إن بعض الناس توهموا منها وهما لم يتلقوه بطريق التعلم والسماع من أهل المعرفة، فصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» رواه البخاري، فقد تصوروا أن معنى الآية أن الكافر الأصلي إن دخل في دين الإسلام والمؤمن المذنب إن تاب من ذنوبه تحولت سيئاتهم إلى حسنات أو أنهم يثابون بهذه السيئات حسنات ولا يقول بذلك ذو فهم، وهي دعوة خطيرة للاستكثار من المعاصي ورد صريح لما دلت عليه النصوص المحكمة، وقد قال النسفي: «ورد النصوص كفر»، وهاك نقولا عن بعض العلماء في تفسير الآية:
روى علي بن أبي طلحة في صحيفته التي ضمنها تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، قال ابن عباس: «هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات «قوله فحولهم أي وفقهم» وقد ذكر هذه الرواية عن ابن عباس كثيرون منهم الطبري وابن كثير والفخر الرازي والسيوطي وغيرهم.
وقال الحسن البصري: «أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح وأبدلهم بالشرك إخلاصا وأبدلهم بالفجور إحصانا وبالكفر إسلاما» وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين وهو تفسير حسن جدا.
وقال الآلوسي: «يبدل الله في الدنيا سيئاتهم حسنات» بأن يمحو سوابق معاصيهم ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم كما يشير إلى ذلك كلام كثير من السلف».
وقال النسفي في تفسيره([1]): «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» أي يوفقهم للمحاسن بعد القبائح أو يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات، الإيمان والطاعة، ولم يرد أن السيئة بعينها حسنة ولكن المراد ما ذكرنا». اهـ.
وقال الفخر الرازي في «التفسير الكبير»([2]): «قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى وتكتب الحسنة مع التوبة». اهـ.
وقال أبو جعفر ابن جرير الطبري في «جامع البيان في تفسير القرءان»([3]) وبعد سرد طويل: «وأولى التأويلين بالصواب تأويل من تأوله {فأولئك يبدل الله سيئاتهم} أعمالهم في الشرك {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} في الإسلام بنقلهم عما يسخط الله من الأعمال إلى ما يرضى، وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تغير عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه من صفتها في حال أخرى فيلزم إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام أو معاصيه كلها بأعيانها طاعة وذلك ما لا يقوله ذو حجا». اهـ.
وفي قوله تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} إخبار عن فضل الله عليهم وتوفيقه إياهم أن نقلهم من حال الكفر والشرك إلى الإيمان والإسلام ومن حال المعصية إلى الطاعة، وأنه سبحانه يتفضل عليهم بإثابتهم على حسنة التوبة والإيمان ولواحق الطاعات.
تنبيه مهم جدا: لا يثبت «ما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل من هم؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات». قال الآلوسي عن هذا الحديث: وفي كلام أبي العالية ما هو ظاهر في إنكار تمني الاستكثار من السيئات، فقد أخرج عبد بن حميد عنه أنه قيل له: إن أناسا يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب فقال: ولم ذلك؟ فقيل يتأولون هذه الآية: «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» وكان أبو العالية إذا أخبر بما لا يعلم قال: ءامنت بما أنزل الله في كتابه، فقال ذلك ثم تلا هذه الآية: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل عمران: 30]، وهو يريد أن ما تلاه مناف لما زعموه من التمني بل لا يود أحد يوم القيامة أنه استكثر من السيئات لا يصير هذا.
وهذه الآية: {وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} تكفي حجة على المخالفين، وذلك دليل ءاخر على عدم صحة الحديث المروي أعلاه عن أبي هريرة رضي الله عنه لما فيه من التناقض مع الآية الكريمة وعلى عدم صحة ما ينسب إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للصحابة «أنا أكثركم حسنات لأني أكثركم سيئات في الجاهلية» ففي الآية {وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} ما يرده، ولا يجوز أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابي كلاما معارضا لهذه الآية كهذا الحديث المزعوم «ودوا أنهم استكثروا من السيئات».
ولا يلتفت إلى إيراده في بعض الكتب فليس كل ما في الكتب صحيحا، ولا تخفى القاعدة أن ما عارض المتواتر يرد إن لم يقبل تأويلا كما قال بذلك الأصوليون.
وفي «حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي» للقاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي([4]): «بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم. وفي ص158 يقول عن الحديث الموضوع «ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل من هم يا رسول الله قال الذين بدل الله سيئاتهم حسنات»: «لم أره، وأمارة الوضع لائحة عليه، فتمني السيئات شيء سيئ». اهـ.
