بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
حل ألفاظ رسالة ابن عساكر
(بسم الله الرحمٰن الرحيم) أى أبتدئ تصنيفـى لـهذه الرسالة بقول بسم اللـه متبـركا بذكر اسم اللـه. ولفظ الـجلالة اللـه اسم يدل على ذات اللـه المستحق لنهاية الـتعظيم ومعناه من له الإلــٰهية أى من له القدرة على إبراز الأحجام وصفاتـها من العدم إلـى الوجود. والرحـمـٰن معناه الكثيـر الرحـمة للمؤمنيـن والكافرين فـى الدنيا وللمؤمنيـن خاصة فـى الآخرة أما الرحيم فمعناه الكثيـر الرحـمة للمؤمنيـن. (قال الشيخ فخر الدين) أبو منصور عبد الرحمٰن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقى المعروف بابن عساكر الفقيه الشافعى المشهور، ولد سنة خمسين وخمسمائة وتوفى سنة ستمائة وعشرين هـ. (رحمه الله. اعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على كل مكلف وهو البالغ العاقل الذى بلغته دعوة الإسلام (أن يعلم) ويعتقد جزما (أن الله عز وجل واحد) لا شريك له (فى ملكه) فهو المالك الحقيقي الوحيد لكل ما دخل في الوجود (خلق العالم بأسره العلوى) أي العالم العلوى وهو السموات وما فوقها (والسفلى) أي العالم السفلى وهو الأرضون وما تحتها (والعرش) وهو أعظم الأجسام حجما وهو سقف الجنة خلقه الله إظهارا لقدرته لا ليجلس عليه لأنه غنى عن كل شىء (والكرسى) وهو جسم عظيم خلقه الله تحت العرش، السموات السبع بالنسبة إلى الكرسى كحلقة ملقاة فى أرض فلاة (والسموات والأرض وما فيهما وما بينهما) والمعنى أن كل شىء فى هذا العالم إن كان فى السموات أو فى الأرض أو فوق السموات أو بين السموات والأرض أو تحت الأرض كل ذلك بخلق الله عز وجل هو الذى أخرجه من العدم إلى الوجود ويدخل فى ذلك أعمال العباد ونواياهم إذ هى جزء من هذا العالم قال الله تعالى ﴿وخلق كل شىء﴾. المقصود بما فى السموات كالملائكة وبما فوقها كالجنة وبما بين السموات والأرض كالقمر والشمس والنجوم وبما فى الأرض كالبشر وبما تحت الأرض كجهنم فإنها موجودة تحت الأرض السابعة منفصلة عنها (جميع الخلائق مقهورون بقدرته) أي تحت سيطرته عز وجل وقهره، لا تخرج عن إرادته، ولا تقدر على معارضته في شيء من أفعاله (لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ليس معه مدبر فى الخلق) فهو سبحانه وتعالى المدبر لكل شيء على الحقيقة، أي الذي يصرف الأشياء على مقتضى مشيئته وعلمه الأزليين، فلا يحصل في كل العالم حركة ولا سكون إلا بتدبيره عز وجل (ولا شريك فى الملك حى) وحياته أزلية أبدية، ليست بروح وجسد (قيوم) لا يلحقه فناء (لا تأخذه سنة ولا نوم) أى أن الله منزه عن السنة وهى النعاس وعن النوم (عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء يعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين. أحاط بكل شىء علما وأحصى كل شىء عددا) والمعنى أن الله تعالى يعلم الأشياء جملة وتفصيلا بعلمه الأزلى الذي لا يزيد ولا ينقص فهو عالم فى الأزل بكل شىء عالم بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون (فعال لما يريد) ولا يحتاج إلى استعانة بغيره (قادر على ما يشاء) لا يعجزه شىء (له الملك) أى له السلطان التام الذى لا يزول ولا ينازعه فيه منازع (وله الغنى) أى القيام بنفسه أى لا يحتاج إلى غيره (وله العز والبقاء) فهو العزيز الذى لا يغلب والباقي الذي لا يفنى ولا يبيد (وله الحكم) يحكم بما يريد (و) له (القضاء) أى الخلق والأمر (وله الأسماء الحسنى) أى الدالة على الكمال (لا دافع لما قضى) أى لا أحد يمنع نفاذ مشيئة الله (ولا مانع لما أعطى) ولا معطي لـما منع (يفعل فى ملكه ما يريد ويحكم فى خلقه بما يشاء) أى أنه سبحانه وتعالى يحرم ما يشاء ويفرض ما يشاء (لا يرجو) من عباده (ثوابا) أو منفعة (ولا يخاف) من أحد منهم (عقابا ليس عليه حق يلزمه ولا عليه حكم) والمعنى أن الله تعالى ليس عليه واجب يلزمه فعله ولا حكم عليه لأحد إذ لا يمنعه أحد من شىء ولا يأمره أحد بشىء سبحانه وتعالى (وكل نعمة منه فضل) أى ليس فرضا على الله أن يعطى عباده النعم بل هو متفضل متكرم بذلك فلو لم يعطهم هذه النعم لم يكن ظالما لهم (وكل نقمة منه عدل) والمعنى أن من أثابه الله فبفضله ومن عاقبه فبعدله ولا يظلم الله أحدا ولا يعترض عليه (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) أى أنه لا يعترض عليه فى فعله ولا يسأل لم فعلت كذا وأما العباد فيسألون. روى الترمذى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال »لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به«. (موجود قبل الخلق وحده فى الأزل ليس له قبل ولا بعد) وهذا نفى لسبق العدم عن الله وكذلك نفى للحوق الفناء به تبارك وتعالى (ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف) هذا أصل من أصول الاعتقاد وهو تنزيه الله عز وجل عن أن يكون فى أية جهة من الجهات أو فى جميعها. وليس الأمر كما يعتقد بعض الجهلة أن الله موجود فى جهة فوق وبعضهم يعتقد أن الله فى جهة أمام منحصر بين العبد وبين الكعبة وبعضهم يعتقد أنه كالهواء حال ومنبث فى كل مكان وهذا كله باطل ينافى التوحيد الصحيح (ولا كل ولا بعض) أى أن الله تبارك وتعالى ليس جسما مركبا من أجزاء ولذلك لا يوصف بالكلية ولا بالبعضية والجزئية (ولا يقال متى كان ولا أين كان ولا كيف) المعنى أنه لا يجوز أن يقال متى كان الله لأن هذا فيه نسبة البداية والوجود بعد سبق العدم إليه سبحانه وجريان الزمان عليه، ولا يجوز كذلك أن يقال أين كان الله على معنى السؤال عن موضع له ومكان ولا أن يقال كيف كان لأن فيه نسبة الكيفية أى صفات المخلوقين إليه سبحانه (كان ولا مكان) وقد نقل التميمى إجماع أهل السنة على أن الله تعالى موجود بلا مكان فى كتابه الفرق بين الفرق ( كون الأكوان ودبر الزمان لا يتقيد بالزمان ولا يتخصص بالمكان) والمعنى أنه سبحانه خالق المكان ومدبر الزمان ومجريه ومكون الأكوان أى خالق المخلوقات ومبرزها من العدم إلى الوجود فلا يحتاج إليها سبحانه ولا يوصف بصفاتها (ولا يشغله شأن عن شأن) ولا أمر عن إنفاذ أمر آخر، وإنما يحصل ذلك لمن يشتغل بالجوارح ويستعين بالآلات كالإنسان، فإن الإنسان إذا استغرق شغل جوارحه بأمر عسر عليه الاستعانة بها في أمر ثان، والله عز وجل منزه عن ذلك كله، فهو تعالى يبرز الأشياء من العدم إلى الوجود بمشيئته وقدرته فى الوقت والمكان الذى شاء وجودها فيه ولا يؤخر ذلك ولا يمنعه مانع (ولا يلحقه وهم ولا يكتنفه عقل ولا يتخصص بالذهن ولا يتمثل فى النفس ولا يتصور فى الوهم ولا يتكيف فى العقل لا تلحقه الأوهام والأفكار) هٰذا يختصره قول الإمام ذي النون المصري إبراهيم بن توبة رحمه الله تعالى، حيث قال «مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذٰلك» رواه الخطيب في تاريخ بغداد، والمعنى إذا خطر ببالك أي تصور عن الله، فاعلم يقينا أن الله لا يشبه ذٰلك. وذٰلك لأن كل ما تتصوره ببالك فهو مخلوق، والخالق لا يشبه مخلوقه، كما قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه «من انتهض لمعرفة مدبره فاطمأن إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل، وإن اطمأن إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد» اهـ. لذٰلك نهى السلف عن التفكر في ذات الله تعالى للوصول إلى حقيقته، لأنه لا يعلم الله على الحقيقة إلا الله، إنما معرفتنا بالله هي بمعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز في حقه، قال ابن عباس رضي الله عنهما «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله» رواه البيهقي. وكل من يتفكر في ذاته تعالى فيتخيل بخياله صورة أو يتوهمها بوهمه ويعتقد أن ما تخيله وتوهمه هو الله، فهو ليس مسلما موحدا، إذ لا فرق بينه وبين عابد الصنم؛ فعابد الصنم عبد صورة نحتها، وهٰذا عبد صورة تخيلها. وأما المؤمن المصدق فيعبد من لا شبيه له ولا مثل، كما قال الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه «غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان»، وهٰذا كله يؤخذ من قوله تبارك وتعالى في الآية المحكمة الجامعة من سورة الشورى ﴿ليس كمثله شيء﴾، ولذٰلك ختم رحمه الله عقيدته النافعة هٰذه بإيراد هٰذه الآية ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ فقال (ليس كمثله شىء وهو السميع البصير) أي أن الله تعالى لا يشبه المخلوقات بأي وجه من الوجوه، ليس جسما ولا يوصف بصفات الأجسام، لأن الجسم ما له طول وعرض وسمك وتركيب، وهٰذا لا يكون إلا للمخلوق، أما الله فهو الخالق الذي لا يشبه المخلوق، فربنا سبحانه لا طول ولا عرض ولا سمك ولا تركيب له، ليس جسما قصيرا ولا طويلا، ولا سمينا ولا نحيلا، ولا يجلس على العرش، ولا يقوم ولا يقعد، ولا يسكن في السماء، ولا يوصف بأي صفة من صفات الأجسام، فهو موجود بلا مكان، لا يحتاج إلى شيء، ولا يشبه شيئا، مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذٰلك. هٰذه عقيدة التنزيه، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. وتنزيه الله معناه نفي النقص عن الله. نسأل الله تعالى أن يميتنا على هٰذه العقيدة السنية، والحمد لله رب العالمين.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين
لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=88tVmvKDAwU&t=4s
للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/bin_asaker
الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com