152- وكيف لا وهو كـلام الله
|
| …………………………………..
|
(وكيف لا) يعترف الـمشركون ويذعنون ويعجزون عن الإتيان بمثل شيء من القرءان (وهو كلام الله) عز وجل بمعنى اللفظ المنزل، فقول أهل السنة «القرءان كلام الله» هو إطلاق له وجهان:
أحدهما: كلام الله الذاتي الذي هو منزه عن الكيفية أي الهيئة كالحرف والصوت، إذ يستحيل عقلا وشرعا أن يكون ذات الله الأزلي الأبدي متصفا بصفة حادثة، فالحرف والصوت لا يكونان إلا حادثين، فيجب تنزيه ذات الله المقدس عن الاتصاف بذلك.
والثاني: اللفظ المنزل الذي هو عبارة عن الكلام الذاتي الذي هو صفة الذات المقدس عن الحدوث والانقضاء والانقطاع والتعاقب، أما اللفظ المنزل فإنه متعاقب ومتتابع، ويدل على هذا الوجه الثاني قوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم}، حيث أضافه إلى جبريل عليه السلام، وجبريل حادث مخلوق، فلو كان المراد هنا كلام الله الذاتي لم يضفه الله تبارك وتعالى إلى جبريل الذي هو المراد بالرسول الكريم، لكن لما كان يصح إطلاق القرءان على الوجهين جاز ذلك. وتقريب ذلك أننا إذا كتبنا على لوح أو جدار «الله» فقيل: هذا الله، فهل معنى هذا أن أشكال الحروف المرسومة هي ذات الله؟! فلا يتوهم هذا عاقل، إنما يفهم من ذلك أن هذه الحروف هي عبارة عن الإله الذي هو موجود معبود بحق خالق لكل شيء، ومع هذا لا يطلق القول: «القرءان وغيره من الكتب المنزلة مخلوق» لكن يبين في مقام التعليم مقيدا أن اللفظ المنزل ليس هو صفة الله الأزلية بل اللفظ مخلوق لله لأنه حروف يسبق بعضها بعضا، وما كان كذلك فهو حادث مخلوق قطعا، لكنه ليس من تصنيف ملك ولا بشر بل هو عبارة عن الكلام الذاتي الأزلي الذي لا يوصف بأنه عربي ولا بأنه عبراني ولا بأنه سرياني، وكل ذلك يطلق عليه كلام الله بدليل قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام} [التوبة: 6]، وليس أحد من الكفار في الدنيا يسمع كلام الله في الأزلي، ولم يسمع كلام الله الأزلي إلا جبريل عليه السلام ومحمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، وقيل: ءادم أيضا، فدل كل ذلك على أن صفة الكلام الثابتة لله يقال لها كلام الله، واللفظ المنزل الذي هو عبارة عنه يقال له كلام الله، فهذا بيان واف كاف شاف.
152- ……………………………
|
| منزه عن نحلة اشتباه
|
والقرءان الذي هو اللفظ المنزل على سيدنا محمد ﷺ (منزه) أي محفوظ (عن نحلة اشتباه) أي عن الإتيان بشبهه أو بشبه سورة أو بعض سورة منه، وهو (يهدي) من اقتدى به (إلى) الصراط المستقيم والطريق (التي هداها) أي الاهتداء بها وإليها (أقوم) وأسلم وبذلك النجاة، و(به) أي بما في القرءان (يطاع) أي يعمل (و)كذلك (به يعتصم) أي يتمسك، إذ هو العروة الوثقى لمن تمسك به وعمل بما فيه (و)القرءان (هو لدينا) أي في اعتقادنا أن من تمسك به عقيدة وعملا فقد نجا، فمثله كمثل الذي تمسك بالحبل المتين للنجاة، فهو (حبله) أي حبل الله (المتين) أي السبب الذي يسره الله لنا لتكون به نجاتنا إن تمسكنا به وعملنا بمقتضاه، ونحن بتلاوة القرءان والعمل بما فيه نطيع الله و(نعبده) ونتقرب إليه (به) أي بالقرءان تلاوة له وعملا بما فيه.
(و)إننا بهذا القرءان (نستعين) على قضاء مهمات الدارين، كيف لا (وهو) الكتاب (الذي لا تنقضي) أي لا تنتهي ولا تنقطع مدى الأيام (عجائبه) إلى أن يأتي أمر الله، وكيف لا يكون كذلك (و)هو الذي (لا يضل) عن الهدى والطريق المستقيم (أبدا) امرؤ (مصاحب) لـ(ـه) أي متمسك به وبالعمل بما فيه والوقوف عند حدوده، ولا يزال فينا القرءان (معجزة باقية) مستمرة (على) طول (المدى) والأيام (حتى) يصل (إلى الوقت) المعلوم بقاؤه إليها قبيل قيام الساعة (الذي قد وعدا) أي وعد الله أن يرتفع فيه القرءان، وعلى ذلك حمل بعض المفسرين([1]) قوله تعالى: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} [النمل:82]. وقد جاء في حديث صحيح موقوف رواه الدارمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ليسرين على القرءان ذات ليلة ولا يترك ءاية في مصحف ولا في قلب أحد إلا رفعت»، وهو مروي بلفظ قريب من ذلك عند الطبراني في «الـمعجم الكبير»([2]).
([1]) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، جلال الدين السيوطي، (6/377).
([2]) لفظه عند الطبراني: «يسرى عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبد ولا مصحف منه شيء» الحديث.