67- ثم مضى للشام مع ميسرة
|
| في متجر والمال من خديجة
|
(ثم) لما بلغ ﷺ من العمر خمسا وعشرين سنة قال له عمه أبو طالب: «أنا لا مال لي، وخديجة بنت خويلد ترسل من يتجر لها فيصيبون منافع، فلو جئتها لأسرعت إليك»، فبلغ خديجة ما كان من محاورة النبي ﷺ عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه ﷺ فأرسلت إليه قالت له: «أعطيك ضعف ما أعطي غيرك» فأجاب بالقبول([1]).
فـ(ـمضى) ﷺ ثانية في الرحلة (للشام) وكان في تلك المرة (مع ميسرة) غلام خديجة (في متجر) أي أمر تجارة (والمال) الـمتجر به (من خديجة) أي والتجارة لها، كل ذلك (من قبل تزويج) أي زواجها (بها) النبي ﷺ.
(فبلغا) أي النبي ﷺ وميسرة (بصرى) الشام لأربع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وعشرين من حادثة الفيل، فحضر النبي وميسرة سوق بصرى (فباع) المتاع (وتقاضى) أي طالب بثمنه وقبضه واشترى (ما بغى) أي طلب، يقال: بغيته أبغيه طلبته([2]).
(وقد رأى) في هذه الرحلة (ميسرة) غلام خديجة (العجائبا) الكثيرة (منه) ﷺ (و)شاهد أيضا (ما خص به) ﷺ من الآيات([3]) الباهرة (مواهبا) أي بعض الخصائص التي أعطاها الله نبيه ﷺ وهبا منه عز وجل ومنة وتفضلا. ومن جملة ما رأى ميسرة أن النبي ﷺ كان قد اختلف مع رجل في سلعة فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال ﷺ: «ما حلفت بهما قط ولا أفعل، وإني لأمر بهما فلا ألتفت إليهما»([4]) فسلم له الرجل الأمر وقال: القول قولك.
ومن العجائب التي عاينها ميسرة أيضا غمامة تظل النبي ﷺ في وقت الهاجرة إذا اشتد الحر وهو ﷺ على بعيره، فألقى الله عز وجل على رسول الله ﷺ المحبة من ميسرة فكان كأنه عبد مملوك لرسول الله ﷺ.
(و)لما عاد ميسرة إلى مكة (حدث) سيدته (السيدة الجليلة) الشأن([5]) (خديجة) بنت خويلد (الكبرى) بما رأى من النبي في أموره كلها (فـ)ـعجبت خديجة من ذلك و(أحصت) أي ضبطت (قيله) أي قول ميسرة إذ سمعت ذلك منه. ولقبت السيدة خديجة رضي الله عنه بالكبرى لأنها أكبر نسائه([6]).
([1]) دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني، (ص172).
([2]) وهذا البغي بمعنى الطلب متعد، أما البغي اللازم الذي يتعدى بحرف الجر فقد جاء منه في القرءان ما يبين أنه يكون للإخبار عن تعدي أحد على غيره فقال تعالى: {إن قارون كان من قوم موسىٰ فبغىٰ عليهم} [القصص: 76] أي ظلمهم أو تكبر عليهم، ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {يا أيها الناس إنما بغيكم علىٰ أنفسكم} [يونس: 23] أي ظلمكم يرجع إليكم، وكذلك قوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرىٰ فقاتلوا التي تبغي حتىٰ تفيء إلىٰ أمر الله} [الحجرات: 9] فتبين أنه ليس من فعل البغي بمعنى الطلب، وإذا جاء النص الحديثي خاليا عن دلالة لفظية تبين معنى البغي فإنه ينظر إلى ورود رواية أخرى أخص من هذه للاستعانة على تفسير البغي، ومثال ذلك قوله r في عمار بن ياسر رضي الله عنه: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»، فإنه مع وجود رواية بزيادة: «يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» ووجود رواية: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الحق» لا تصح الدعوى أن معنى البغي في النص الأول هو الطلب لا الظلم، وهذه الأدلة واضحة صريحة في ظلم وبغي الذين خرجوا على علي أمير المؤمنين رضي الله عنه وقاتلوه.
([4]) دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني، (ص172). وهذا دليل على أنه r كان محفوظا قبل النبوة من الأعمال والأقوال القبيحة والخبيثة التي كان عليها أهل الجاهلية لأنه r معصوم قبل النبوة وبعدها من استحسانه للأفعال والأقوال الشركية والبذيئة والمحرمة.
([5]) أي كانت بعد إسلامها جليلة الـمقدار عالية الدرجة، وكانت قبل إسلامها وجيهة في قومها.
([6]) سراج السالك شرح أسهل الـمسالك، عثمان الجعلي الأشعري، (1/49).