الخميس يناير 29, 2026

باب فيه (ذكر عرض النبي) ﷺ (نفسه على القبائل) العربية (و)ذكر
(بيعة الأنصار له ﷺ)
مرتين

عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل بعرفة

234- وعرض النبي نفسه على
235- إيواؤه من بعضهـم يبلغ
236- إليهم الشيطان حتى يعرضوا

 

 

قبيلة قبيلة ليحصـلا
رسالة الله فكل ينزغ
عن قوله ويهزؤوا ويرفضوا

 

(وعرض النبي) ﷺ (نفسه على) قبائل العرب في موقف عرفة ينتقل من (قبيلة) إلى (قبيلة) عدة سنين وهو يقول لهم: «ألا رجل يعرض علي قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ رسالة ربي»، وفعل ذلك ﷺ (ليحصلا إيواؤه) ﷺ أي انضمامه إلى قبيلة (من بعضهم) تؤويه وتحميه وهو (يبلغ رسالة الله، فـ)ـكان (كل) منهم (ينزغ إليهم) أي يفسدهم (الشيطان حتى يعرضوا عن قوله) ﷺ لهم من القرءان والمواعظ فيولوا عنه (ويهزؤوا) به (ويرفضوا) اتباعه ويرموا بمقالته ويترفعوا عن مجالسته، وأبو لهب وراءه يكذبه وينهاهم عن اتباعه.

ذكر بيعة الأنصار الأولى

237- حتى أتاح الله للأنصار
238- فيسلم الواحد منهم يسلم
239- لقـي ستان ٱو ثمانيا لدى
240- فآمنوا بالله ثم رجـعوا
241- حتى فشا الإسلام ثم قدما
242- لبيعة ضـعف الذين سلفوا

 

 

فاستبقوا للخير باختيار
به جميـع أهله فرحموا
عقبة دعاهم إلى الهـدى
لقومهم يدعونهم فسمعوا
في قابل منهم وممن أسلما
كبيعة النساء ثـم انصرفوا

 

 ولم يزل الشأن على ما ذكر (حتى) إذا أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه (أتاح الله) تعالى (للأنصار) نصرة الدين وقيضهم لذلك، وهم الأوس والخزرج، فانتهى ﷺ إلى نفر منهم وهم يحلقون فقعد إليهم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرءان (فاستبقوا للخير) واستجابوا لله ولرسوله وءاووا النبي ونصروه فلذلك سموا الأنصار، وهو لقب إسلامي، وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة وبالأوس والخزرج، وذلك (باختيار) منهم لا بمحاربة لهم (فـ)ـكان (يسلم الواحد منهم) ويذهب إلى قومه فيعرض عليهم الإسلام فـ(ـيسلم به) أي بدعوته (جميع أهله) أي قومه (فرحموا) بإجابتهم وإسلامهم.

وكان النبي ﷺ قد (لقي ستا) من الأوس والخزرج أسلموا على يديه، وهم: أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله، ومنهم من جعل عبادة بن الصامت بدل جابر (ٱو) كانوا (ثمانيا) كما قيل، وذلك بزيادة أبي الهيثم بن التيهان ومعاذ بن عفراء، وكان لقاء النبي ﷺ بهم (لدى عقبة) وهي موضع بين منى ومكة، بينها وبين مكة نحو ميلين، فلما عرفوا النبي بصفاته التي كانوا يسمعونها من اليهود أهل الكتاب و(دعاهم) النبي (إلى الهدى) أجابوه (فآمنوا بالله ثم) انصرفوا من عنده و(رجعوا) إلى بلادهم حتى أتوا (لقومهم) فأعلموهم بما كان وجعلوا (يدعونهم) إلى الإسلام (فسمعوا) لهم وأطاعوا (حتى فشا الإسلام) في الأوس والخزرج ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر النبي ﷺ.

(ثم قدما) والألف للإطلاق (في) عام (قابل) لهذا العام (منهم) أي الأوس والخزرج سبعة هم: ذكوان بن عبد قيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة ومعاذ بن عفراء وأبو الهيثم مالك بن التيهان وعويم بن ساعدة (و)جاء (ممن أسلما) من الأنصار أيضا خمسة هم: أسعد بن زرارة وعوف ورافع وقطبة وعقبة، وكان مجيء الكل (لبيعة) أي إعطائهم رسول الله ﷺ العهد على الثبات على الإسلام، وعددهم (ضعف) الستة (الذين سلفوا) أي مضى الكلام على إسلامهم، فكان هؤلاء اثني عشر فردا، فأسلموا وبايعوا، وكانت بيعتهم (كبيعة النساء) في الثبات على الإسلام وإعطاء العهد بما أوصاهن به وبايعهن عليه النبي وتجنبهن ما نهاهن عنه (ثم انصرفوا) عائدين إلى بلادهم.

وقد روى أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على: «أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا، فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم».

ولما انتقل الأنصار إلى المدينة وكتبوا إلى النبي ﷺ أن «ابعث إلينا من يقرئنا القرءان ويفقهنا»، بعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة فكان يدعى المقرئ والقارئ، وهو أول من سمي بذلك، وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وذلك أن ابن معاذ بلغه اجتماع مصعب مع رجال ممن أسلم بحائط (أي بستان) من الحوائط، فبعث أسيد بن حضير ليزجرهم حياء من خاله أسعد بن زرارة، فلما جاء متشتما وأخذ في كلام يزجرهم به قال له مصعب: «أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكرهه([1])»، قال: «أنصفت»، ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ القرءان فقال: ما أحسن هذا، كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟، فتشهد ثم اغتسل وتطهر وصلى([2]) ثم قال: «أرى رجلا إن اتبعكم لم يتخلف أحد وسأرسله الآن، سعد بن معاذ، ثم انصرف، فلما رءاه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به، فقال له سعد: ما فعلت؟ فذكر القصة وحاصلها أن سعد بن معاذ أسلم ثم عاد إلى قومه، فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا، قال: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.

ذكر بيعة الأنصار الثانية

243- ثم أتى من قابل سبعونا
244- بيعـتهم ليلا ونعم البيعة

 

 

ونيف فبايعـوا يخفونا
جزاء من بايع فيها الجنـة

 

(ثم أتى) في أيام التشريق (من قابل) لهذا العام (سبعونا) رجلا من الأنصار (ونيف) أي ورجل أو رجلان ومعهم امرأتان من أجل البيعة الثانية، فسلموا على النبي ﷺ بمكة فواعدهم ليلة النفر الأول إذا هدأت الرجل أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى في أسفل العقبة، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا.

فخرج القوم يتسللون، وسبقهم النبي ﷺ إلى ذاك الموضع ومعه العباس رضي الله عنه، (فبايعوا) النبي كلهم وهم (يخفونا بيعتهم ليلا) فاختار منهم النبي ﷺ اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.

(ونعم البيعة) هي فإنه (جزاء من بايع) من الأنصار (فيها الجنة) أي بدخولها، لأن النبي ﷺ اشترط عليهم شروطا وجعل لهم على الوفاء بها الجنة.

([1]) وهذا في مقام التحدي والتبكيت أي أنك لن تجد في كلام النبي والقرءان ما يرده العقل السليم فأنت مغلوب محجوج.

([2]) لا يجوز أن يؤخر الشخص الدخول في الإسلام لأجل الاغتسال ولا لغير ذلك، ومن أخر نفسه عن الدخول فيه فقد ازداد كفرا، ومن أشار له بتأخير إسلامه لنحو غسل فقد كفر الـمشير له بذلك.