الأربعاء مارس 11, 2026

قال الله تعالى:
{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين
نارا أحاط بهم سرادقها}
 [الكهف: 29].

قال المفسر أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة 671هـ في كتابه «الجامع لأحكام القرءان» ما نصه([1]): «قوله تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، الحق رفع على خبر الابتداء المضمر؛ أي قل هو الحق. وقيل: هو رفع على الابتداء، وخبره في قوله من ربكم. ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر؛ ليس إلي من ذلك شيء، فالله يؤتي الحق من يشاء وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا، ولست بطارد المؤمنين لهواكم؛ فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا. وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة إنا أعتدنا أي أعددنا للظالمين أي للكافرين الجاحدين نارا أحاط بهم سرادقها». اهـ.

وهذا تهديد ووعيد صريح لا خفاء فيه.

وقال المفسر أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي المتوفى سنة 516هـ في تفسيره المسمى «معالم التنزيل» ما نصه([2]): «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]، وقال: فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط بكم سرادقها وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته، {إنا أعتدنا} أعددنا وهيأنا من الإعداد وهو العدة {للظالمين} للكافرين». اهـ.

وقال أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري المتوفى سنة 468هـ في كتابه الوسيط في تفسير القرءان المجيد ما نصه([3]): «{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، قال مجاهد والسدي: هذا وعيد من الله وإنذار وقد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر فقال: {إنا أعتدنا للظالمين نارا} أي هيأنا وأعتدنا لمن عبد غير الله نارا {أحاط بهم سرادقها} السرادق كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط». اهـ.

وقال المفسر الحافظ المشهور أبو الفرج عبد الرحمـن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597هـ في كتابه «زاد المسير في علم التفسير» ما نصه([4]): «قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} والثاني أنه وعيد وإنذار وليس بأمر، قاله الزجاج». اهـ.

وقال القاضي المفسر أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي المتوفى سنة 546هـ في كتابه «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» ما نصه([5]): «الآية توعد وتهديد، أي فليختر كل امرئ لنفسه ما يجده غدا عند الله عز وجل». اهـ.

وقال الفقيه المفسر المشهور فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي المتوفى سنة 604هـ في كتابه «التفسير الكبير» أو مفاتيح الغيب بعد ذكره فوائد في تفسير هذه الآية ما نصه([6]): «{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، الفائدة الثانية: نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست بتخيير. الفائدة الثالثة: أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا ينضر بكفر الكافرين، بل نفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم، كما قال تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة وبذكر الوعد على الإيمان والعمل الصالح. أما الوعيد فقوله تعالى: {إنا أعتدنا للظالمين نارا} يقول أعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه. فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام نارا وهي الجحيم». اهـ.

فتبين من مجموع نقول علماء التفسير أن هذه الآية الكريمة تهديد ووعيد لمن كفر بالنار، وليس إذنا وتخييرا لهم بالكفر، كما قال كثير من المارقين في هذا العصر محرفين لمعنى هذه الآية الكريمة محتجين بها لزعمهم الفاسد بأن الله أعطى الحرية للكافرين بألا يؤمنوا ولا يسلموا وأن يختاروا الكفر والضلالة وهذا كفر بواح صراح.

وقد نقل الفقهاء عن الأئمة كأبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: «الرضا بالكفر كفر».

وقد قال الله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر}، وقال: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}، والكفر بأنواعه هو رأس الظلم والفساد والبغي والمنكر، فكيف يأذن الله ويأمر به؟! سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

وآيات التهديد والوعيد لمن كفر بالله كثيرة جدا، فلينظر إليها من شاء في المصحف الشريف.

ومن أشنع الفضائح وأبشعها طلوع النائب المصري الوهابي في شهر ءاذار 2012 في شريط مسجلا بصوته وصورته فقال: «يحق للمسيحيين أن يسبوا سيدنا محمدا بدليل قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وتوقف من توقف من أسلافه المتسلقين على كراسي النيابة ومثلهم كمن قرأ: فويل للمصلين، وتوقف وكمن قرأ: ولا تقربوا الصلاة، وتوقف، سكتوا فسقطوا…

 

([1]) الجامع لأحكام القرءان (10/393).

([2]) معالم التنزيل (المجلد الثالث ص159 طبعة دار المعرفة بيروت سنة 1413هـ).

([3]) تفسير القرءان المجيد (طبعة دار الكتب العلمية بيروت الجزء الثالث ص146).

([4]) زاد المسير في علم التفسير، الجزء الخامس طبعة المكتب المسمى الإسلامي ص134).

([5]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (الجزء الثالث طبعة دار الكتب العلمية ص513).

([6]) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب (في المجلد الحادي عشر طبعة دار الكتب العلمية ص102).