140- وجعل الله له القرءانا
|
| ءاية حق أعجزت برهانا
|
لقد أيد الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ونصره بالـمعجزات الباهرات (و)من ذلك أن (جعل الله) عز وجل (له) أي لنبيه محمد ﷺ (القرءانا) الكريم الـمنزل عليه أعظم معجزاته ﷺ فكان القرءان (ءاية) أي علامة (حق) وشاهدا على صدق نبيه ﷺ، حتى (أعجزت) هذه المعجزة فصحاء العرب العرباء (برهانا) أي ببرهانية الـمنزل وقوة بلاغته حيث لم يستطع الفصحاء مضاهاته.
وقد (أقام) النبي ﷺ (فيهم) أي قومه بمكة المكرمة (فوق) أي أكثر من (عشر) من السنين ينذرهم ويحادهم ويتلو عليهم القرءان الـمنزل عليه وهم يكذبونه ويجحدونه فكان في بعض الأحيان (يطلب) منهم على وجه التحدي والتعجيز (إتيانهم بمثله) أي اللفظ الـمنزل كله – وهم أهل الفصاحة والبلاغة – فكانوا يعجزون ولا يستطيعون ذلك (فـ)ـبسبب عجزهم وعدم إطاقتهم على الإتيان بمثله (غلبوا) وأصبحوا في حيرة تائهين صاغرين، وذلك مصداق خبر الله عز وجل: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هـذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} [الإسراء:88] أي ولو كانوا متعاونين على ذلك فيما بينهم فإنهم لا يأتون بمثله لعجزهم.
(ثم) لما عجز الكفار عن الإتيان بمثل القرءان تحداهم النبي ﷺ بأمر من الله تعالى بأن يأتوا (بعشر سور) مثل القرءان في الفصاحة والبلاغة، فقال عز من قائل: {أم} أي بل الكفار {يقولون افتراه} أي اختلق محمد هذا القرءان من قبل نفسه وليس هو من عند الله كما يزعم، {قل} لهم يا محمد متحديا لهم ومعجزا {فأتوا بعشر سور} في الفصاحة والبلاغة {مفتريات} أي مختلقات إن كان ما أتيتكم به من القرءان مفترى على زعمكم، فعجزوا عن الإتيان بشيء من ذلك وغلبوا مرة ثانية وانقلبوا صاغرين.
وقد تمسكت الـمعتزلة بالآية المذكورة ءانفا لتأييد مذهبهم بأن القرءان مخلوق فقالوا: «إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرءان، والـمراد من التحدي أنه طلب منهم الإتيان بمثله، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة، فلو كان قديما لكان الإتيان بمثل القديم محالا في نفس الأمر، فوجب أن لا يصح التحدي».
والجواب عن ذلك أن القرءان لفظ له إطلاقان، فإنه يطلق على الكلام الذاتي لله عز وجل وهو الكلام الذي ليس حرفا ولا صوتا ولا مبدأ له ولا منتهى ولا يشبه كلام أحد من العالمين، ويطلق كذلك على الألفاظ الـمنزلة الـمركبة من الحروف الـمتلوة بالأصوات، ولا شك أن الحرف والصوت مخلوقان غير قديمين، والتحدي المذكور في هذه الآية إنما وقع بالألفاظ الـمنزلة لا بكلام الله الذاتي الأزلي، قاله الرازي([1]).
ثم لما عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور مثل سور القرءان تحدى النبي ﷺ الـمشركين ثالثة بأمر الله تعالى بأن يأتوا (بسورة) واحدة مثل سورة من سور القرءان في الفصاحة والبلاغة (فلم يطيقوا) أي فعجزوا عن الإتيان بمثلـ(ـها) أي بمثل سورة من سور القرءان (ولو قصيرة) جدا كسورة الكوثر وغيرها فقال تعالى لنبيه ﷺ: {قل} لهم يا محمد متحديا لهم ومعجزا {فأتوا بعشر سور}، فعجزوا ثالثا (و)الحال أنـ(ـهم) كلهم (لعمري) هو قسم صورة وتأكيد حقيقة، فكأنه قال: أؤكد على وقوع العجز من الـمشركين بأن يأتوا بسورة مثل أقصر سورة من القرءان في الفصاحة والبلاغة حال كونهم معروفين بأنهم (الفصحاء) في العربية (اللسن) جمع ألسن أي البلغاء (فانقلبوا) أي رجعوا بعد ذلك صاغرين (وهم حيارى) أي محتارين بأمرهم مبهوتين مما حصل لهم وهم (لكن) عاجزون عن الكلام، واللكن جمع ألكن وهو من بلسانه عي وثقل([2]).
144- وأسمعوا التوبيخ والتقريعا
|
| لدى الملا مفترقا مجموعا
|
(وأسمعوا) أي أسمع الله تعالى الـمشركين فيما أنزل من محكم كتابه (التوبيخ) البالغ (والتقريعا) الشديد، وقد حصل لهم ذلك (لدى) أي بين يدي الجم الغفير من (الملا) أي الناس (مفترقا) أي حال افتراقهم عن الناس و(مجموعا) أي وحال اجتماعهم في المحافل كذلك (فلم يفه) أي ينطق (منهم فصيح) واحد (بشفة) أي بكلمة واحدة (معارضا) بها للقرءان، ولم يكن فيهم أحد قادر على أن يأتي بمثله. وأما قول الناظم: (بل الإله صرفه) ظاهره يدل على أنهم كانوا يستطيعون المعارضة بفصيح كلامهم لكن الله صرفهم عن ذلك مع قدرتهم على ذلك، وهذا القول خلاف المعتمد بل قبيح.
