الخميس يناير 29, 2026

1. قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة: 2].

الشرح: إن مما أجمع عليه علماء الإسلام ونص عليه القرءان أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بعث وهو لا يكتب الكتاب ولا يقرأه وظل على ذلك إلى أن مات أما ما يقال من أنه تعلم الكتابة والقراءة قبل الموت فهذا غير صحيح، فالصحيح والمعتمد والمجمع عليه أنه مات وهو لا يكتب ولا يقرأ، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48]، ومن الأدلة هذه الآية التي نشرحها {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم}، ومن أدل الدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لو كتب كما يزعمون كلمة واحدة أو رسالة واحدة لطار خبرها في الآفاق وانتشر صورها في الخافقين لأنها خط رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحفظتها الأمة واعتنت بها أشد الاعتناء ونحن الآن في سنة 1436هـ لا توجد ورقة أو رسالة يقال أنها خط الرسول صلى الله عليه وسلم، ورسائله التي أملاها على الصحابة فكتبوها إلى رؤساء وملوك الأرض ما زالت موجودة إلى الآن وتتناقلها الأمة والمتاحف الدولية بعناية بالغة فكيف لو وجد بخط الرسول؟! ولو كانت فأين هي إلى الآن؟! والرسول صلى الله عليه وسلم مات ولم يكتب كلمة.

ومن الدليل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه والنسائي في كتاب الخصائص وأحمد في مسنده وغيرهم واللفظ للنسائي عن علقة بن قيس قال: قلت لعلي: «تجعل بينك وبين ابن أكلة الأكباد حكما؟ قال: إني كنت كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه امحها، فقلت: هو والله رسول الله وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرني مكانها فأريته فمحاها وقال: أما إن لك مثلها وأنت مضطر».

فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ المكتوب لماذا طلب من سيدنا على رضي الله عنه أن يدله على كلمة (رسول الله) التي في الصحيفة ثم محاها هو، فلو كان قارئا للمكتوب فأي معنى أن يقول لعلي (أرني مكانها)؟ فكان هذا من أوضح الدليل وأبينه على أنه صلى الله عليه وسلم كما قال الله فيه {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} [الأعراف: 157]، وأمية النبي دليل نبوته لأنه صلى الله عليه وسلم مع أميته جمع علم الأولين والآخرين ومع أنه أمي فهو أفصح الناس وأعلم الخلق وإمام الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

ثم إن بعض من ينكر أمية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هم من الملاحدة وبعض الكفار المعلنين ليتوصلوا بقولهم هذا إلى كفرية أخرى وهي أن محمدا هو الذي ألف القرءان وكتبه وهذا لن يستطيعوه لأن التاريخ يشهد بأنه صلى الله عليه وسلم ما دخل الكتاب ولا المدارس العادية وهذا يعرفه حتى كفار قريش ومهما حاول أتباعهم وأحفادهم من كفار ومشركي هذه الأزمنة أن يثبتوا بزعمهم أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بالقرءان من عند نفسه وهو الذي كتبه فإننا نتحداهم بما تحداهم به القرءان، يقول الله تعالى في سورة البقرة: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين* فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} [البقرة: 23، 24]، فقد أخبرنا الله تعالى أنهم عاجزون عن ذلك في الحال وفي المستقبل فما استطاعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بمثل أقصر سورة من القرءان وهي ثلاث آيات.

وإن ادعى بعض دجاجلة هذا العصر أن قول الله تعالى: {اقرأ} دليل على أنه كان يقرأ المكتوب أو يكتبه يقال له هذا دليل عريض على جهلك، لأن كلمة اقرأ تأتي بمعنى التلاوة والقراءة عن ظهر قلب من غير نظر في الكتاب وهذا يعرفه أجهل الجاهلين وكيف يقال على زعمه في الأعمى الذي يقرأ القرءان عن ظهر قلب (قرأ) وهو لا يرى ولا يستطيع أن يقرأ في كتاب، ومع ذلك يقال «قرأ» و «تلا» و «قارئ» و«يتلو»، ويكذبه أيضا واقع الحال الذي هو أن النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه كان يعيد تلاوته وقراءته بعد قراءة جبريل عليه السلام، وإذا كان المراد بـ{اقرأ} هو النظر في صحيفة أو كتاب أعطاه إياه جبريل ليقرأ فيه بعينه فأين هذا الكتاب وأين هذه الصحيفة؟ أما كان ينبغي أن يحافظ على ذلك الكتاب أو الصحيفة؟

وإن زعم زاعم أن معنى أمي أي ليس من اليهود بل من هذه الأمة فالأمي نسبة إلى الأمة بزعمه وليس إلى عدم معرفة القرءاة والكتابة في الكتاب فيكذبه قول النبي صلى الله عليه وسلم «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» فقد شرح الرسول هنا معنى الأمية، وهذا معناه أنه يغلب على الأمة أنهم لا يكتبون ولا يحسبون في ذلك الوقت، وليس معناه أنه ليس فيهم من يكتب أو يقرأ بالمرة، فزال الإشكال ببيان الرسول لمعنى الأمية هنا بقوله لا نكتب ولا نحسب، فبفيه الحجر.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «وكان أميا لم يقرأ من كتاب ولم يتعلم صلى الله عليه وسلم. قال الماوردي: فإن قيل ما وجه الامتنان إن بعث نبيا أميا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء. الثاني: لمشاكلة حال لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثالث: لينتفي عنه سوء الظن في تعليمه ما دعا إليه من الكتب التي قرأها والحكم التي تلاها. قلت: وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته». اهـ.

وقال المفسر الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان في إيضاح القرءان بالقرءان ما نصه: «الأميين أي: العرب، والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب. اهـ.

وفي الحديث: «إنا أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب ولا نحسب»، وهذا حكم على المجموع لا على الجميع؛ لأن في العرب من كان يكتب مثل كتبة الوحي، عمر وعليا وغيرهم.

وكونه صلى الله عليه وسلم أميا بمعنى لا يكتب، بينه قوله تعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك.

وبين تعالى الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم أميا مع أنه يتلو عليهم آياته ويزكيهم بنفي الريب عنه كما كانوا يزعمون أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه فقال: إذا لارتاب المبطلون». اهـ.

وقال الإمام الفخر الرازي في كتابه التفسير الكبير ما نصه: «الأمي منسوب إلى أمة العرب، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم، ولا يقرءون كتابا ولا يكتبون. وقال ابن عباس: يريد الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم. اهـ.