافلة.

([6]) أي مقودها.

([7]) قال القسطلاني في «المواهب اللدنية»: «براء مهملة ونونين ممدودا كعاشوراء وتاسوعاء» اهـ.

([8]) معناه يسمع كل واحد يوم القيامة كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتا فيفهم كل عن أي شيء يسأله وينتهي حساب الناس في وقت قصير إلا أن مواقف القيامة كثيرة.

([9]) وهي التي اشتراها من أبي بكر رضي الله عنه.

([10]) أي أمرت بالهجرة إليها واستيطانها.

([11]) قال الحافظ النووي: «وذكروا في معنى أكلها القرى وجهين: أحدهما: أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، فمنها فتحت القرى وغنمت أموالها وسباياها، والثاني: معناه أن أكلها وميرتها تكون من القرى الـمفتتحة وإليها تساق غنائمها» اهـ. وهي أي المدينة المنورة من ءاخر بلاد الدنيا خرابا».

([12]) يعني: الناقة.

([13]) أي: مستقبلين له عند مدخل المدينة.

([14]) أي: بساتين.

([15]) أي: أحسن وأجمل، والوضيء الوسيم الحسن.

([16]) أي: السلاح.

([17]) البحرة والبحيرة من أسماء المدينة قديما.

([18]) أي: سر حيث شئت فإنك ءامن، قاله الصالحي في «سبل الهدى».

([19]) أي: حيث أقيم وبني فيما بعد.

([20]) المراد به هنا الموضع الذي يبسط فيه التمر ليجفف.

([21]) أي: ثبتت مكانها ولم تبرح.

([22]) أي صوتت، والإرزام الصوت الذي لا يفتح به الفم، قاله ابن الأثير.

([23]) هو مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، فإذا برك البعير ومد عنقه على الأرض يقال: ألقى جرانه بالأرض.

([24]) بفتح السين واللام لأنه من الأنصار لا من بني سليم، قاله الحافظ في «الإصابة» (2/187).

([25]) وقيل غير ذلك.

([26]) أي: متاع النبي.

([27]) أي: مكانا نستريح فيه.

([28]) أي: فتيات.

([29]) قال الحافظ البوصيري: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات».