الشرح: وروى الحافظ أبو نعيم([1]) عن ابن أخي الزهري عن عمه الزهري أن عمر بن الخطاب كان يحب قصيدة لبيد بن ربيعة التي منها هذه الأبيات وهي: [الرمل]
إن تقوى ربنا خير نفل([2]) | وبإذن الله ريثي وعجل |
ومعنى قوله: «إن تقوى ربنا خير نفل» أي خير ما يعطاه الإنسان.
وشرح هذه الأبيات من بحر الرمل وقد كان عمر يعجب بها لما فيها من الفوائد الجليلة.
فقوله: «إن تقوى ربنا خير نفل» أي أن تقوى الله خير ما يؤتاه الإنسان وخير ما يعطاه، والتقوى كلمة خفيفة على اللسان لكنها ثقيلة في العمل لأنها أداء ما افترض الله على العباد واجتناب ما حرم عليهم وهذا أمر ثقيل.
ومعنى قوله: «وبإذن الله ريثي وعجل»، أي أنه لا يبطئ مبطئ ولا يسرع مسرع إلا بمشيئة الله وبإذنه.
ومعنى ذلك أنه لا يبطئ مبطئ ولا يسرع نشيط في العمل إلا بمشيئة الله وإذنه، أي أن الله تبارك وتعالى هو الذي يخلق في العبد القوة والنشاط للخير، وهو الذي يخلق فيه الكسل والتواني عن الخير، أي أن الخير والشر اللذين يحصلان من الخلق كل بخلق الله تعالى ومشيئته.
وقوله: «أحمد الله فلا ند له»، أي لا مثل له. وقوله: «بيديه الخير»، أي والشر.
ثم إن الله تعالى هو مالك الخير ومالك الشر لا خالق للخير والشر من أعمال العباد إلا الله، ليس العباد يخلقونه ولا النور ولا الظلمة يخلقان ذلك كما قالت الـمانوية وهم قوم يقولون النور والظلمة قديمان أزليان ثم تمازجا فحدث عن النور الخير وعن الظلمة الشر وقد كذبهم المتنبي الشاعر في قوله: [الطويل]
وكم لظلام الليل عندي من يد | تخبر أن الـمانوية([3]) تكذب |
المعنى: أن إسناد خلق الشرور كلها إلى الظلام وتجريد الظلام من نفع وفائدة هذا كذب، الليل فيه منافع كما أن نور النهار فيه منافع. وإنما اقتصر لبيد بن ربيعة رضي الله عنه على ذكر الخير دون الشر اكتفاء بذكر الخير عن ذكر الشر لأنه معلوم عند أهل الحق أن الله خالق الخير والشر وعلى هذا اتفق أهل الحق، فإيمان المؤمنين وطاعاتهم وكفر الكافرين كل بخلق الله تعالى ومشيئته، إلا أن الخير الإيمان والطاعة بخلق الله ومشيئته ورضاه والشر أي الكفر والمعاصي بخلق الله يحصل من العباد لا برضاه بل نهاهم عن ذلك، وهو الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد لا يسأل عما يفعل. ولا يجوز قياس الخالق على الخلق كالذي يقول كيف يكون خالق الشر فينا ثم يحاسبنا في الآخرة على الشر فقد قاس الخالق على الخلق وذلك ضلال بعيد، لا يتم أمر الدين إلا بالتسليم لله فمن سلم لله سلم ومن ترك التسليم له فاعترض لم يسلم.
فإن قيل أليس الله تبارك وتعالى قال {بيدك الخير} اقتصر على ذكر الخير ولم يقل والشر فكيف يجوز أن يقال إنه خالق الخير والشر فالجواب في مواضع أخرى من القرءان ما يفيد أن الله تعالى خالق كل شيء، والشيء يشمل الخير والشر قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} [آل عمران: 26] فعلمنا من قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} أنه هو خالق الخير والشر لأنه هو الذي ءاتى أي أعطى الـملك للملوك الكفرة كفرعون والملوك المؤمنين كذي القرنين، فليس في ترك ذكر الشر مع الخير في قوله تعالى: {بيدك الخير} دليل على أن الله تعالى ليس خالقا للشر، وهذا عند علماء البيان يسمى الاكتفاء أي ترك ذكر الشيء للعلم به بذكر ما يقابله.
وأما قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] فالحسنة معناها هنا النعمة، والسيئة هنا معناها المصيبة والبلية، فمعنى الآية {ما أصابك من حسنة فمن الله} أي ما أصابك أيها الإنسان من نعمة فمن فضل الله عليك {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي وما أصابك أيها الإنسان من مصيبة وبلية فمن جزاء عملك، أعمال الشر التي عملتها نجازيك بها بهذه المصائب والبلايا، وليس المعنى أنك أنت أيها الإنسان تخلق الشر فالعبد لا يخلق شيئا لكن يكتسب الخير ويكتسب الشر والله خالقهما في العبد. وهذا التقرير معروف عند كثيرين، وهناك تقرير ءاخر للآية ينبغي أن يؤخذ به ويترك التقرير السابق وهو أن معنى قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله} محكي عن المشركين بتقدير محذوف وهو «يقولون أو قالوا» فيكون التقدير يقولون أو قالوا لمحمد ما أصابك من حسنة أي نعمة فمن الله وما أصابك من سيئة أي مصيبة فمنك يا محمد أي من شؤمك، وهذا التقرير خال عن الإشكال بخلاف الأول فإن فيه إشكالا، وقد قال هذا التقرير علماء منهم السيوطي الشافعي والقونوي الحنفي([4]).
وإنما اقتصر على ذكر الخير من باب الاكتفاء كقوله تعالى: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] أي والبرد لأن السرابيل تقي من الأمرين ليس من الحر فقط.
هذا في لغة العرب يقال له أسلوب من أساليب البلاغة باللغة العربية عند الفصحاء البلغاء وهو أن يذكر أحد الشيئين الداخلين تحت حكم واحد اكتفاء بأحدهما عن ذكر الآخر كما في قوله تعالى: {بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} [آل عمران: 26] فليس المعنى أنه قادر على الخير فقط وليس قادرا على الشر، وكما في قوله تعالى: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81] السرابيل هي القمصان، فقمصان الحديد الدروع التي تلبس في الحرب هذه تقي من السلاح، الله تعالى يمتن علينا بأنه خلق لنا هذا وهذا، خلق لنا سرابيل تقينا الحر أي والبرد وسرابيل أي قمصانا أي أدراعا من حديد تقيكم بأسكم أي السلاح.
ومعنى قوله: «ما شاء فعل» أي ما أراد الله حصوله لا بد أن يحصل وما أراد أن لا يحصل فلا يحصل.
وقوله: «من هداه سبل الخير اهتدى» أي من شاء الله له أن يكون على الصراط الصحيح المستقيم اهتدى.
وقوله: «ناعم البال» أي مطمئن البال. وقوله: «ومن شاء أضل» أي من شاء له أن يكون ضالا أضله.
ومعنى هذا البيت أن الله تبارك وتعالى من هداه سبل الخير أي من شاء له في الأزل أن يكون مهتديا على الصراط الصحيح المستقيم فلا بد أن يكون مهتديا أي على دين الله تبارك وتعالى وعلى تقواه.
وقوله: «ناعم البال» أي مطمئن البال للإيمان بالله تعالى وبما جاء عن رسوله.
وقوله: «ومن شاء أضل» أي أن الله تبارك وتعالى من شاء في الأزل أن يكون ضالا أضله أي خلق فيه الضلال، وهذا الكلام من أصول العقائد التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإحسان. فمن شاء الله له الهداية لا بد أن يهتدي الله يلهمه الإيمان والتقى فيهتدي باختياره لا مجبورا، وأما من شاء الله تعالى في الأزل أن يكون على خلاف ذلك أي أن يكون ضالا كافرا أضله الله تبارك وتعالى أي جعله كافرا فيختار هذا العبد الكفر. فلما في هذه الأبيات من التوحيد الخالص كان يعجب بهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلتحفظ فإنهن من جواهر العلم في أصول العقيدة.
ولا التفات إلى ما يقوله بعض الناس: «الله ما خلق الشر» فلتحذر وليحذر منها، فيجب تعليم الأطفال أن الله خالق الخير والشر ولكن يحب الخير ولا يحب الشر والله لا يسأل عما يفعل.
وروى البيهقي عن الشافعي أنه قال حين سئل عن القدر: [متقارب تام]
ما شئت كان وإن لم أشأ | وما شئت إن لم تشأ لم يكن |
فهذه الأبيات رواها عن الشافعي الربيع بن سليمان رضي الله عنه وهو من رواة الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقد فسر الشافعي القدر في هذه الأبيات بالمشيئة وهو تفسير من الإمام الشافعي للقدر على وجه البسط والتوسع، وحاصله أن الله تبارك وتعالى متصف بمشيئة أزلية أبدية لا تتغير كسائر صفاته لا يطرأ عليها الزيادة والنقصان، وجعل للعباد مشيئة حادثة تقبل التغير.
يقول الشافعي رضي الله عنه مخاطبا لله تبارك وتعالى: «ما شئت» أي يا ربنا «كان» أي ما سبقت به مشيئتك في الأزل لا بد أن يوجد «وإن لم أشأ» أي وإن لم أشأ أنا أي أنا العبد حصوله لأن مشيئة الله نافذة لا تتغير، والمعنى أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله فهي مخلوقة حادثة فكل مشيئة في العباد حصلت فإنما حصلت فينا لأن الله تعالى شاء في الأزل أن نشاء فتنفذت مشيئة الله تعالى فينا أن نشاء، ثم مرادنا الذي تعلقت به مشيئتنا لا يحصل إلا أن يشاء الله حصول هذا المراد وتحققه.
فمشيئة الله نافذة لا محالة لأنه لو كان لا يتحقق شيء من مرادات الله تعالى أي مما شاء الله تعالى أن يتحقق ويحصل لكان ذلك عجزا والعجز مستحيل على الله، لأن من شأن الإلـه أن تكون مشيئته نافذة في كل المرادات من خصائص الإلٰــه أن تكون مشيئته نافذة لا تتخلف أي لا بد أن يحصل ما شاء الله دخوله في الوجود، فيجب عقلا وشرعا نفاذ مشيئة الله تبارك وتعالى أي تحقق مقتضاها.
قال رضي الله عنه: «وما شئت إن لم تشأ لم يكن» معناه: إن أنا شئت حصول شيء بمشيئتي الحادثة إن أنت يا ربي لم تشأ حصوله بمشيئتك الأزلية لا يحصل لأن مشيئة الله أزلية نافذة لا تتخلف وأما مشيئة العبد فحادثة منها ما هو نافذ ومنها ما هو غير نافذ أي منها ما يتحقق ومنها ما لا يتحقق.
ومعنى قوله رضي الله عنه: «خلقت العباد على ما علمت» أن الله تبارك وتعالى يبرز عباده من العدم إلى الوجود على حسب ما سبق في علمه الأزلي لا على خلاف علمه الأزلي لأن تخلف العلم في حق الله تعالى مستحيل يجب تنزيه الله عنه.
وقوله رضي الله عنه: «ففي العلم يجري الفتى والمسن» في هذا الكلام حكمة كبيرة أي أن سعي الفتى أي الشاب والـمسن أي العجوز كل سعيه في علم الله تبارك وتعالى أي لا يخرج عن علم الله، هذا الفتى الذي هو ذو قوة ونشاط وهذا الـمسن الذي هو ذو عجز وضعف كل منهما لا يحصل شيء منه من الحركات والسكنات والنوايا والقصود والإدراكات إلا على حسب علم الله الأزلي، كل منهما في العلم يجريان أي يتقلبان على حسب مشيئة الله الأزلية، ويعملان على حسب علم الله الأزلي ويتصرفان ويسعيان على حسب علم الله الأزلي.
قال رضي الله عنه: «على ذا مننت وهذا خذلت» أي هذا مننت عليه أي وفقته للإيمان والهدى والصلاح وعلو القدر في الإيمان، ومعنى توفيق الله لعبده أي يجعله يصرف قدرته واختياره إلى الخير، ومعنى «وهذا خذلت» أي وهذا ما وفقته فلم يهتد للحق ولم يقبل الحق، ومعنى خذلان الله لعبده أي يجعله يصرف قدرته واختياره للشر.
قال رضي الله عنه: «وهذا أعنت وذا لم تعن» أي هذا أعنته على الأعمال التي ترضيك والآخر ما أعنته على ما يرضيك.
وليس معنى قول الشافعي: «وهذا أعنت وذا لم تعن» أن الله لا يعين على الشر وإنما يعين على الخير فقط، فأهل السنة متفقون على أن الله هو المعين على الخير وهو المعين على الشر، والإعانة التمكين أي أن الله هو الذي يمكن العبد لفعل الخير وهو الذي يمكنه لفعل الشر، صرح بذلك إمام الحرمين([5]) وأبو سعيد المتولي([6]) قبله والشيخ محمد الباقر النقشبندي والأمير الكبير المالكي صاحب المجموع([7]) وقد جهل هذا الاعتقاد الحق الضروري بعض جهلة النقشبندية في هذا العصر.
قال رضي الله عنه: «فمنهم شقي ومنهم سعيد، وهذا قبيح وهذا حسن» المعنى أن من شاء الله له أن يكون شقيا أي من أهل العذاب الأليم كان كذلك، ومن شاء الله له أن يكون سعيدا من أهل النعيم المقيم كان كذلك.
وليعلم أن كتاب الشقاء والسعادة ثابت لا يغير ولا يدخله التعليق وإنما الذي يتغير بمشيئة الله ما كان من نحو الرزق والمصيبة.
فالدعاء ينفع في الأشياء التي هي مما سوى السعادة والشقاوة لأن السعادة والشقاوة هذا شيء لا يدخله التعليق لأن السعادة هي الموت على الإيمان والشقاوة هي الموت على الكفر، فمن علم الله أنه يموت على الإيمان لا يتبدل ذلك، ومن علمه يموت على الكفر لا يتبدل ذلك. فكلا الفريقين يختم له على ما كتب له ولو سبق له التنقل من إيمان إلى كفر أو من كفر إلى إيمان مرات عديدة.
أما السعادة الدنيوية فتبدل وقد يدخلها التعليق بأن يكون كتب في صحف الملائكة إن دعا بكذا أو تصدق بكذا أو وصل رحمه أو بر والديه ينال كذا وإن لم يفعل ذلك لا ينال ذلك الشيء. السعادة الدنيوية هي كالبيت الواسع والمركب الهنئ والزوجة الصالحة والجار الصالح هذه الأمور الأربعة هي من السعادة الدنيوية كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الحافظ ضياء الدين المقدسي([8]).
فتبين بهذا أن الضمير في قوله تعالى: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] يعود إلى الله لا إلى العبد كما زعمت القدرية بدليل قوله تعالى إخبارا عن سيدنا موسى {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} [الأعراف: 155].
فسيدنا موسى عليه السلام لما ذهب لميقات ربه أي لمناجاة الله أي لسماع كلام الله الأزلي خلف على قومه أخاه هارون وكان نبيا، ثم قضى أربعين ليلة ثم عاد إليهم فوجدهم قد عبدوا العجل إلا بعضا منهم وذلك بعد أن اجتاز بهم البحر ورأوا هذه المعجزة الكبيرة وهي انفلاق البحر اثني عشر فرقا كل فرق كالجبل العظيم وأنقذهم من فرعون، فتنهم شخص يقال له موسى السامري فقد صاغ لهم عجلا من ذهب ووضع فيه شيئا من أثر حافر فرس جبريل لأنه عندما أراد فرعون أن يخوض البحر كان جبريل على فرس، هذا الخبيث رأى موقف فرس جبريل فأخذ منه شيئا ووضعه في هذا العجل المصور من ذهب فأحيا الله تعالى هذا العجل فصار يخور كالعجل الحقيقي خلق الله فيه الحياة فقال لهم السامري: هذا إلـهكم وإلـه موسى، حملهم على عبادة هذا العجل ففتنوا فعبدوا هذا العجل، فلما أخبر سيدنا موسى بذلك اغتاظ على هؤلاء اغتياظا شديدا ثم أخذ هذا السامري فقال له سيدنا موسى {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا}([9]) [طه: 97] ثم اختار موسى وجرد من قومه سبعين شخصا ليأخذهم للتضرع إلى الله تعالى فأخذتهم الرجفة أي اهتزت بهم الأرض فقال موسى متضرعا إلى الله {واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هـذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنـا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكـاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} [الأعراف: 155، 156].
معناه هذا الأمر الذي حدث بقومي من عبادتهم العجل فتنتك أي امتحان وابتلاء منك، تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أي يا ربي أضللت بها قسما وهديت قسما. وقد ضل عن معنى هذه الآية أناس يدعون العلم فقالوا في قوله تعالى: {كذلك يضل الله من يشاء} [المدثر: 31] أي إن شاء العبد الضلالة يضله الله لأنهم يعتقدون أن الله ما شاء ضلالة من ضل إنما هم شاءوا والله شاء لهم الهداية، فجعلوا مشيئة الله مغلوبة حيث إنها لم تتنفذ على قولهم ومشيئة العبد جعلوها نافذة فجعلوا الله مغلوبا والله غالب غير مغلوب. وعقيدتهم هذه تنقيص لله تعالى فليعلموا ذلك. ومن هؤلاء في هذا العصر فرقة نبغت في دمشق وهم جماعة أمين شيخو كان لا يحسن العربية ولا علم الدين انتسب للطريقة النقشبندية على يد شيخ صالح ولم يسبق له تعلم علم العقيدة ولا الأحكام إنما كان شرطيا أيام الاحتلال الفرنسي فتبعه أناس جهال لم يتلقوا علم الدين وإن كان بعضهم تلقى العلوم العصرية فضلوا وأضلوا، منهم رجل يقال له عبد الهادي الباني ومنهم رجل من ءال الخطيب عمل تفسيرا فصار يفسر بعض ءايات المشيئة بهذا الاعتقاد الفاسد([10]).
فائدة: قال بعض العلماء: اليهود مشتق ومأخوذ من قول قوم موسى {إنا هدنا إليك} أي رجعنا إليك يا الله([11]) وهذا لا ينطبق إلا على الذين كانوا مؤمنين به وبشريعته على ما هي عليه أما هؤلاء أخذوا الاسم وهم ليسوا على شريعة موسى وذلك منذ كفروا بعيسى وأما ابتداء تحريفهم للتوراة فيحتمل أن يكون قبل مجيء عيسى لكن زادوا في التحريف بعد مجيء عيسى عليه السلام.
([1]) حلية الأولياء (3/369 – 370).
([2]) النفل هنا معناه العطية فتقوى الله خير ما يعطاه الإنسان، قال الفيومي في المصباح (ص236): «النفل الغنيمة قال إن تقوى ربنا خير نفل أي خير غنيمة والجمع أنفال».
([3]) المانوية يقال لهم أيضا الثانوية وهم طائفة من المجوس.
([4]) القلائد شرح العقائد (229 – 300).
([8]) الأحاديث المختارة (3/240 – 241).
([9]) سيدنا موسى عليه السلام قال لهذا السامري {وانظر إلى إلهك} في مقام التوبيخ ليس في مقام الإثبات في مقام التحقير في معرض الإهانة معناه أنت اتخذته إلها وهو ليس إلها.
([10]) ومنهم محمد راتب النابلسي الدمشقي فإنه ذكر هذه العقيدة الفاسدة في كتابيه «نظرات في الإسلام» و«تأملات في الإسلام».
([11]) وقال بعضهم: إنما سموا اليهود لتهوذدهم أي تمايلهم عند قراءة التوراة.