قال محمد عبد الرؤوف المناوي: «وهذا الختام من الناظم يؤذن بميله إلى القول بالصرفة وهو رأي مرجوح أطال المحققون في تقرير رده» اهـ.
ذكر الآمدي في «أبكار الأفكار»([3]) وجوها في إبطال القول بأن وجه الإعجاز في القرءان هو الصرفة:
أحدها: أن إجماع المسلمين قبل وجود القائلين بهذه المقالة قائم على أن القرءان معجزة الرسول الدالة على صدقه، فالقول بأنه لا إعجاز في القرءان بل الإعجاز في الصرفة يكون خرقا لإجماع المسلمين قبل وجود المخالفين.
الثاني: أنه تحدى بالقرءان على كل العرب، فلو كان الإعجاز في نفس الصرفة لكانت الصرفة على خلاف المعتاد بالنسبة إلى كل واحد ضرورة تحقق الصرفة بالنسبة إليه. ولو كان معتادا بالنسبة إلى كل أحد فالمعتاد كذلك ليس هو الكلام الفصيح إذ هو غير معتاد لكل أحد، بل المعتاد لكل أحد إنما هو الكلام الركيك المستغث، ويلزم أن يكون على ذلك كلام القرءان ركيكا مستغثا، وليس كذلك باتفاق أهل الأدب.
الثالث: أنه لو كان الإعجاز في الصرفة، فكلام القرءان قبل الصرفة يجب أن يكون معتادا، وإلا لما كانت الصرفة معجزة لأنها لا تكون على خلاف العادة. ولو كان مثل كلام القرءان معتادا قبل الصرفة لما ثبت صدقه لإمكان معارضة القرءان بما وجد من كلامهم مثل القرءان قبل الصرفة لأن التحدي لم يكن بشيء من الكلام مثل القرءان بعد التحدي بل الإتيان بمثله، وسواء كان موجودا قبل التحدي أو بعده.
146- فقائل يقول: «هذا سحر»
|
| وقائل: «في أذني وقر»
|
ولما عجز الكفار عن معارضة القرءان بأن يأتوا بسورة من مثله وتحيروا في أمرهم شرعوا يختلقون عليه أقاويل (فقائل) منهم (يقول هذا) الذي يقوله محمد (سحر) فرد عليه الوليد بن المغيرة وهو عندهم من أعظمهم قدرا: «قد رأينا السحرة فما هو بنفثهم([4])»، (و)قال (قائل) ءاخر منهم: «أنا (في أذني وقر) أي صمم فلا أسمع ما يقوله محمد»، (و)كان (قائل) ءاخر منهم وهو أبو جهل وحزبه (يقول) – وهو (ممن) أي من المشركين الذين (قد طغوا) أي استكبروا وتمردوا – مقالته الشهيرة: (لا تسمعوا له) أي لهذا القرءان (وفيه فالغوا) أي وعارضوه باللغو والباطل، وقد أنزل الله تعالى في ذلك حكاية عنهم: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت:26].
(و)كانوا (هم) في الحقيقة (إذا بعض) منهم (ببعض قد خلا) أي انفرد (اعترفوا) وأذعنوا وأقروا (بأن حقا) وصدقا (ما) أي هذا الذي (تلا)ه عليهم النبي ﷺ من القرءان أي (و)صدقوا فيما بينهم إذا خلا بعضهم ببعض (أنه) أي القرءان (ليس كلام البشر) أي اعتبروا أنه لو كان من تأليف بشر لما أعجزهم، (و)قالوا بـ(ـأنه ليس) محمد (له) أي للقران (بمفتري) بتأليفه له، لأنه ليس هو الذي أعجزنا به – ونحن أفصح البلغاء – وإنما هو كلام أنزله الله على رسوله.
و(اعترف الوليد) بن المغيرة بصدق القرءان حين اجتمع به نفر من قريش، وكان ذا سن عالية فيهم، فقال: «والله إن له لحلاوة([5])، وإن عليه لطلاوة([6])، وإن أصله لغدق([7])، وإن فرعه لجناة([8])» (ثم) اعترف (النضر) بن الحارث بذلك أيضا وكان من رؤوس بني عبد الدار (و)كذلك (عتبة) بن ربيعة من أشراف بني عبد شمس اعترف (بذاك) للقرءان الكريم (و)لكن الله طمس على قلوبهم وطبع عليها فـ(ـاستقروا) وبقوا على ضلالتهم (و)لكن الأخنس (بن شريق) الثقفي (باء) أي رجع عن معارضته للقرءان وأسلم، (و)شريق هذا (هو) أبو ثعلبة (الأخنس) بن شريق بن عمرو، (كذا أبو جهل) مثلهم قد علم أن القرءان هو الحق من عند الله (ولكن) كان في جملة من أصروا على طغيانهم وضلالهم و(أبلسوا) أي أسكتوا حزنا وحيرة.
([1]) التفسير الكبير، فخر الدين الرازي، (17/254).
([2]) المصباح المنير، أبو العباس الفيومي، (2/558).
([3]) أبكار الأفكار، سيف الدين الآمدي، (4/103).
([4]) لأن شأن الساحر أن يقرأ كلمات على الخيط وينفث عليها، قال تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد}.
([5]) أي لذة عظيمة يدركها من له سجية سليمة.
([6]) بفتح الطاء وقد تضم أي رونقا وحسنا فائقا.
([7]) من الغدق وهو كثرة الـماء تلويحا بغزارة معانيه في قوالب مبانيه.