الخميس مارس 5, 2026

قال الله تعالى:
{واتقوا الله ويعلمكم الله}
[البقرة: 282]

التقوى هي أداء الواجبات واجتناب المحرمات، ومن جملة الواجبات تعلم القدر الضروري من علم الدين، فلا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلم ما فرض الله على عباده معرفته من علم دينه، فلا يكون متقيا مهما أتعب نفسه في العبادات وجاهد نفسه بتحمل مشقات العبادة وكفها عن هواها، ويغتر بعض الناس بحديث «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم». هذا الحديث ضعيف الإسناد، على أن معناه ليس كما يزعمون فإن معناه: من تعلم ما هو فرض عليه وعمل بذلك أعطاه الله من العلم الموهوب وهو العلم اللدني، وهذا العلم غير مكتسب وهو حرام على من تقاعس عما افترض الله عليه.

والحجة في إثبات ذلك قول الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله}، دلت الآية على أن من اتقى الله تعالى هو من يرزق هذا العلم، أما من لم يكن من المتقين فليس من أهل هذه الآية، فالعلم الموهوب هو العلم اللدني الذي يرزقه الأتقياء من غير تعلم له، كعلم تأويل المنام والدراية في أمور المعارك الذي كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه باع طويل به.

أكثر المتصوفة على هذه الحال لا يطلبون العلم الشرعي إلى القدر الكافي، إنما يميلون إلى الإكثار من الذكر فهؤلاء لا يصيرون من أولياء الله مهما تعبوا ومهما صحبوا من أولياء الله ومهما خدموهم لا يصيرون من الصالحين إلا إذا أتتهم نفحة فيتعلمون ويجدون في العمل وهؤلاء من أهل العناية وأما الذين بقوا على ما هم عليه من الجهل وظنوا أنهم يصلون إلى الله بالذكر ومحبة الأولياء فهم مخدوعون. ومن أحوالهم الفاسدة أن الشياطين ليوحون لهم منكر القول وفساد الاعتقاد فيقولون حدثني قلبي عن ربي.

قال الإمام المفسر اللغوي النحوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره «البحر المحيط»، عند شرحه لهذه الآية ما نصه([1]): «{واتقوا الله ويعلمكم الله} أي في ترك الضرار، أو في جميع أوامره ونواهيه». ثم قال: «وقيل: معنى الآية الوعد، فإن من اتقى علمه الله، وكثيرا ما يتمثل بهذه بعض المتطوعة من الصوفية الذين يتجافون عن الاشتغال بعلوم الشريعة، من الفقه وغيره، إذا ذكر له العلم والاشتغال به، قالوا: قال الله {واتقوا الله ويعلمكم الله}. ومن أين تعرف التقوى؟ وهل تعرف إلا بالعلم؟». اهـ.

وليحذر من قول بعض جهلة الصوفية أن الذي يكثر من ذكر الله وصلاة النافلة أنه يستغني بهذه الأعمال عن العلم الديني الضروري، وهذا كلام فاسد لم يقل به أحد من العلماء، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه ابن ماجه والبيهقي.

قال القاضي الفقيه عبد الواحد بن إسماعيل الروياني (ت502هـ) في كتابه «بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي»([2]) شارحا لهذا الحديث: «أراد به علم ما لا يسع جهله».اهـ

كما فصل أبو حامد الغزالي في ما يجب وجوبا عينيا على كل مكلف تعلمه من علم الدين في كتابه «إحياء علوم الدين»([3]).

وقال الإمام العلامة جمال الدين أبو بكر الخوارزمي المتوفى سنة 383هـ في كتابه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ما نصه([4]): «الباب الثاني في فرض العين: إن الفرائض الواجبة على العباد على قسمين، منها ما هو فرض عين وتفسير فرض العين، أنه يجب على كل آدمي خاص وعام أمير ووزير، وحر، وعبد، وشيخ، وشاب مسلم، وكافر. فعلى مذهب أهل السنة والجماعة أن الكفار مخاطبون بالشرائع فرضا واجبا على العامة والخاصة ولجميع الناس كافة ففرض العين ما يجب على كل مكلف ولا يسقط بفعل بعض الناس عن بعض وذلك كمعرفة الله تعالى أنه حي قادر مريد، له (أي سبحانه) بعثة الأنبياء من غير وجوب عليه وأنه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة فطاعته فريضة وشريعته مؤيدة من الله أنه نبي في قبره رسول في روضته كما في حياته، ما بطلت رسالته ولا تراخت نبوته، فمعرفة فرض العين أركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وشرائط المعاملات إن كان تاجرا وأحكام النكاح إن كان متأهلا وأحكام الوزارة والإمارة إن كان أميرا. فيجب على كل واحد أن يعلم أن فرض عينه في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة من الصلاة وأركانها كذا وكذا ويعرف عددها وشرائطها وكذا كيفية الزكاة ومقاديرها كم يجب وفي أي مال تجب فيه ومتى وجبت وإلى من يجب دفعها. وكذا الصيام في شهر رمضان كم أركانه وما يصححه وأي شيء يبطله ومعرفة أركان المناسك والحج فرض عين ويجب على الأمير والرئيس أن يعرف حقوق الرعية وشرط السياسة واللطف في موضعه وكيفية استيفاء الحقوق ونصرة المظلوم والجري على منهاج السياسة، والسوقي يجب عليه أن يعرف الأشياء التي يحرم بيعها والشروط الفاسدة إلى غير ذلك، وكل من يتولى أمرا يجب عليه فرض عين أن يحصل لنفسه علم ذلك الشيء من الحلال والحرام الذي لا يسعه جهله ومن تركها وغفل عنها فلا يعذر في القيامة ويسأل عنه حرفا حرفا ويجازى عليه ألفا ألفا». اهـ.

وقال الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام ومجدد عصره الشيخ عبد الله بن محمد الهرري الحبشي العبدري رضي الله عنه في كتابه «عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب» ما نصه([5]): «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه البيهقي وحسنه الحافظ المزي كما قال الحافظ السيوطي في رسالته المسماة «التنقيح في مسألة التصحيح» وصححه وحسنه أيضا في كتابه «تدريب الراوي»([6]). والمراد بالعلم في هذا الحديث علم الدين الضروري الشامل لمعرفة الله ومعرفة رسوله وغيرهما من ضروريات الاعتقاد والشامل أيضا لمعرفة أحكام الصلاة والطهارة شروطا وأركانا ومبطلات وغيرهما من ضروريات علم الدين». اهـ.

([1]) البحر المحيط (دار الفكر الطبعة الثانية 1403هـ، الجزء الثاني ص354).

([2]) بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي (الجزء الثالث عشر طبعة دار إحياء التراث العربي سنة 1423هـ ص237).

([3]) إحياء علوم الدين (طبعة دار الكتب العلمية الجزء الأول ص25).

([4]) مفيد العلوم ومبيد الهموم (طبعة المكتبة العصرية ص61).

([5]) عمدة الراغب في مختصر بغية الطالب (الطبعة الثانية سنة 1430هـ ص20).

([6]) تدريب الراوي (ص350).