ثم لا يخفى ما ورد في الشريعة من عظم جرم الإصرار على الذنوب وهو معنى الاستكثار من السيئات حتى تزيد على الحسنات، ولذلك نقل القرطبي في التذكرة عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال «الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يرخص لهم في معصية الله عز وجل». وقال القرطبي في «الجامع لأحكام القرءان»([5]): «قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا، يبدلهم الله إيمانا من الشرك، وإخلاصا من الشك، وإحصانا من الفجور. وقال الزجاج: ليس بجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن بجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة».
وقال الحافظ السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس أنه قال([6]): «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» فأبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم». وقال([7]): «عن الحسن قال: التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيئ العمل الصالح وبالشرك إخلاصا وبالفجور عفافا ونحو ذلك. وعن مجاهد قال: الإيمان بعد الشرك».
وقال الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب»([8]): «قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة».
وقال الطبري في تفسيره([9]): «فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتالهم مع المشركين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وعن ابن عباس قال: بالشرك إيمانا، وبالقتل إمساكا، وبالزنا إحصانا».
وفي كتاب تفسير ابن زمنين([10]): «فأما التبديل في الدنيا فطاعة الله بعد عصيانه وذكر الله بعد نسيانه».
وفي كتاب «الكشف والبيان عن تفسير القرءان»([11]): «قال ابن عباس وابن جبير والضحاك وابن زيد: يعني فأولئك يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا».
وفي كتاب الحاوي([12]): «قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب. قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات». وقال([13]): «قال النحاس: من أحسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع. قال مجاهد والضحاك: أن يبدلهم الله من الشرك الإيمان وروي نحوه عن الحسن.
وفي كتاب «الهداية إلى بلوغ النهاية»([14]): «قال ابن عباس معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيئات حسنات. أي مكان عمل السيئات عمل الحسنات. وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا».
وفي كتاب «الأنوار الساطعات لآيات جامعات»([15]): «عن ابن عباس قال: هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيئات حسنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا، وبالكفر إسلاما، وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة ءاخرين».
وفي كتاب تفسير الشيخ المراغي([16]): «لكن من رجع عن هذه الآثام مع إيمانه وعمل الصالحات فأولئك يمحو الله سوابق معاصيه بالتوبة ويثبت له لواحق طاعته. والخلاصة، أنه يعفو عن عقابه، ويتفضل بثوابه، والله واسع المغفرة لعباده، فيثيب من أناب إليه بجزيل الثواب، ويبعد عنه شديد العقاب».
وفي تفسير القشيري المسمى لطائف الإشارات للقشيري النيسابوري([17]): «ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم». اهـ. أي بعد إسلامهم.
وفي تفسير الخازن لعلاء الدين بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن([18]): «قال ابن عباس: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا».
وفي تفسير الخطيب الشربيني المسمى السراج المنير للشيخ محمد بن أحمد الخطيب الشربيني([19]): «قال ابن عباس ومجاهد: هذا التبديل في الدنيا فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصانا وعفة، فكأنه تعالى يبشرهم بتوفيقهم لهذه الأعمال الصالحة فيثبت له الثواب. وقال الزجاج: إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب مع التوبة حسنة».
فتبين من مجموع هذه الأدلة والنقول أن ما افتراه عمرو خالد المصري وبعض المعاصرين في هذا الزمان من أدعياء المشيخة والعلم في سوريا ولبنان ومصر وتركيا من أن المسلم العاصي إذا تاب عين معاصيه تنقلب حسنات، هو قول ساقط مردود لا يعبأ به ولا بقائله، وهو تكذيب للإسلام وتشجيع للفسقة على الإكثار من الزنا واللواط والقتل والغصب وأكل أموال الناس بالباطل، ثم يقولون «نتوب فتنقلب معاصينا حسنات»، ولا يقول بهذا ذو لب وتحصيل.
([1]) (دار الكتاب العربي 1402هـ الجزء الثالث ص176).
([2]) التفسير الكبير (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1311هـ، المجلد الثاني عشر الجزء 24 ص98).
([3]) جامع البيان في تفسير القرءان (دار الجيل – بيروت، المجلد التاسع الجزء 19 ص30).
([4]) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (ج7 ص157).
([5]) الجامع لأحكام القرءان (ج13/78).
([9]) تفسير الطبري 310 (دار هجر المجلد 12 ج17 ص517).
([10]) تفسير ابن زمنين (1/483).
([11]) الكشف والبيان عن تفسير القرءان (7/150).
([14]) الهداية إلى بلوغ النهاية (8/5260).
([15]) الأنوار الساطعات لآيات جامعات (1/444).
([16]) تفسير الشيخ المراغي (19/40).